Reading Time: 4 minutes

قد يكون المشككون في التغير المناخي أقليةً إلى حدٍّ ما، إلا أن عددهم كبير نسبياً. يعتقد واحد من كل 5 أميركيين أن التغير المناخي ما هو  إلا خرافة، أو أن البشر غير مسؤولين عن السبب به. وبالإضافة إلى ذلك، يدعمهم في رأيهم هذا الكثيرون في الشرق الأوسط وأجزاءِ من آسيا، وخاصة الصين. في الحقيقة هم يمثلّون أقليةً صوتية أيضاً، لكن، ومع مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإنهم يشّكلون عقبةً حقيقية أمام العمل الجماعي لمعالجة مشاكل المناخ.

إذاً، ماذا يمكننا أن نفعل بشأن هؤلاء؟

قد تعتقد أنّ الإجابة ستكون زيادة مستوى تعليمهم ووعيهم بشأن مشاكل المناخ، فكلّما زادت معرفتك بعلوم المناخ وآلية عمله، زاد اعتقادك بأنّ التغير المناخي هو مشكلةٌ حقيقية.

لكن العلم يقول إن هذا غير صحيح. إذا كنت ترغب في معرفة موقف شخصٍ ما من التغير المناخي، فمن الأفضل لك أن تسأله عن ميوله السياسية أكثر من معرفته العلمية. في الواقع، في الولايات المتحدة، بقدر ما تميل لسياسات الجمهوريين، وبقدر ما تكون على دراية «علمية» بمشاكل المناخ، زاد تشكيكك بشأن التغير المناخي.

ما يحتاجه علم المناخ حقاً هو التسويق الأفضل. قد يعتقد الباحثون أن العلم يبيع نفسه، لكن بالرغم من أن الناس قد يثقون بالعلماء بشكلٍ عام، إلا أن الصورة مختلطة أكثر عندما يتعلق الأمر بقضايا تثير جدلاً سياسياً مثل التغير المناخي. لذلك، ومع قيام العديد من السياسيين بإقناع الناس بنشاط بأن العلم ليس بهذه الأهمية، نحن بحاجةٍ لإقناع الناس بأن هؤلاء السياسيين مخطئون وأن علماء المناخ على حق.

ولحسن الحظ، هناك 3 أدوات تسويقية رئيسية يمكننا استخدامها للقيام بذلك.

1. تأطير مشكلة التغير المناخي

كيف يمكننا تأطير مشكلة التغير المناخي؟ عادةً ما نُسأل ما الذي يمكننا القيام به كأفرادٍ وشركاتٍ ودولٍ للحدّ من انبعاثات الكربون، والتي تؤدي حتماً إلى تسخين الكوكب، إلا أنّه حين النظر من ناحية أن هذه الانبعاثات دفعت بعجلة نمو الاقتصاد العالمي على مدار القرن الماضي، فقد يُنظر إلى هذه الفكرة على أنها تعمل على تأليب العلوم ضد اقتصاد السوق الحر، وضد رغبتنا في أن نحيا الحياة التي نريدها.

تأطير المشكلة بهذا الشكل قد لا يؤتي ثماره مع الجميع. فكما يبرع المسوّق الجيد في إيصال رسالته للجمهور لتسويق منتجه، فكذلك ينبغي أن يكون التسويق وتوصيل الأفكار العلمية لغير الخبراء على نطاقٍ واسع، والتي تؤثّر على الكثير، فمن المنطقي أن توضع في أطرٍ أو طرقٍ مختلفة لتوصيل فكرة التغيّر المناخي إلى مجموعاتٍ مختلفة من الناس.

على سبيل المثال، يساعد تأطير التغير المناخي باعتباره فرصةً للابتكار التكنولوجي في إبقاء المدافعين عن السوق الحرة على الحياد، مما يقلل من المقاومة السياسية للعمل المناخي. كما يمكن لتأطير تغير المناخ كقضية «رعاية» -أي كواجبٍ مقدس لرعاية الأرض- قد يساعد في إقناع المتدينين بالوقوف إلى جانبها أيضاً.

2. الوقاية خير من العلاج

يمكن فضح الخرافات والأكاذيب الكثيرة والمتعلقة بالمناخ على شبكة الإنترنت. لكّن تلك العملية صعبةٌ إلى حدّ ما، لأنه بمجرّد أن يقتنع شخصٌ ما بقكرةٍ ما، يصبح من الصعب تغيير قناعته، خاصّة إذا بنى قناعته على اعتقاداتٍ مُسبّقة لديه.

يمكن اعتماد استراتيجية بديلة استباقية تعمل كمبدأ «التطعيم»، أي يمكن الوقاية من مرضٍ بدلاً من علاجه، وبذلك تهدف الاستراتيجية البديلة إلى منع انتشار المعلومات المضللة في المقام الأول، بدلاً من محاولة فضحها بعد انتشارها، ويمكن القيام بذلك عن طريق تحديد الاستراتيجيات الجدلية الشائعة التي يتبعها المشككون بالتغير المناخي؛ مثل الإدعاء الكاذب بالمعرفة الواسعة، أو المبالغة في ناحية عدم اليقين بالنماذج المناخية وعدم دقّتها، ثم شرح سبب عدم مصداقيتها.

يجب أن تصل هذه المعلومات إلى الأشخاص المناسبين طبعاً. يمكننا تشبيه ذلك بالوقاية من الأمراض، فالتلقيح أفضل ما يكون في مرحلة الطفولة، ونقصد بالتلقيح هنا التعليم. يوفّر نوع التعليم الذي يتناول المفاهيم الخاطئة مباشرةً ويدحضها إطاراً مناسباً للقيام بذلك. في الواقع، مشكلة التغير المناخي ليست من المشاكل القصيرة الأجل، لذلك يجب أن نبني ونصمّم استراتيجيةً تعليميةً وتوعوية طويلة الأمد.

 

3. اختيار الأشخاص المناسبين لتوصيل الرسالة

جريتا ثينبرغ تخاطب قادة العالم حول التغير المناخي.
حقوق الصورة: ماتياس نت | المنتدى الاقتصادي العالمي

أخيراً، ليس من المهم التركيز على فحوى الرسالة فحسب، بل على من يوصلها أيضاً. فنحن نفضّل الإصغاء إلى الأشخاص الذين يشاركوننا توجهاتنا السياسية، ونفضلّهم على الخبراء الذين نختلف معهم. وذلك يعني أننا إن رغبنا في توصيل رسالةٍ مؤيدة للعلم بفعالية، فنحن بحاجةٍ لأشخاصٍ من مختلف التوجهات السياسية ليقوموا بتوصيل الرسالة.

لا يمكن لألكسندريا كورتيز أو غريتا الوصول إلى الجميع. لكن هناك عدداً متزايداً من السياسيين المحافظين الذين يدعمون العمل بشأن التغير المناخي.

من الرائع أن يوجد ناشطون مثل الطفلة «غريتا تونبرج» لتقوم بتوصيل رسالتنا، لكّن لا يصغي الجميع لمثل هؤلاء الناشطين. هناك مجموعاتً متنوّعة سياسياً تتشارك بنفس الرسالة. على سبيل المثال، عندما كان باراك أوباما رئيساً، تواصل مع الزعماء الدينين الذين قاموا بلعب دورٍ نشطٍ في الترويج والتوعية بالمشاكل البيئية في مجتمعاتهم.

التسويق ليس دائماً فكرةً سيئة

يمكن أن تتبع أساليب التسويق والدعاية حيلاً معينة لدفعنا لأشياء لسنا بحاجةٍ إليها بالفعل، لذلك قد يبدو التسويق لمشكلة التغير المناخي ومحاولة تغيير قناعاتنا أمراً مشكوكاً فيه.

لكن من المهم أن نتذكّر أنه وبالرغم من أنّ قضية التغير المناخي تُعد قضيةً سياسية مثيرةً للجدل، إلا أنها حقيقية وآثارها شديدة بغضّ النظر عن رأيك ورأي الآخرين. من حقنا أن نقرر كيف أو متى نغيّر سلوكنا في ظلّ مناخٍ يهدد الاستقرار، لكن ليس لدينا الحق في أن نقرر أن أعمالنا ليس لها أي تأثيرٍ على المناخ. وكما يقول المثل: «من حقنا أن نمتلك آراءنا الخاصة، ولكّن لا يحقّ لنا التلاعب بالحقائق لمصلحتنا».

بالإضافة لذلك، هناك فرق بين أهداف المسوقين وأهداف العلماء الذين يحاولون التواصل مع الجمهور. المسوق يريد أن يبيع لنا الأشياء، بينما يريد العالِم منا أن نكسر تحيزاتنا الإيديولوجية واللامبالاة في التعامل مع الحقيقة.

لقد صُممت الاستراتيجيات التي ذكرتها لتهيئة الظروف المناسبة للتأثير على الناس، وهي لا تنتقص مُطلقاً من قدرتنا على تكوين القناعات الخاصّة بنا، بل على العكس، قد تعززها -لأنها- على وجه التحديد، تقوم بتحييد تحيزاتنا الأيديولوجية التي تواجه الحقائق، فنحن في النهاية نحتاج إلى القليل من المساعدة في التفكير بأنفسنا.

وطبعاً لا يعني التسويق الجيد ضمان البيع دائماً، فحتّى لو استخدم العلماء هذه الأساليب، فقد يرفض المشككون في التغير المناخي شراء أفكارهم. لكن المسوقون الجيدون لا يستسلمون أيضاً، إذا لم تنجح هذه الأفكار والاستراتيجيات، يمكننا دائماً البحث عن طرقٍ أخرى.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن