Image

في الحوادث الشبيهة بتحطم الرحلة 302 لخطوط الطيران الإثيوبية، تعد الصناديق السوداء محورية في حل اللغز، لكن الخبراء مدربون على النظر إلى عوامل متعددة.

Bread assortment طائرة من طراز بوينج 737 ماكس 8 حقوق الصورة: شركة بوينج

تحطمت طائرة تابعة للخطوط الجوية الإثيوبية بعد دقائق من إقلاعها من مطار أديس أبابا يوم الأحد الماضي، متسببة في وفاة 157 شخصًا. هذه الحادثة تذكرنا بحادثة شبيهة وقعت في أكتوبر 2018، حين تحطمت طائرة تابعة لشركة لايون إير الإندونيسية من نفس الطراز، بوينج 737 ماكس 8.

من الطبيعي أن يتم الربط بين الحادثتين لاشتراكهما في نفس نوع الطائرة المتحطمة. وقد اختارت بعض شركات الطيران التي تستخدم هذا الطراز 737 أن توقف أسطول طائراتها منه عن الخدمة، ومن بينها الخطوط الجوية الإثيوبية، بينما اختارت شركات أخرى ألا تفعل ذلك. (وقد صرح متحدث باسم شركة بوينج عبر البريد الإلكتروني أنه في هذا الوقت، ليس هناك ما يدعوهم إلى إصدار “إرشادات جديدة” لشركات الطيران.) لكن من المهم أيضاً أن نتذكر أن المحققين لا يزال أمامهم الكثير من العمل، حتى وإن كانوا قد استعادوا الصندوقين الأسودين.

إن التحقيقات في حوادث تحطم الطائرات لا تنتهي سريعًا. وفيما يلي، سنوضح بشكل عام كيف يحاول المحققون تحديد ما جرى في حادثة تحطم طائرة.
Embed from Getty Images
التفكير في العنصر البشري والآلة والبيئة

بعد وقوع حادثة التحطم، يبدأ المحققون في محاولة تكوين صورة لما حدث، تمامًا كمحاولة تجميع لعبة (بازل) قد لا تكون مكتملة القطع. هكذا عبر عن الأمر البروفيسور أنتوني بريكهاوس، الأستاذ المساعد للسلامة المهنية والجوية في جامعة إمبري ريدل للطيران، وهو يدرّس مواد تتعلق بالتحقيق في الحوادث.

وأضاف بريكهاوس: “سينظرون في ثلاثة جوانب رئيسية، وهي العنصر البشري وعنصر الآلة والبيئة التي كانت تطير فيها الطائرة”.

ولا يقتصر البحث في العنصر البشري على طاقم الطيران، وإنما يشمل أيضاً عوامل مثل الصيانة التي تلقتها الطائرة. أما عنصر الآلة فيشمل الطائرة وحطامها، والبيئة تشمل الطقس.

قال بريكهاوس: “إن الحطام المادي الموجود على الأرض في إثيوبيا سيرسم لنا صورة، وبعد ذلك سنحصل على صورة أخرى من مسجل بيانات الرحلة ومسجل الصوت في مقصورة القيادة”.

ومسجل بيانات الرحلة ومسجل الصوت في مقصورة القيادة هما ما يطلق عليهما “الصندوق الأسود” ويقعان قرب ذيل الطائرة. ويحتوي مسجل الصوت على قنوات متعددة: فيمكنه التقاط ما يقوله الطيار وما يقوله الضابط الأول، وكذلك الأصوات المحيطة على متن الطائرة بفضل “ميكروفون منطقة المقصورة”. يمكن أن يشمل ذلك التحذيرات الصوتية، أو صوت شخص آخر يتحدث بصوت مرتفع إلى الطيارين، أو حتى الضوضاء القادمة من بقية الطائرة.

على سبيل المثال، ففي حادث تحطم سابق، التقط ميكروفون الأصوات المحيطة صوت انفجار إطار في عنبر الشحن، كما أوضح بريكهاوس، ومن ثم فيمكنه أن يكون مصدرًا ثريًا للمعلومات. ويضيف أيضًا أن المحققين “سينصتون إلى التغيرات في أصوات الطيارين، ليروا هل كانوا في حالة توتر؟ هل كانوا يواجهون موقفًا عصيبًا؟ هل كانوا هادئين؟”.

ثم يأتي دور مسجل بيانات الرحلة، والذي يلتقط ما بين 300 إلى 2000 قياس مختلف، بحسب بريكهاوس، و الذي سيوفر معلومات مهمة عن حركات الطائرة، من قبيل ما إذا كانت تطير لأعلى أم تهبط لأسفل أم تدور حول نفسها.

وكما أوضحت ماري شيافو، وهي محامية ومفتش عام سابق في وزارة النقل الأمريكية، فإن هذين الصندوقين الأسودين لهما أهمية خاصة في هذه الحادثة على وجه الخصوص. وعلقت: “بالنظر إلى ما تبقى من الحطام، فإنهم سيحلون لغز هذه الحادثة عن طريق الصندوق الأسود”. وبحسب شيافو، فهذا الأمر لا يحدث دومًا: ففي حوادث كارثية مثل حادثة لوكيربي، التي سقطت فيها طائرة بان آم الرحلة 103 من طراز 747 بسبب قنبلة عام 1988، أو انفجار طائرة ترانس ورلد إيرلاينز الرحلة 800 في وسط السماء في عام 1996، كان للحطام نفسه دور أكبر من دور الصندوقين الأسودين في معرفة ما حدث.

وأشارت أيضًا إلى أن مسجلات الصوت الحديثة في مقصورة القيادة تسجل 25 ساعة من الصوت، ومن ثم سيحتوي المسجل على تسجيلات للرحلات السابقة التي قامت بها هذه الطائرة. هذا السياق التاريخي من شأنه أيضًا أن يقدم بعض الإشارات.

وعلى الصعيد الدولي، تجرى هذه التحقيقات وفق مجموعة من المعايير والممارسات التي تأخذ هذا الاسم سيء الحظ، “الملحق رقم 13″، وهو وثيقة تتناول “التحقيق في أحداث وحوادث الطائرات” صادرة عن المنظمة الدولية للطيران المدني، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة.
Embed from Getty Images
التفكير خارج الصندوق الأسود

صرح المجلس الوطني لسلامة النقل عبر تويتر أنهم سيرسلون فريقاً صغيراً إلى إثيوبيا، وأن شركة بوينج ستفعل ذلك أيضاً. وقالت شيافو إن إشراك المجلس الوطني لسلامة النقل أمر مهم، لأن لديهم “واحداً من أفضل معامل تنزيل وتفسير بيانات الصناديق السوداء على مستوى العالم”.

وفي مواقع التحطم نفسها، يتبع المحققون بشكل عام بروتوكولاً معيناً لا يقتصر على نزع الصناديق السوداء فحسب. وأضافت شيافو: “يتم تطويق الموقع ثم الدخول إليه وتصويره بأكمله”. وتساعد الطائرات بدون طيار (الدرون) في هذه المهمة. وقالت شيافو إن المحققين سيسجلون قطع الحطام التي وجدوها والمكان الذي وجدت فيه في موقع الحادث.

كما أنهم سيستخدمون أدوات تحقيق أخرى، مثل أخذ عينات من التربة للبحث عن وقود الطائرات واختباره للتحقق مما إذا كان يحتوي على ملوثات.

وفي مهمة ثقيلة، سيحاول المحققون العثور على جثث الطيارين. فكما أوضحت شيافو، “عليهم أن يأخذوا عينات من أنسجة الطيارين”، لكي يتحققوا مما إذا كانت تحتوي على مخدرات أو كحوليات. وأضافت: “تلك التقارير الخاصة بالتحاليل الباثولوجية في غاية الدقة”.

بوجه عام، سيعتمد المحققون على خبراتهم السابقة، وفي هذه الحالة ستكون حادثة تحطم طائرة لايون إير وثيقة الصلة، لكنهم سيحرصون على ألا تتأثر حيادية تحقيقاتهم بتلك الحوادث السابقة. وكما أوضحت شيافو:”إن حادثة التحطم الأخيرة التي كنت أحقق فيها ليست هي الحادثة التي أحقق فيها الآن، وهم على علم بضرورة الاحتراز بشأن ذلك”.

التفكير في أسباب متعددة، وليس في سبب واحد

طالب بريكهاوس بتوخي الحذر عند مقارنة هذه الحادثة بحادثة لايون إير، قائلًا: “هناك آثار متطابقة تركتها الحادثتان، لكن التحقيقات بشأن لايون إير لم تنته بعد، لذا فنحن لا نعرف بشكل كامل ما حدث فيها. ومن ثم فمن المبكر حقًا أن نحاول الربط بينهما”.

ومن المهم أيضًا أن نتذكر أن الحوادث التي تتضمن نظمًا معقدة لا تحدث في العادة بسبب خلل واحد، وإنما تدخل فيها عدة عوامل.

وقال بريكهاوس أيضًا: “إن الطريقة التي ننظر بها إلى الحوادث هي أن هناك دائمًا سلسلة من الأحداث تضافرت معًا، وفي بعض الأحيان بصورة عشوائية. وإذا أزلنا عنصرًا واحدًا من ذلك التسلسل، لم تكن الحادثة لتحدث”.

error: Content is protected !!