Reading Time: 4 minutes

أعادت جائحة كورونا تشكيل علاقاتنا الاجتماعية ووضعتها تحت الضغط. في الواقع، ارتفع عدد الذين يعانون من الوحدة إلى أرقام قياسية؛ إذ كان أكثر من 3 من أصل 5 أميركيين يعانون من الوحدة في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي؛ أي قبل أن تحل الجائحة وما رافقها من عمليات إغلاق، لتحبط محاولاتنا لإنشاء أي مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية.

كما انخفض متوسط عدد أصدقائنا المقربين الذين يمكننا الوثوق بهم، والتحدث معهم حول مشاكلنا الشخصية قبل فرض إجراءات الحجر الصحي؛ من ثلاثة أشخاصٍ إلى اثنين أيضاً، وقد أبلغ أكثر من 25% من الأميركيين بأنه لم يكن لديهم أصدقاء مقربون ليناقشوا معهم الأمور التي تهمهم على الإطلاق.

من نواحٍ عديدة، سلّط الوباء الضوء على حياتنا الاجتماعية؛ التي كانت تعاني أصلاً من الخلل على نحوٍ متزايد، واتسمت -كما وثقتها في كتابي «Screened In: The Art of Living Free in the Digital Age»- بظهور الهاتف الذكي، واضمحلال مظاهر الاتصال الاجتماعي.

التواصل الاجتماعي, اهمية التواصل الاجتماعي, الصداقة, التطور, كورونا

في الواقع، أصبحت حياتنا المدنية تتسم إلى حدٍ كبير بالانقسامات السياسية؛ التي جعلت عدم الثقة بين الناس معياراً جديداً؛ مما فاقم مستويات القلق والتوتر والوحدة المتزايدة بالأصل؛ حيث زادت مستوياتها جميعاً بشكلٍ كبير، لأن الناس كانوا يعانون أساساً من قلة التواصل الاجتماعي؛ الذي يُعتبر إحدى الوسائل المهمة لتقليل القلق والتوتر.

في العديد من النواحي الكبيرة والصغيرة، يُعتبر الاتصال الاجتماعي وصفةً سحريةً لتحسين رفاهنا وصحتنا. في إحدى الدراسات التي أجريت منذ 70 عاماً؛ والتي وثقها عالم النفس -في بيركلي- «داشر كيلتنر» في كتابه المذهل «Born to Be Good: The Science of a Meaningful Life»، قارن المحلل النفسي النمساوي الأميركي «رينيه سبيتز» بين حال الرضّع في داري أيتامٍ مختلفين. فكانت نسبة الوفيات بين الأطفال الرضع في دور الأيتام تتراوح بين 50 إلى 75% في ذلك الوقت، ولذلك كان يُسمح بمثل هذه الدراسات.

كان الأطفال حديثو الولادة في دار الأيتام الأولى يتلقون مستوىً أفضل من الرعاية الصحية، ويعيشون في بيئة أنظف وأفضل، لكنهم كانوا محرومين من تلقّي المعاملة التي يتلقاها الأطفال العاديون في مثل سنّهم. قد تقول لنفسك؛ كيف ذلك، غير معقول. في الحقيقة، كانت الآراء حول الأبوة والأمومة في ذلك الوقت متأثرةً بشدة بالفكر البيوريتاني، والثقافة الفيكتورية القمعية التي سبقتها؛ حيث كانت المودة الجسدية تجاه الأطفال أمراً غير مقبول.

عالم النفس السلوكي الأميركي «جون واطسون»؛ الذي بدا تأثره بتلك الثقافة نصح دور الأيتام قائلاً: «هناك طريقة منطقية لعلاج الأطفال. لا تعانقهم وتقبلهم أبداً، ولا تدعهم يجلسون في حضنك. إذا اضطررت إلى ذلك، فقبلّهم مرةً واحدةً على جبينهم عندما يقولون «ليلة سعيدة»، وصافحهم في الصباح فقط».

أخذت الدار الأولى بنصيحة واطسون، بينما لم تبالي دار الأيتام الثانية بها، وبالرغم من عدم امتلاكها المرافق المادية التي كانت تمتلكها دار الأيتام الأولى، كانت دار الأيتام الثانية تجلب النساء السجينات كبديلٍ للأمهات للعناية بالأطفال؛ حيث كان مسموحاً لهن حملهم ورعايتهم كما تفعل الأم عادةً.

ماذا كانت النتيجة؟ طوّر الأطفال الذين اعتنت بهم السجينات قدراتٍ معرفيةً أكبر، وعاشوا أطول من الأطفال الذين عاشوا في دار الأيتام التي حُظر فيها لمسهم وتقبيلهم؛ رغم امتلاكها تجهيزاتٍ ومرافقَ ماديةً أفضل.

كانت الدراسة التي أجراها سبيتز، أقرب دراسة بشرية إلى دراسة Jهاري هارلو» الشهيرة على قرود الريسوس؛ والتي جرت بعد عقدٍ على من دراسة سبيتز في خمسينيات القرن الماضي. قام هارلو؛ عالم نفسٍ بجامعة ويسكونسن، بتربية القرود حديثي الولادة بعيداً عن أمهاتهم، ثم قام بحيلةٍ ذكية، وصنع اثنين من المجسمات على شكل قرودٍ بالغة لتكون بمثابة بديلٍ عن الأمهات بالنسبة للرضّع الصغار.

صنع هارلو مجسم الأم الأول من الأسلاك، وأوهم الرضع بأنها تقدم الحليب لهم، بينما صنع المجسم الثاني من الخشب والمطاط، وغطاه بقطعة قماشٍ ناعم. في حين أن المجسم الثاني كان ناعم الملمس وأكثر شبهاً بمظهر والدة القرود الحقيقية، تعمّد هارلو ألا تقدّم الحليب الذي تحتاجه القرود الصغيرة للبقاء على قيد الحياة.

كان المبدأ وراء ذلك حينها؛ والمتجذر في إيمان فرويد بالغرائز البدائية لدى الأطفال للبقاء على قيد الحياة، يُدعى «حبّ الخزانة»؛ والذي ينطوي على أن الأطفال يشكلون روابط مع والدِيهم كحافزٍ ثانوي ينبع من قدرة الوالدين على تلبية احتياجاتهم الفيزيولوجية من طعامٍ ومأوىً وتجهيزاتٍ ماديةٍ أخرى للبقاء على قيد الحياة؛ فالوالد بمثابة «الخزانة» بالنسبة للطفل؛ يفتحها ليحصل على حاجته، فيحبه.

صدم هارلو العالم عندما كشفت تجاربه أن القرود المولودة حديثاً لم تكن مهتمةً كثيراً بالأم السلكية التي تقدم الحليب، وبأنها كانت تمضي حوالي 18 ساعة دون الحليب اللازم؛ لبقائها في حضن الأم الخشبية ذات الملمس الناعم والدافئ.

كانت النتائج التي توصّل إليها هارلو بمثابة الضربة القاضية لنظرية «حب الخزانة»، وللاعتقاد الثقافي السائد في الولايات المتحدة؛ الذي ينطوي على أن البشر مدفوعون بالمصلحة الذاتية فقط؛ والمستمد أصلاً من فكر الفيلسوف الإنجليزي «توماس هوبز»؛ حيث كان يزعم بأنه «من المفترض أن يسعى كل رجل إلى مصلحته بشكلٍ طبيعي…».

أصبح بحث هارلو أيضاً أساساً لحركة نفسية جديدة بقيادة المحلل النفسي البريطاني «جون بولبي»، وعالمة النفس الأميركية «ماري أينسوورث» حول الدور الحاسم لارتباط الطفل بوالديه في الحافز البشري.

إذاً، فالعلاقات الإنسانية ليست مهمة وحسب، بل حيوية لرفاهيتنا؛ ليس بسبب ما تقدمه لنا مادياً، ولكن بسبب ما تقدمه لنا من دعم اجتماعي وعاطفي ونفسي. في الواقع، تكتسب هذه العلاقات أهمية أكبر بكثير في الأزمات؛ لذلك من الضروري أن نقوم بصقل قدراتنا الاجتماعية خلال الجائحة، لتقوية علاقاتنا وصلاتنا التي نحتاجها للبقاء، وربما للازدهار!

لتجديد هذه العلاقات في حياتك؛ خذ لحظةً وفكّر بصديقٍ، أو أحد أفراد عائلتك، فكّر بشخصٍ لا تحبه وحسب، بل بالذي يميل إلى الرد بالمثل على مبادرتك (على سبيل المثال، ذلك الشخص الذي يعاود الاتصال بك للتحدث معك بدلاً من الرد عليك برسالةٍ نصية).

فكر كم يريد أن يكون قريباً منك في هذه اللحظة، وبمستوى القرب منه؛ والذي تريده أنت بدورك؟ فكر ببعض الخطوات التي يمكنك اتخاذها لتطوير العلاقة مع أخذ المسافة الاجتماعية التي يمكنك التعامل معها بعين الاعتبار، ثم قم بخطوتك.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «سايكولوجي توداي» من هنا.