Image

فرضية قديمة تحصل على بيانات كمية داعمة

Bread assortment حقوق الصورة: جيان هوانغ النباتات في جبال هينغدوان

لا تعدّ الجبال جميلة فحسب، حيث تميل أيضاً هذه المناطق إلى استضافة جزء من أغنى الأنواع على هذا الكوكب. ويُعرف ذلك منذ وقت طويل، حتى أن ألكسندر فون همبولت – وهو عالم في الجغرافيا والطبيعة من بروسيا – قام بتسلّق جبال الأنديز لأول مرة في القرن الثامن عشر. ولكن لم يكتشف أحد سبب ذلك في الواقع.

وهناك فرضية شائعة تقول بأن سبب الاختلاف الكبير في الأنواع في الجبال هو أن عملية زيادة ارتفاع الجبال عن طريق اصطدام اللوحات التكتونية تؤدي إلى إنشاء بيئات أكثر، وبالتالي خلق فرص أكبر للأنواع الجديدة لتتكيّف معها. إلا أن هذه الفرضية لم تخضع لأي دراسة كمية صريحة حتى الآن، وذلك وفقاً لدراسة حديثة نشرت في مجلة (Proceedings of the National Academy of Sciences).

ويُذكر بأن العديد من الدراسات الأخرى بحثت في تنوع مجموعة نباتية واحدة، ويبدو بأن النتائج تدعم تلك الفرضية الشائعة. ويقول المؤلف المشارك في الدراسة ريتشارد ري، وهو مساعد أمين علم النبات في متحف شيكاغو الميداني: “غالباً ما يتم إدعاء هذا الأمر. وغالباً ما تتضمن الفرضية محتوى هذه الدراسات، ولكن لم تتم دراستها بشكل صريح”عبر الزمان والمكان، ومن خلال المقارنة الكمية.

ووجد ري وزملاؤه بأن معدل التنوع في جبال هينغدوان الصينية – والتي تشكلت قبل ثمانية ملايين سنة – كان أسرع بأكثر من ضعف المعدل الموجود في جبال الهيمالايا – والتي تعتبر قريبة جداً من حيث المكان، ولكنها أقدم بكثير – خلال نفس الفترة الزمنية.

وتعدّ جبال هنغدوان حديثة جداً من الناحية الجيولوجية، إذ أن الهيمالايا أقدم بأكثر من الضعف، حيث تشكلت قبل نحو 20 مليون سنة. ولكن هذه البقعة غنية بالتنوع البيولوجي، فهذه الجبال الحديثة تستضيف أكثر من ثلث أنواع النباتات الوعائية الـ 30 ألفاً (كل النباتات تقريباً باستثناء الطحالب) الموجودة في كافة أنحاء الصين، كما يقول ري.

ويقول كولين هيوز – وهو أستاذ مساعد في قسم علم النبات الجهازي والتطوري بجامعة زيوريخ – والذي لم يشارك في الدراسة، بأن الباحثين “قد حققوا خطوة كبيرة إلى الأمام”.

ويضيف هيوز: “لقد عرفنا منذ القرن التاسع عشر بأن هذا الجزء من العالم شديد التنوع. ولكن حتى الآن لم يدرك أحد التاريخ التطوري لهذه المنطقة الغنية، ولذا فإن هذه الدراسة تاريخية”.

حقوق الصورة: شينغ اند ري، 2017

ولاختبار فرضية أن ارتفاع مستوى الجبال يُنتج المزيد من الأنواع بمعدل أسرع، قام ري وزميله ياوو شينغ بمقارنة التاريخ التطوري لـ 19 مجموعة من النباتات في جبال هنغدوان، وجبال الهيمالايا، وهضبة تشينغهاي- التبت المتصلة.و يقول ري: “إن كون هذه الجبال مختلفة الأعمار وقريبة من بعضها البعض يعطينا تجربة طبيعية”.

وباستخدام الأشجار التطورية الناشئة عن تسلسل الحمض النووي والبيانات الأحفورية القديمة، تمكّن ري وياوو من التأكد بأن الازدياد التكتوني الهائل لجبال هنغدوان على مدى الثمانية ملايين سنة الماضية تزامنت بالفعل مع التنوع السريع. وكشف هذا النمط عن نفسه فقط عندما أخذ الباحثون كافة المجموعات النباتية الـ 19 بعين الاعتبار. ويقول ري: “يميل الناس [في هذا المجال] إلى التركيز على مجموعة واحدة من النباتات في وقت واحد، ويروون تجربتهم. وفي هذه الحالة، لن ترى بالضرورة الصورة الأكبر [بهذه الطريقة]، لأن كل مجموعة على حدة لا تملك القوة الإحصائية للإبلاغ عن هذا النمط.”

ويعتقد ري بأن الخطوة التالية هي دراسة نتائج ازدياد الارتفاع والتي قد يكون لها المزيد من التأثيرات المباشرة على التطور. وقد يزداد احتمال حدوث التنوع في بعض المساكن الطبيعية أو الارتفاعات، على سبيل المثال. ويعتقد هيوز بأن الدراسات المستقبلية يمكن أن تفرّق بين النباتات حسب مساكنها، مثل الخشخاش الأزرق في جبال الهيمالايا في مناطق جبال الألب المرتفعة والصنوبريات والقيقب في مناطق الغابات منخفضة الارتفاع، لمعرفة كيفية اختلاف التنوع في مختلف المناطق. ويضيف: “أعتقد بأنه من المحتمل أن يختلف تاريخ تنوع هذه ا المواطن المختلفة”.

وكما تم تقييم التنوع في منطقة هنغدوان عن طريق مقارنتها مع جبال الهيمالايا، فإن هذه البيانات الجديدة قد تعطي فكرة عن تطور أنواع الجبال الأخرى. وغالباً ما تكون الجبال معزولة بشدة عن الأراضي المنخفضة التي تحيط بها والتي يشار إليها باسم “جزر السماء” كما يقول هيوز. ويجعل هذا الانعزال الدراسة المقارنة لأحد الجبال مع الآخر مثيرة للاهتمام، لأن المتغيرات الدقيقة قد تجعل أحدها يختلف بشكل جذري عن الآخر في نفس المنطقة.

ويقول ري: “أولئك الذين يدرسون تنوع الحياة يهتمون في النهاية بتفسير أصل كل نوع. وفي جميع أنحاء العالم، هناك أماكن فيها الكثير من الأنواع، وأماكن فيها أنواع أقل، ولذلك فالسؤال الأساسي هو: ما هو سبب هذه الحالة؟ وكيف يوجد هذا التفاوت في وفرة الأنواع؟ إذا كنا نأمل بأن نتوصل إلى نوع من الفهم الأساسي للحياة فهذا شيء نحتاج إلى معرفته”. وقد تكون الجبال هي المختبر المثالي.

error: Content is protected !!