Image

التكنولوجيا الموجودة في هاتفك الذكي قد تشفي من دوار الحركة وتنقذ الأرواح

يمكنك الشعور بالراحة عند عبور الأمواج غير المستقرة

Bread assortment حتى وقت قريب، كانت أجهزة الاستقرار الجيروسكوبية آلات هائلة الحجم، يبلغ وزن الواحدة منها حوالي 100 طن.

على سطح الأمواج الهائجة، يمكن لتأرجح القارب أن يكون مزعجاً للغاية، وكما قال جوناثان هيلستراند، المشارك في السلسلة الوثائقية التلفزيونية “الصيد الأشد خطورة” Deadliest Catch، لصحيفة سياتل تايمز بعد نجاته بأعجوبة: تعتبر عبارة “سقط شخص عن القارب” أمراً لا ترغب بسماعه. ويضيف: “نحن نسمعه كثيراً”. خلال فصل شهد حتى الآن موت ثلاثة صيادي أسماك. في ظروف الطقس الرطب والمياه الهوجاء المزبدة، قد يصبح الاستقرار أثناء الإبحار مسألة حياة أو موت. وهذا ما يدفع العديد من السفن الآن لكي تستخدم آليات جيروسكوبية خاصة بتأمين الاستقرار.

لا تعتبر الجيروسكوبات بحد ذاتها تقنية جديدة، فقد ابتكرها في خمسينيات القرن التاسع عشر رجل فرنسي ضعيف البنية فشل في أن يصبح طبيباً. كان ليون فوكو مصاباً بقصر النظر في عين واحدة، وكان يكره المدرسة. وكتب أحد أصدقاء طفولته قائلاً: “كانت صحته حساسة، وشخصيته دمثة وخجولة ومتواضعة”. كان يفضل اللعب بالآلات، وأجبرته أمه على حضور صفوف مدرسة الطب، حيث تفوق على الجميع، إلى أن رأى الدم لأول مرة وأغمي عليه”. ولكن في 1851، خطرت على بال فوكو فكرة إظهار دوران الأرض. فقام ببناء نواس في قبو منزله بحيث يمكن أن يتحرك في أي اتجاه. وترك النواس ليتأرجح، وراقبه وهو يحافظ على نفس مستوى الأرجحة فيما تتحرك الأرض من تحته. وقد صدم العلماء بنتيجة التجربة لدرجة أنهم طلبوا منه أن يكرر التجربة أمام مجموعة مرصد باريس بالكامل.

لم يحتج فوكو بعد ذلك إلى الكثير ليتوصل إلى الجيروسكوب، اختراعه التالي لإظهار حركة الأرض. وهو عبارة عن دولاب يدور بسرعة حول محور، يسمى الدوار. يتم تثبيت الدوار بين حلقتين مغلقتين، تسميان بالإطارات الحاملة، أو غيمبال “gimbal”، والتي تدور حول محاورها الخاصة. أي أنه عندما يتم تطبيق ضغط على الإطارات الحاملة، لا يتأثر الدوار، ما يجعل منه أداة مفيدة لقياس اتجاهات البوصلة، أو الدورانات حول المحاور الثلاثة. وهو ما يسمح بالعثور على خط الأفق في صباح ضبابي، أو في مركبة فضائية متجهة إلى محطة الفضاء الدولية.

ما زالت الجيروسكوبات حتى الآن مستخدمة في الكثير من الأدوات المهمة، مثل التلسكوب الفضائي هابل، سيارات السباق، الطائرات، والهواتف الخليوية. هل تساءلت كيف يعمل الواقع المعزز للعبة بوكيمون غو فعلياً؟ يستخدم هاتفك الكاميرا وجيروسكوب الجهاز لعرض صورة البوكيمون على الشاشة وكأنه في العالم الحقيقي.

في القارب، يتحرك الجيروسكوب بسبب الاهتزاز الطبيعي للماء، ما يتسبب بضغط على الجيروسكوب يعرف باسم العزم. يقول أندرو سيمبريفيفو، نائب الرئيس للمبيعات والتسويق في شركة سي كيبر، والتي تصنع إحدى أنواع هذه الجيروسكوبات المستخدمة في الاستقرار: “مع دوران القارب، يميل الجيروسكوب بكلا الاتجاهين”. تستخدم أجهزة الاستقرار الطاقة المنتجة من دفع الجيروسكوب الدوار بعيداً عن محاوره العمودية لتصحيح وضع القارب. وهو بشكل أساسي يشبه طريقة تصحيح المتزلج على الأمواج لوضعية جسده ليوافق ميلان سطح الموجة.

لمزيد من التوضيح، نرى هنا محاكاة لاهتزاز قارب صغير بدون استقرار الجيروسكوب:

وهنا نفس القارب مع الجيروسكوب:

غير أن المشكلة كانت، حتى فترة قريبة، أن آليات الاستقرار التي تستخدم الجيروسكوب كانت آلات عملاقة، تزن حوالي 100 طن. وتعتمد قدرتها على سرعة دوران الدولاب، أو وزنه، أو قطره. أي أنها كانت ضخمة وتستهلك الكثير من الطاقة، ما يجعل استخدامها يقتصر على القوارب الكبيرة. وفي السبعينيات، تم ابتكار أجهزة الاستقرار التي تعتمد على الجنيحات كبديل يمكن استخدامه للقوارب الأصغر حجماً، كما في حالة زورق كانو “canoe” صغير يستخدم المجاديف بسرعة حتى لا ينقلب.

غير أن هذه الجنيحات، وعلى الرغم من فعاليتها، كانت تحتاج للكثير من الطاقة، وبطبيعة الحال كانت تتسبب بمقدار واضح من قوة الجر المعاكسة لحركة القارب. وبالتالي، في أوائل القرن الجديد، قررت سي كيبر أن تحاول صنع شيء بدا مستحيلاً حينها: آلية استقرار جيروسكوبية للقوارب الصغيرة.

لتصغير حجم الجيروسكوب، قاموا بوضع الآلة بأكملها في الخلاء، وذلك لتخفيف الاحتكاك، بحيث أصبحت تقريباً بحجم مكيف الهواء. وتعتمد على نظام تبريد مغلق الحلقة يتدفق فوق وتحت محامل المحاور ضمن حلقات تبريد، ما يمنع حرارة الاحتكاك، والتي لا يمكن تجنب وجودها، من تبخير الشحم الزالق. ونظراً لعمل الآلة ضمن الخلاء، يمكن لهذا النظام أن يولد الاستقرار لقارب بطول 60 قدماً (حوالي 18 متر) باستخدام طاقة لا تتجاوز ما يستخدمه مجفف شعر. تصنع سي كيبر حالياً وحدة مخصصة للقوارب بطول 30 قدم (حوالي 9 أمتار)، وهي الأصغر في العالم.

يقول سيمبريفيفو: “لقد واجهنا بعض الرفض في البداية”، مشيراً إلى ثقافة الاعتداد بالنفس والخشونة التي تتميز بها الكثير من النشاطات البحرية. ما دفع بالشركة إلى أن تعرض تجربة مجانية على القوارب المخصصة لخدمة المزارع الريحية في بحر الشمال، وهي من أكثر البحار اضطراباً في العالم. ويتابع سيمبريفيفو: “قالوا لنا: لا نريدها. ولكننا قلنا: جربوها وحسب”. عندما استرجعت سي كيبر هذه الآلات، “أضرب الطاقم عن العمل. لقد اشتروا وحدات للأسطول بأكمله”.

اكتسبت هذه التقنية شعبية في المراكب الترفيهية أيضاً. وكما هو واضح، يمكن لتخفيف حركة القارب بهذا الشكل أن يساعد على التخفيف من دوار البحر بشكل كبير. وهو أمر مفيد، حيث تقترح دراسة حديثة نشرت في مجلة PubMed أن 27% من النساء و 16% من الرجال يصابون بدوار البحر. يقول سيمبريفيفو: “لقد كان دوار البحر يعتبر جزءاً من الحياة على القارب. ونأمل أن نغير هذا”.

أصبحت شركة MJM لليخوت الفاخرة أول شركة تضيف نظام الاستقرار من سي كيبر تلقائياً إلى يخوتها. يقول كريستوفر هيوز من الشركة: “إن تقديم هذه الآليات بشكل معياري أصبح جزءاً أساسياً من علامتنا التجارية”. تخفف أنظمة الاستقرار هذه من الدوران حول المحور الأمامي بنسبة 90%، ما قد يتسبب أحياناً بشعور غريب بالثبات. كمثال على هذا، كان هيوز مؤخراً في أحد يخوت الشركة، والذي استخدم للمشاهدة أثناء سباق إبحار في ظروف صعبة. وقد كان القارب ثابتاً لدرجة أن أحد أعضاء اللجنة المنظمة اقترب منا بقاربه وقال: “يبدو وكأن قاربكم ارتطم بالقاع”.

ما زالت سي كيبر تعمل على تصغير النظام لجعله صالحاً للاستخدام في القوارب من جميع الأحجام. ويقول سيمبريفيفو: “نحن نبذل كل ما في وسعنا في سبيل تحسين وتصغير هذا المنتج ليعمل على قارب بطول 20 قدماً (6 أمتار)”. وعلى الرغم من أن الاستخدام الأول كان في القوارب الفاخرة، تسعى الشركة للوصول إلى القوارب التجارية أيضاً.

يأمل سيمبريفيفو أن يؤدي انتشار استخدام أنظمة الاستقرار إلى تحسين ظروف السلامة في البحار. ويمكنكم أن تسألوا جوش وايت، الذي سقط في بحر بيرينغ منذ عدة سنوات أثناء تصوير السلسلة الوثائقية “الصيد الأشد خطورة”. فقد كان قاربه على بعد 266 ميلاً (حوالي 428 كيلومتر) من البر، عندما اهتز قاربه بضربة موجة بارتفاع 15 قدم (حوالي 4.5 متر). كان وايت يقف قرب كومة من أقفاص السرطانات عندما شعر فجأة أنه ينزلق. ويقول: “لقد حاولت أن أتمسك، ولكنني لم أستطع، وقبل أن أدرك ما حدث، سقطت في البحر”. سقط وايت في مياه بحرارة 36 درجة فهرنهايت (حوالي 2.2 مئوية). وكان معرضاً للموت خلال دقائق لو لم يسارع أفراد الطاقم إلى إنقاذه.

هذه بالضبط هي الحوادث التي تأمل سي كيبر بأن تتمكن أنظمتها من منع حدوثها. يقول سيمبريفيفو: “أمامنا الفرصة لنرى ما يمكن لمنتجاتنا أن تفعله”.

error: Content is protected !!