Reading Time: 6 minutes

لا يعتبر القيام بجولة على مغاسل التنظيف الجاف والمغاسل المحلية في البلاد هو الإجازة التي يحلم بها معظم الناس، ولكن ديانا سيبايوس (الباحثة في قسم الصحة البيئية بجامعة هارفارد) تتطلع دائماً إلى أي فرصة للنظر إلى ما وراء الأمور.

عملت سيبايوس (الخبيرة في أخطار الصحة المهنية في المجالات الصناعية) مع مغاسل التنظيف الجاف في سياتل، التي تعود ملكية 80% منها إلى عائلات كورية، كما زارت الأبنية التجارية لمغاسل تايد (Tide) في وسط غرب الولايات المتحدة، وهي تقدِّم خدمات تنظيف الأنسجة على مدار 24 ساعة، (وقالت: “إنها فخمة للغاية”).

سواءً كانت متاجر الغسيل صغيرة أو كبيرة، فهي تدرك أنها تخدم نفس الغرض الأساسي، وهي أن تأخذ الملابس والأقمشة التي يحبها الناس، وتعيد تلك البياضات والملابس والأقمشة بحيث تكون نظيفة وخالية من البقع. وعلى الرغم من اسمه، إلا أن مشكلة التنظيف الجاف هي أنه في الواقع عمل قذر جداً؛ إذ يمكنه أن يتسبَّب في تسمم الناس الذين يعملون على آلات الغسيل، وتسريب المواد الكيميائية السامة إلى المجتمع المحيط.

ويعرف العلماء منذ عقود خطورة رباعي كلور الإيثيلين، وهي المادة الكيميائية الأساسية في هذا المجال؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، اقترحت الدراسات المبكرة أن مادة رباعي كلور الإيثيلين (أو PERC كما يتم اختصارها بشكل أكثر شيوعاً) هي مادة مسرطنة، إذ كانت الفئران التي تناولت هذه المادة واستنشقت أبخرتها أكثر عرضة للإصابة بأورام الكبد. وفي حين أن من الصعب إثبات ارتباط أي مادة بالسرطان بشكل حاسم، إلا أن جمعية السرطان الأميركية تصف الدراسات الوبائية عند البشر بأنها تُظهر أن العمَّال الذين يتعرضون بشكل منتظم لمادة رباعي كلور الإيثيلين تكون لديهم معدلات متزايدة من الأورام اللمفاوية وسرطانات المريء والكلى وعنق الرحم والمثانة.

وإن الأمور السيئة المتعلقة بهذه المادة قد استمرت في الازدياد، حتى صارت اليوم إحدى السموم العصبية المعروفة. وتذكر الوكالة الأميركية للسلامة المهنية والسلامة البشرية (OSHA) أن التعرض الحادَّ لمادة رباعي كلور الإيثيلين يرتبط بالدوار وعدم وضوح الرؤية وفقدان التنسيق. كما أن القيام بأمر بسيط مثل أخذ الملابس التي تم تنظيفها بهذه المادة ولم يتم تجفيفها بشكل صحيح يمكن أن يؤدي إلى ظهور هذه الأعراض بشكل مؤقت، ويمكن أيضاً للتعرض طويل المدى أن يؤدي إلى فقدان خفيف في الذاكرة.

ويمكن لاستخدام رباعي كلور الإيثيلين أن تكون له آثار بيئية شديدة أيضاً؛ إذ يمكن لقطرة واحدة تسقط على الأرض أن تمرَّ من خلال الأساسات الإسمنتية لمنشآت التنظيف الجاف وتتجاوز طبقات الصخور والتربة وصولاً إلى احتياطي المياه الجوفية. وتتوضَّع هناك بانتظار أن يتم شربها، أو تنتقل على الأرجح إلى مكان آخر يمكنها فيه أن تتبخر في الهواء، أو تُطلق منتجات ثانوية غازية سامة.

وعلى الرغم من القدرة التخريبية الموثَّقة لمادة رباعي كلور الإيثيلين، إلا أنها لا تزال مستخدمة على نطاق واسع؛ حيث إن هناك ما يقرب من 70% من مغاسل التنظيف الجاف لا يزال لديها غسَّالات تعمل بهذه المادة. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن التنظيف الجاف كان دائماً عملاً خطيراً، وبدت مادة رباعي كلور الإيثيلين -لبعض الوقت على الأقل- كأنها خطر مقبول، فقد كانت الطرق المبكرة لتنظيف الملابس تعتمد على النفط (أي على مزيج من الكيروسين والبنزين والغازولين)، ودفعت الانفجارات والحرائق المتكررة بمغاسل التنظيف الجاف إلى خارج المدن. تقول سيبايوس: “عندما كانت تتم المقارنة مع مغاسل التنظيف الجاف المحترقة تماماً، كانت هذه المواد السامة نفسها تبدو كأنها طريقة معقولة جداً في ذلك الوقت”. وعندما ظهرت المادة لأول مرة في ثلاثينيات القرن الماضي، كان لا بدَّ من أن تبدو أعجوبة حديثة؛ إذ أمكن للمغاسل أن تتخلى عن الآلات النفطية وأن تعود إلى المدن بالقرب من الزبائن. وأنشأ العديد منها متاجر في الطابق الأرضي أو الطابق السفلي من المباني السكنية.

لكن سيطرة هذه المادة الكيميائية تدعمها حقيقة بسيطة: وهي أنها فعالة؛ حيث يقول ستيف ويتاكر (وهو باحث في الصحة العامة في برنامج إدارة النفايات الخطرة المحلية في مقاطعة كينج في ولاية واشنطن) إنك عندما تأخذ قميصك إلى مغسلة التنظيف الجاف، يقوم الموظف أولاً بتقييم المادة المصنوع منها، فإذا كانت المادة قطنية أو من قماش آخر يمكن غسله بالماء، فسيتم تحويله إلى الغسالة الصناعية في المتجر (صدق أو لا تصدق، فإن هذا يحدث كثيراً، كما يقول ويتاكر)، أما إذا كانت المادة لا يمكن غسلها، فإنها تذهب إلى مغاسل التنظيف الجاف.

وتم تسمية التنظيف الجاف بهذا الاسم نظراً لعدم وجود مياه في هذه العملية، ولكنه لا يزال ينطوي على الكثير جداً من سوائل مادة رباعي كلور الإيثيلين. ويقول ويتاكر: “إن أول شيء يقومون به هو النظر للتحقق مما إذا كانت هناك أي بقع على الملابس، سواءً كانت بقع شحوم أو دم أو صدأ أو أي سوائل جسدية أخرى”، وإذا وجد الموظف شيئاً، فإنه يقوم باستخدام منظِّف خاص بالبقعة، وبعد ذلك يتم إخضاع الملابس بأكملها لحمام كيميائي في آلة مخصصة لمادة رباعي كلور الإيثيلين، الذي يعدُّ جيداً بشكل خاص في التعامل مع الشحوم. ويقول ويتاكر: “إذا تخيَّلت الغسالة ذات الفتحة الأمامية في المنزل، فإنها تشبهها تماماً، ولكن مع رباعي كلور الإيثيلين بدلاً من الماء”. ثم يقوم العمال بتجفيف الملابس وضغطها ولفها ضمن أكياس بلاستيكية، وحينها تكون الملابس الناصعة جاهزة لاستردادها من قبل مالكها.

قد تكون مادة رباعي كلور الإيثيلين فعالة، ولكن كان يمكن -بل يجب- أن يتم تنظيمها من قبل المشرِّعين منذ زمن بعيد، ومن سوء الحظ أن معظم المستهلكين لا يفكرون فيما يجري وراء الكواليس ما دام يتم إزالة بقع الطعام بشكل فعال، مما يعني عدم وجود الإرادة السياسية. ومع ذلك فقد خضعت هذه المادة للمزيد من القوانين منذ تسعينات القرن الماضي، ولكن لم يتم حظرها بعد، (وتعتبر كاليفورنيا -التي تتخلص تدريجياً من هذه المادة الكيميائية بشكل كامل- هي الاستثناء الوحيد). تقول سيبايوس: “يجري العمل على معالجة هذه القضية، لكن الحقيقة هي أن هناك فجوة كبيرة، كما هو الحال مع أي مادة كيميائية. وعلينا أن نوجد ما يكفي من المؤشرات على أن المادة سيئة بالنسبة لك قبل اتخاذ أي إجراء”.

وإن هذه العوامل الاجتماعية والاقتصادية مجتمعةً قد مكَّنت مادة رباعي كلور الإيثيلين من أن تصبح “أكبر من أن تفشل” إذا جاز التعبير؛ فالتنظيف الجاف يعد عملاً صعباً وأرباحه منخفضة، وعادة لا تتمكَّن المتاجر التي تملكها العائلات من أن تلبي احتياجاتها إلا بالكاد. وبالنسبة لمعظمهم، فإن استبدال غسالات رباعي كلور الإيثيلين الشغالة بآلات أحدث -التي تكلف ما بين 40 ألف و60 ألف دولار- سيكون صعباً إن لم يكن مستحيلاً. هذا بالإضافة إلى التحدي المتمثل في تجديد متاجر التنظيف الجاف في ظل عددها الكبير، ففي الولايات المتحدة مثلاً يبلغ عددها 33 ألف متجر تقريباً.

ويبحث الخبراء والنشطاء منذ سنوات عن بديل لمادة رباعي كلور الإيثيلين، بحيث يكون بنفس القدر من الفعالية مع سُمِّيَّة أقل. وهناك القليل من بدائل التنظيف الجاف في الأسواق، ولكن ويتاكر يقول إن لكل منها مشاكل مختلفة. وتوجد إحدى الإستراتيجيات -تسمَّى: الهيدروكربون- التي لها آثار سلبية أقل على صحة الإنسان، ولكنها تُنتج نفايات سامة. وبدا منتج سولفون K4 الألماني واعداً، لكن ويتاكر يقول بأنه ما يزال هناك ثغرات كبيرة في الدراسات حول آثاره الصحية، كما أنه يُنتج نفايات بيئية تعتبر أكثر سُمِّية من المنتجات الثانوية للهيدروكربون. وعلى الرغم من أن ثاني أكسيد الكربون السائل يعدُّ جيداً في إزالة البقع، إلا أنه عرضة للتسرُّب، أما بالنسبة لمادة 1-بروموبروبان -وهي البديل الوحيد الذي يعمل بشكل جيد في غسالات رباعي كلور الإيثيلين الحالية- فهو مثل رباعي كلور الإيثيلين بطريقة أخرى مؤسفة، أي أنه من السموم العصبية.

وهذا هو السبب في أن فريق ويتاكر في مقاطعة كينج بولاية واشنطن يضع وقته ويبذل جهده في تعزيز التنظيف الرطب الاحترافي؛ فمن الناحية التاريخية، لم يكن باستطاعة الكثير من الأقمشة التعامل مع الماء دون أن تتعرّض للضرر أو الانكماش، ولكن الغسَّالات الجديدة غيَّرت ذلك، وجعلت المياه فعالة كمادة منظِّفة مثلها مثل المواد الكيميائية كمادة رباعي كلور الإيثيلين، ولكن دون كل تلك الآثار الجانبية الضارة. يقول ويتاكر: “يجب أن أعترف بأنه إذا كنت قد سألتني قبل ثلاث أو أربع سنوات حول ما إذا كان التنظيف الرطب الاحترافي يعتبر بديلاً عملياً لرباعي كلور الإيثيلين، لكنت سأشكُّ كثيراً في ذلك، ولكن ما حدث في الآونة الأخيرة يعد تقدماً كبيراً في التكنولوجيا”.

ويمكن لمغاسل التنظيف الرطبة الذكية أن تحدِّد وقت الغسل والتجفيف بدقة، وضمان أن تبقى أنسجة الصوف والحرير والأقمشة الحساسة الأخرى خالية من البقع والأضرار، كما تسمح الأنظمة التي تعتمد على الماء للذين يقومون بتشغيلها باستخدام منظفات ومواد حالَّة أكثر أماناً، وتكون مشتقة من بعض المصادر كالميكروبات الفطرية بدلاً من رباعي كلور الإيثيلين. وكان ويتاكر قد شاهد ذات مرة أحد عمَّال التنظيف الجاف وهو يُثبت فعالية غسالته الجديدة على بدلة فاخرة من ماركة أرماني، ورغم أنه كان يحبس أنفاسه طوال الوقت، إلا أن البدلة ظهرت من الغسالة كأنها جديدة، إذ كانت معاطف الصوف والأقمشة الحساسة تبدو بنفس القدر من الجودة.

وحتى يكون الحصول على هذه الأنظمة (التي تعتمد على المياه) أكثر سهولة بالنسبة للمغاسل التي تعاني من ضائقة مالية، أنشأت مقاطعة كينج برنامجاً يوفر مِنَحاً بقيمة 20 ألف دولار من تكلفة نظام التنظيف الرطب، وهو ما يقرب من الربع إلى النصف من التكلفة الإجمالية لاستبدال نظام رباعي كلور الإيثيلين. ويقول ويتاكر: “يرتكز عملنا بأكمله على مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية”، كما تبيّن أن الشركات المحلية نجحت في سداد القروض المتبقية بأموال تم توفيرها من فواتير خدماتها. وقد تكون غسَّالات رباعي كلور الإيثيلين خالية من الماء، ولكن يمكن لفواتير المياه لغسَّالات التنظيف الجاف أن تصل إلى آلاف الدولارات شهرياً، حيث يستخدم الماء لتبريد الغسالات القديمة. وتذكر سيبايوس أن أصحاب الشركات يبدون أكثر سعادة عندما يعرفون أن غسالاتهم الجديدة هي أفضل لصحتهم ومجتمعهم.

وعندما قامت سيبايوس بتنظيف ملابسها الخاصة في متجر تايد قبل بضعة أشهر، شعرت بالسرور عندما وجدت إحدى ملابسها عادت مع بعض البقع، وجاء في ملاحظة ملحقة بالملابس إن المنشأة كان بإمكانها أن تزيل البقعة، ولكن فقط إذا تم استخدام مواد كيميائية أقوى مرتبطة بمخاطر على البيئة وعلى صحة الإنسان. قد ينزعج معظم الناس، ولكن سيبايوس ترى ذلك بمنزلة علامة للتقدُّم، وتضيف: “إنه نوع من تثقيف المستهلك”. وفي تلك الملاحظة، كانت التكلفة الحقيقية للتنظيف الجاف واضحة.

إن الموازنة بين احتياجات أصحاب الأعمال المحلية والمخاوف التي تتعلق بالتربة والمياه والهواء ليست مهمة سهلة، ولكن سيبايوس وويتاكر وزملاءهما في جميع أنحاء البلاد لا يزالون متحمِّسين؛ فهم يريدون حماية عمال التنظيف الجاف اليوم، ووقف الكوارث البيئية المستقبلية قبل أن تبدأ. ومع ذلك، تقول سيبايوس إن الأمر عندما يتعلق بالتعرُّض الماضي لمادة رباعي كلور الإيثيلين، “فأعتقد مع الأسف أن الضرر سيستمر لعقود”.