Image

التلوث لا يقتصر على الدول الفقيرة

Bread assortment طفل صغير يشرب الماء في الجبل الأسود، زامبيا، وقد وصف هذا الموقع بأنه الأكثر تلوثاً في العالم.
حقوق الصورة: لاري برايس

تسبب التلوث في مقتل تسعة ملايين شخص في عام 2015، وهو عدد قريب من سكان مدينة نيويورك. وكان من الممكن تفادي هذه الوفيات، وفقاً لتقرير نشرته مؤخراً لجنة التلوث والصحة في مجلة “ذا لانسيت”.

قام الباحثون، وهم خليط من الأطباء والأكاديميين والباحثين من عدة مؤسسات مثل البنك الدولي، بتقييم البيانات التي تم جمعها من 130 بلداً. ووقعت معظم هذه الوفيات المرتبطة بالتلوث (92 في المائة) في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، والسبب هو أن هذه البلدان لم تطبق بعد ضوابط التلوث المعروفة في البلدان الغنية.

وجاء في التقرير الذي شارك في كتابته أكثر من أربعين مؤلفاً: “سنّت البلدان مرتفعة الدخل وبعض البلدان متوسطة الدخل تشريعات، وأصدرت لوائح لفرض الحصول على الهواء النظيف والمياه النظيفة، ووضعت سياسات للسلامة الكيميائية، وكبحت أشد أشكال التلوث فظاعة. لقد أصبح هواء هذه البلدان وماؤها الآن أكثر نظافة، وانخفضت تراكيز الرصاص في دم أطفالها بأكثر من 90 في المائة، ولم تعد تعاني أنهارها من ارتفاع الحرارة، وأعيدت معالجة أسوأ مواقع النفايات الخطرة فيها، وأصبح الكثير من مدنها أقل تلوثاً وأكثر ملائمة للعيش”.

ولا يمكن أن يقال الشيء نفسه عن مدن مثل بكين ونيودلهي، التي أصبحت مرادفة لمستويات شديدة من تلوث الهواء، لكنها لم تصل حتى إلى قائمة المدن العشر ذات الهواء الأكثر تلوثاً، وذلك وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2016، وتفوقت عليها مدن مثل أونيتشا في نيجيريا وزابول في إيران، والتي هي أقل شهرة ولكنها مع ذلك ملوثة بشكل لا يصدق. وفي الوقت نفسه، أشار التقرير إلى أن التلوث لا يبقى في مكان واحد، حيث يأتي 11 في المائة من تلوث الكربون الأسود في الولايات الأميركية الغربية من الصين. ولأنه “كما تدين تدان”، فإن حوالي 20 في المائة من تلوث الهواء في الصين يأتي من تصنيع منتجات لصالح الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، فإن التلوث مشكلة عالمية حقاً.

التلوث في الهواء

كانت الملوثات التي يحملها الهواء السبب الرئيسي للوفاة بالتلوث، ما أودى بحياة 6.5 مليون شخص في عام 2015 بسبب خليط من أمراض القلب والسكتات الدماغية وأمراض الجهاز التنفسي. ويشمل ذلك كلاً من التلوث بالهواء الخارجي (السموم مثل الزئبق الذي ينبعث من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، وعوادم السيارات)،  وتلوث الهواء في الأماكن المغلقة الناجم عن حرق الخشب والروث للتدفئة.

ولكن في حين أن تلوث الهواء كان الشكل الرئيسي للوفاة بسبب التلوث، فإنه لم يكن المصدر الوحيد، حيث تسبب تلوث المياه في مقتل 1.8 مليون شخص آخرين. والجاني غالباً ما يكون مزيجاً من مصادر المياه غير الآمنة والصرف الصحي غير الآمن (لأن إمدادات المياه المحدودة تجعل النظافة الأساسية صعبة). ويتسبب تلوث المياه عادة في القتل من خلال نقل أمراض الإسهال والتيفوئيد. والتلوث الذي لا يقتل تبقى لديه فرصة التسبب في الأمراض، فهناك مليار شخص مصاب بالتلوث الذي تنقله المياه كل عام. وفي حين أن هذه الأمراض تضرب في المقام الأول البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، فإن مدينة فلينت في ولاية ميتشيجن تبين لنا مدى سرعة تراجع الصرف الصحي في العالم الأول. فبالإضافة إلى الرصاص في المياه، فإن نقل إمدادات الشرب في فلينت قد مهد الطريق للانتشار المميت لمرض ليجيونير.

لا تنحصر المشكلة في تلوث الهواء وحده، فتلوث المياه كما هو ظاهر هنا في بنغلاديش يمثل أكثر من مليون حالة وفاة سنوياً.
حقوق الصورة: لاري برايس

حتى في أميركا، الفقراء هم من يدفعون الثمن

تمثل فلينت، وهي مدينة أميركية ذات أغلبية سكان من أصل إفريقي، وفيها متوسط ​​دخل للأسرة أقل من المتوسط ​​العام في الولايات المتحدة، قضية أخرى أثيرت في التقرير، وهي الربط بين التلوث والفقر والظلم. وباختصار، كلما كنت أكثر فقراً، زاد احتمال أن تعيش في بيئة ملوثة، وهذا ليس من قبيل المصادفة. فنحن -كمجتمع- نميل إلى تركيز الصناعات الأكثر تلويثاً في المجتمعات الأكثر فقراً.

وفي عام 1987، عندما صيغ مفهوم العنصرية البيئية لأول مرة، اكتشف الباحثون أن المجتمعات متعددة الأعراق والمجتمعات ذات الدخل المنخفض يزداد احتمال وجود صناعات ملوثة (محطات توليد الكهرباء ومقالب القمامة، على سبيل المثال) داخل حدودها. وفي عام 2007، عاد الباحثون لينظروا من جديد في هذه المسألة، على أمل أن يؤدي الوعي بالمشكلة إلى اتخاذ تدابير تصحيحية، وبدلاً من ذلك وجدوا العكس، حيث ازدادت كمية التلوث في هذه المجتمعات.

في غضون ذلك، تم إيجاد حوالي 140 ألف مادة كيميائية جديدة منذ الخمسينيات. ومن بينها، تم خضوع أقل من نصف المواد الـ 5000 الأكثر استخداماً لاختبارات السلامة والسمية. وكشف الكثير من هذه المواد، مثل دي دي تي (الذي يؤدي إلى القضاء على الطيور تقريباً) ومركبات الكلوروفلوروكربون (التي دمرت تقريباً طبقة الأوزون الواقية للأرض) عن طبيعتها الضارة عن طريق قتل الإنسان. باختصار، تبدو الصورة قاتمة جداً.

قامت مجلة “ذا لانسيت” بتحميل بيانات التلوث وحولتها إلى خريطة تفاعلية معروضة في موقع www.pollution.org ويمكن للجمهور تحميل بيانات التلوث الخاصة بهم لتوسيع معلومات الخريطة.
حقوق الصورة: مجلة “ذا لانسيت”

ولكن كما يقول المؤلفون، “التلوث ليس النتيجة الحتمية للتنمية الاقتصادية. ولا يجب علينا أن نعيش مع الهواء والماء والتربة الملوثة. وعلى عكس الادعاء المتكرر بأن مكافحة التلوث تعيق النمو الاقتصادي، فإن الوقاية من التلوث تظهر فى الواقع وبشكل متكرر بأنها فعالة من حيث التكلفة الاقتصادية”.

وقد أدى تمرير قانون الهواء النظيف في الولايات المتحدة في السبعينيات إلى خفض تلوث الهواء بستة ملوثات شائعة بنسبة 70 في المائة، حتى مع نمو الاقتصاد بنسبة 250 في المائة. وكان للتخلص من الرصاص في البنزين فائدة إضافية في جعل الأميركيين أكثر ذكاء قليلاً.  لقد أظهرنا أنه عندما نكون على بينة من المشكلة ونتصرف على أساس ذلك، يمكننا أن نقلل من التلوث مع استمرارنا في كسب المال.

ولكن مع بدء الولايات المتحدة في تقليص صلاحيات وكالة حماية البيئة وإعادة الأنظمة المعمولة أساساً لنشر الزئبق وغيره من السموم القوية في الهواء والماء، فقد تتراجع عن التقدم الذي حققته في مواجهة التلوث، وتصبح معرضة لنفس الوضع السيئ الذي تعاني منه إفريقيا وآسيا، لقد أصبح هذا الخطر وشيكاً.

error: Content is protected !!