Image

ولكنها ليست صادرة عن كائنات فضائية

Bread assortment تتابع من 15 دفقة التقطت منذ فترة قريبة
مصدر الصورة: سيميون وزملاؤه

منذ زمن بعيد، انطلقت 15 نبضة قوية من الأمواج الراديوية من مجرة قزمة تبعد عن الأرض حوالي 3 مليارات سنة ضوئية. ومنذ فترة وجيزة، تمكن تلسكوب في منطقة نائية من ويست فيرجينيا في الولايات المتحدة من التقاط هذه الإشارات القادمة من أقاصي الكون، وقد أعلنت مجموعة من الفلكيين والفيزيائيين الفلكيين عن نتائجهم الأولية حول هذه الأمواج.

تمثل هذه النبضات فترة نشاط جديدة بالنسبة للمصدر المجهول الذي أطلق عليه الفلكيون اسم “FRB 121102”. وهو مصدر للدفقات الراديوية السريعة “FRB”. غير أننا ما زلنا لا نعرف الكثير عن هذه الدفقات، حيث اكتشفت لأول مرة في 2001، أما المرة الأولى التي التقطنا فيها تكرر إحدى هذه الدفقات (وهي في الواقع التي نتحدث عنها في هذه المقالة) فقد كانت في 2015. ويعبر اسمها عن ماهيتها بالضبط: دفقات شديدة السرعة والقوة من الإشارات الراديوية، غير أننا لا نعرف حتى الآن ما يسببها.

تقول إميلي بيتروف، باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في المعهد الهولندي للفلك الراديوي: “إن مصدر الدفقات المتكررة يعتبر حالة شاذة بين مصادر الدفقات المعروفة لدينا. إنه الوحيد من نوعه”. لم تشترك بيتروف في عمليات الرصد الأخيرة، ولكنها اشتركت السنة الماضية في مشروع لوضع دليل شامل للدفقات الراديوية السريعة.

تقول بيتروف في رسالة على البريد الإلكتروني: “نحن نحاول باجتهاد أن نعثر على المزيد من هذه الدفقات، سواء بكشف تكرار الموجود منها، أو اكتشاف دفقات جديدة ومراقبتها. يجب ألا ننسى أن مجموعة مصادر الدفقات الموثقة ما زالت صغيرة للغاية، وتبلغ 30 مصدراً. وقد رصدنا دفقة واحدة فقط من 29 مصدراً من هذه المصادر، وما يزيد على 200 دفقة من المصدر المتبقي!”

إن انطلاق 15 دفقة من نفس المصدر خلال زمن قصير أمر مثير للغاية، إذ لم يتم رصده من قبل، كما أن هذه الدفقات تتميز بترددات مرتفعة للغاية مقارنة مع الدفقات الأخرى، وتصل إلى حوالي 7 جيجا هرتز.

يقول آندرو سيميون، فيزيائي فلكي ومدير برنامج بريكثرو ليسن، في تصريح صحفي: “لم نلتقط سابقاً دفقات من هذا المصدر بهذه الترددات العالية”.

ورد في بيان صحفي من منظمة بريكثرو ليسن التي مولت ونظمت هذا المشروع: “يوجد الكثير من التفسيرات الممكنة للدفقات الراديوية السريعة، تتراوح بين انفجارات من نجوم نيوترونية دوارة ذات حقل مغناطيسي شديد القوة، وأفكار أكثر خيالية حول كونها مصادر طاقة موجهة تستخدمها حضارات فضائية للسفن الفضائية”.

مهلاً لحظة!… كائنات فضائية؟ يجب ألا نندفع إلى الاستنتاجات هكذا

قد يبدو من المستغرب التفكير بالكائنات الفضائية كتفسير لهذه الظاهرة قبل استبعاد كل الاحتمالات الأخرى، ولكن هذا الاستغراب سيزول عند معرفة مصدر هذه المعلومة الجديدة. إن مبادرة بريكثرو ليسن هي مشروع بقيمة 100 مليون دولار هدفه الوحيد البحث عن إشارات من حضارات فضائية. وبالتالي، من الطبيعي أن ينظروا إلى الكائنات الفضائية كاحتمال وارد عند العثور على شيء غريب بدون تفسير مباشر وواضح، لأن عملهم هو إثبات أو نفي هذه الفرضية بالدليل القاطع.

من ناحية أخرى، تقدم المجالات العلمية المتنوعة الكثير من التفسيرات الممكنة لهذه النبضات المتكررة، ويتسم الكثير منها بالإثارة والتشويق، ولا علاقة لأي منها بالكائنات الفضائية على الإطلاق.

تقول بيتروف: “تثير أية إشارة غامضة من الفضاء الخارجي سؤالاً حتمياً حول الكائنات الفضائية. حالياً، لا يوجد أي دليل على أن هذه الدفقات إشارات مرمزة أو ما شابه. وعند التعامل مع أية ظاهرة جديدة، فإن التفسير الأبسط هو أفضل نقطة للبدء، وهو في هذه الحالة وجود مصدر فيزيائي فلكي ما لهذه الإشارات، لا مركبة فضائية.”

قد يكون المصدر آخر البقايا الدوارة من نجم تحول إلى مستعر أعظم، وهو جسم بحجم مدينة، ولكن بكتلة تتجاوز كتلة الشمس. تدور هذه النجوم النيوترونية حول محورها عشرات الآلاف من المرات في الدقيقة الواحدة، ويمكن أن تطلق أحيانا ًدفقات ساطعة نحو الكون، أو أن تصل شدة حقولها المغناطيسية إلى حد تسميتها بالنجوم المغناطيسية. ويعتقد بعض العلماء أن الدفقات الراديوية السريعة قد تصدر في مرحلة مبكرة من تطور النجم المغناطيسي.

تقول بيتروف: “تتمحور معظم نظريات الدفقات الراديوية السريعة حالياً حول الأجسام المضغوطة ذات الطاقات العالية في مجرات أخرى. وتعتبر الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية من أكثر الأجسام التي نعرفها انضغاطاً وطاقة، كما أنها تتمتع بالصفات الأكثر تطرفاً في الكون. تقول بعض النظريات أنها نبضات كبيرة صادرة عن نجم نيوتروني يافع للغاية ذي طاقة عالية، أو أن الدفقات الراديوية التي لا تتكرر قد تنتج عن تصادم نجمين نيوترونيين. وعلى كل حال، فإن عدد النظريات حول الدفقات الراديوية السريعة يفوق عدد الدفقات نفسها”.

مهما تكن طبيعة هذه الإشارة، فقد بدأت رحلتها منذ زمن بعيد للغاية. وبالتالي، إذا لم تيأس بعد من نظرية الكائنات الفضائية، لدينا المزيد من الأخبار السيئة لك.

اكتُشف هذا المصدر للدفقات الراديوية السريعة في نوفمبر 2012، وتبين لنا أنه يتكرر في 2015. وبالتالي لم يتوفر للباحثين الكثير من الوقت لإجراء دراسة دقيقة، وهو أحد الأسباب الرئيسية لعجز الباحثين عن تحديد طبيعته بشكل قاطع. يمكن الحصول على المزيد من البيانات عن طريق متابعة مراقبة المصدر، وربما حتى معرفة ماهيته في نهاية المطاف.

لنكن شديدي الوضوح بهذا الخصوص: من المرجح ألا يعني هذا الاكتشاف الجديد وجود كائنات فضائية. حتى أن منظمة “بريكثرو ليسن” وصفت فكرة صدور هذه الإشارات عن الكائنات الفضائية بأنها “تخمينية”. وإذا كان السبب شيئاً آخر (وهو ما نثق بحدوثه)، فلا ينبغي لذلك أن يقلل من حماستنا لاكتشاف شيء جديد ورائع وغريب.

تقول بيتروف: “واجهنا في سبعينيات القرن الماضي لغزاً كونياً مشابهاً، وهو مصدر دفقات أشعة جاما. وقد احتجنا إلى عقود من الزمن للتوصل إلى بعض الأشياء الأساسية حول هذه الدفقات، مثل مصدرها وسببها. أما الدفقات الراديوية السريعة فقد اكتشفت منذ عشر سنوات فقط، وقد توصلنا إلى الكثير من المعلومات حولها خلال وقت قصير، وما زلنا نكتشف أشياء جديدة كل سنة. وقد شهدت الأشهر الاثني عشر الفائتة فقط عاصفة من العمل والنشاط والنتائج الجديدة. وخلال فترة 6 أشهر إلى سنة، ستبدأ الكثير من التلسكوبات الجديدة بالعمل، وهي قادرة على كشف مئات الدفقات الراديوية السريعة سنوياً. ستكون الفترة المقبلة مثيرة للغاية!”

لذلك عزيزي القارئ، نرجو ألا تشعر بالخيبة إذا لم نعثر بعد على الكائنات الفضائية. وبدلاً من ذلك، يجب أن تشعر بالحماس حول كل الأشياء الجديدة التي أصبحنا نعرفها عن هذا الكون الرائع والمثير.

error: Content is protected !!