Image

التنبؤ الصحيح يعني وفيات أقل

Bread assortment الفيضانات التي خلفها الإعصار هارفي. حتى مع الكثير من التحذيرات كانت آثار الإعصار مدمرة. ما الذي سيحدث إذا أصبح التنبؤ بالأعاصير أكثر صعوبة.
حقوق الصورة: خفر الحدود والجمارك الأميركية.

وصل إعصار إيرما -الذي يحمل اسماً يبدو عجائزياً مقارنة بوحشيته- في الأسبوع الأول من سبتمبر إلى جزر الكاريبي وأنتيجوا باربودا وسان مارتين. كان تأثيره عنيفاً جداً بحيث خرج رئيس وزراء أنتيجوا باربودا جاستو براون في بث مباشر على الفيسبوك ليقول بأن 90 في المائة من بلاده قد دُمِّر. وإيرما هو أول إعصار من الدرجة الخامسة (وهو إعصار ذو رياح مستمرة بسرعة لا تقل عن 252 كيلومتراً في الساعة) يضرب المحيط الأطلنطي. بينما كان إعصار هارفي ينتمي إلى الدرجة الرابعة من الأعاصير. وقد جاءت قوته المدمرة من محتواه المائي وليس من قوة رياحه.

وكان متوقعاً أن يصل إيرما إلى جنوب فلوريدا بحلول يوم العاشر من سبتمبر، ما أدى إلى قلق الكثيرين من أن تواجه الولايات المتحدة عاصفتين كارثيتين فى أقل من شهر. ولكن قبل أن يصل إيرما إلى البر الأميركي، يرجح أنه سيدمّر بورتوريكو وجزر العذراء، وكذلك كوبا وهاييتي وجمهورية الدومينيكان.
ولكن كيف نعرف ذلك؟
تسمح لنا  تكنولوجيا تتبع مسار العواصف بالتنبؤ الذي يحفظ حياة الناس. وبالرغم من أن الناس الذين يعيشون اليوم في مسار الأعاصير والعواصف المدارية هم أكثر عدداً من أي وقت مضى، حيث تقدر بعض الإحصائيات أن عدد السكان المعرضين للعواصف المدارية على مستوى العالم ازداد بنسبة 300 في المائة ، فإن عدداً قليلاً جداً من الناس لقي مصرعه بسبب هذه العواصف. وتتيح لنا القدرات التنبؤية المتطورة، كتلك التي توفرها الأقمار الصناعية للإدارة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي، معرفة متى تأتي العاصفة ومتى ينتهي ضررها.

ولكن كيري إيمانويل عالم الأرصاد الجوية والمناخ في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا حذر في مقال له نشر مطلع عام 2017 في مجلة جمعية الأرصاد الجوية الأمريكية من أن التغير المناخي سيصعّب مهمة التنبؤ بالأعاصير. وهذا ما سيجعلها أكثر فتكاً.

وصول الإعصار أودري إلى اليابسة عام 1957 كما ظهر في صور الرادار.

إعصار إيرما كما أظهرته صور الأقمار الصناعية للإدارة الوطنية للمحيط والغلاف الجوي.

وتكمن المشكلة -من وجهة نظر إيمانويل- في أنه وبالرغم من أن قدرتنا على رؤية العواصف وفهم مسارها قد تحسنت بشكل ملحوظ، فإننا ما نزال غير قادرين بشكل كافٍ على التنبؤ بشدة العاصفة ومدى قوتها. فشدة العاصفة تلعب دور مهماً، لأن العاصفة الضعيفة قد تعني إمكانية البقاء في المنزل، في حين أن العاصفة القوية قد تتطلب الإجلاء.

إن العواصف التي تزداد شدتها بسرعة -وهي العواصف التي تصل إلى معظم قوتها قبل وصولها إلى اليابسة مباشرة- هي الأصعب من ناحية القدرة على التنبؤ بها. فإذا اشتدت قوة العاصفة بسرعة، فإن هذا سيقصر المدة التي يستطيع فيها الناس والسلطات المحلية اتخاذ قرار ما إذا كانوا سيقومون بالإجلاء أم لا. وإذا ما تم الوصول إلى أن الإجلاء هو الخيار الأمثل، فإن ازدياد شدة العاصفة بسرعة سيقلل المدة المتاحة للناس للخروج. وفي الوقت الراهن، على سبيل المثال، فقد منحت التنبؤات المتعلقة بإعصار إيرما سكان فلوريدا حوالي أسبوع لتخزين المؤن ووضع خطط الإجلاء. وقد تم إجلاء بعض السكان بالفعل. وهو ما منح المنطقة وضعاً أفضل مما لو كانت العاصفة قد وصلت إلى شدة مثيرة للقلق قبل يوم أو يومين من وصولها إلى اليابسة.

ويشير إيمانويل إلى الإعصار أودري الذي ضرب لويزيانا عام 1957 وتسبب بمقتل أكثر من 400 شخص (وهو سادس أكثر الأعاصير فتكاً بالبشر)، وإعصار هامبيرتو عام 2007 كمثالين لهذه  الزيادة السريعة في شدة الأعاصير. وتم التنبؤ بأن إعصار أودري عام 1957 -الذي تم رصده مسبقاً بالأقمار الصناعية وتتبعه بالرادار- سيصل اليابسة في وقت متأخر من يوم 27 يونيو. وقبل حلول المساء، شجعت وسائل الإعلام المحلية السكان على الانتظار حتى الصباح للخروج والتزود بالمؤن. ولكن العاصفة ازدادت شدتها بسرعة من 157 كيلومتراً في الساعة (الدرجة الثانية) إلى 241 كيلومتراً في الساعة (الدرجة الرابعة)، وازدادت سرعتها أكثر، جاعلة الجميع في حالة عدم استعداد لوصول العاصفة، فقد وصلت في وقت مبكر وبشدة أكبر مما كان متوقعاً.

أما هامبيرتو فقد كان عاصفة أضعف، وبالتالي فقد كان أقل فتكاً، ولكنه اتبع نفس النمط. حيث اشتدت العاصفة بنسبة 37 فى المائة فى أقل من 12 ساعة، مما يوحي بأن القدرة التنبؤية المتزايدة التي جلبتها لنا تكنولوجيا الأقمار الصناعية لم تصل بعد الى مهمة التنبؤ بهذا التكثيف السريع للعواصف.

ويمتد موسم الأعاصير الحالي من يونيو إلى نوفمبر، وذلك لأن هذه الفترة تحمل ظروف الطقس الأكثر ملاءمة لتشكل العواصف. وتكون درجات حرارة المحيط في أعلى قيمة لها خلال هذه الفترة، وبالتالي فإن المياه الدافئة هي التي تغذي الإعصار. وعندما ترتفع درجة حرارة المناخ العالمي، فإن المحيط يسخن أيضاً، مانحاً المزيد من القوة والشدة للأعاصير. وقد تشكّل كل من إعصاري هارفي وإيرما في البحار التي كانت أدفاً من المعتاد، ويرجح أن هذا الأمر يعود إلى التغير المناخي.

ولفهم الطريقة التي يؤثر بها التغير المناخي على قضية التكثيف السريع للعواصف، استخدم إيمانويل ستة نماذج حاسوبية مختلفة لمحاكاة تأثير التغير المناخي في كل من الرياح ودرجة الحرارة على مدى القرن القادم من الزمن. وقد استخدم هذه المعلومات لتحديد نسبة تكثيف الإعصار، أو مدى زيادة شدته. ولا يتسبب التغير المناخي في حدوث الأعاصير، فهي تحدث متى كانت الظروف مواتية، ولكن ولأن المياه الدافئة تغذي نمو العواصف، فيرجح أن الأعاصير ستكون أكثر شدة مع ازدياد حرارة الأرض. وقد وجد إيمانويل أن الزوبعة المدارية ما قبل التغير المناخي، والتي تبلغ سرعتها 48 كيلومتراً في الساعة قبل وصولها إلى اليابسة بـ 24 ساعة (وهي عاصفة لا تصنف كإعصار)، ستصل سرعتها إلى 202 كيلومتر في الساعة قبل 24 ساعة من وصولها إلى اليابسة في ظروف التغير المناخي.

إن معظم العواصف ذات الشدة المتسارعة السابقة -ولكن ضمن ظروف المناخ القديمة، أي ما قبل التغير المناخي- تبدو أقرب إلى إعصار هامبيرتو منها إلى إعصار أودري. وضمن هذه الظروف، تصبح العاصفة المدارية الضعيفة أكثر قوة بقليل، ولكنها لا تكون إعصاراً هائلاً.

وعندما قام إيمانويل بتطبيق نماذجه الحاسوبية على بيانات الطقس التاريخية، وجد أن الإعصار الذي تزداد شدته بمعدل حوالي 112 كيلومتراً كل ساعة خلال 24 ساعة أثناء وصولها إلى اليابسة (وهو أمر قادر على تحويل إعصار من الدرحة الأولى، حيث لا يمانع أكثر الناس البقاء في منازلهم، إلى إعصار من الدرجة الرابعة يسبب أضراراً كارثية) يجب أن يحدث مرة واحدة كل قرن. وبحلول عام 2100 ، يمكن أن يحدث مثل هذه الإعصار كل 5 إلى 10 سنوات بفضل المياه الأكثر دفئاً. إن زيادة شدة الإعصار بنسبة 185 كيلومتراً في الساعة خلال 24 ساعة قبل وصوله إلى اليابسة، وهو ما لا يحدث تحت الظروف الحالية، قد يحدث مرة واحدة كل قرن إذا لم نفعل شيئاً لوقف التغير المناخي.
وقد نشر تايلور تروجدون، كبير العلماء في وحدة حركة العواصف التابعة للمركز الوطني للأعاصير تغريدة على تويتر قبل ثلاثة أيام من وصول إعصار إيرما إلى فلوريدا، جاء فيها: “لقد كنت عاجزاً تماماً عن إيجاد الكلمات وأنا أنظر إلى إعصار إيرما في صور الأقمار الصناعية”.

لقد مضت عقود من الأبحاث حتى أصبح بإمكان تروجدون رؤية وتفسير صور الأقمار الصناعية التي جعلته غير قادر على الكلام. ولكن حتى مع تحسن توقعاتنا، فإن التغير المناخي قادر وبشكل متزايد على جعلنا غير مدركين لهذه المخاطر حتى يفوت الأوان.

error: Content is protected !!