Image

الجينات ما هي إلا جزء منك فقط.

Bread assortment الحمض النووي ما هو إلا جزء منك فقط. حقوق الصورة: بيكساباي

ما هو الشيء الذي يحدد صحتنا؟ يدرك العلماء بأنه مزيج من الجينات والبيئة والخيارات التي نتخذها. ولكن ما هو الشيء الذي يكون له الأثر الأكبر؟ في الشهر الماضي، أظهرت نتائج الفحص البدني السنوي للرئيس دونالد ترامب بأنه على الرغم من اتباعه لنظام غذائي غني بالدهون ومنخفض الألياف، إلا أنه ليس بصحة سيئة بالنسبة لشخص يبلغ من العمر 71 عاماً. ويقول طبيبه الأميرال روني جاكسون بأن هذا بسبب “الجينات المدهشة “. فإلى أي مدى يمكن للمواد الوراثية أن تحميك من خيارات نمط الحياة غير الصحي؟

أولا، لا بدّ من أن نتحدث قليلاً عن الجينات. إذ تنتقل وحدات الحمض النووي هذه من الوالدين إلى الطفل، ويملك كل واحد منا حوالي 25 ألفاً منها. وفي الواقع، لا يجعلك أحد الجينات بمفرده قصيراً أو أزرق العينين، بل هو ببساطة يوجه الجسم لإنتاج بروتينات معينة في أوقات معينة. إن الجمع بين هذه التعليمات الوراثية يمكن أن ينتج الصفات البدنية، ولكن الصحة هي أكثر تعقيداً بقليل. إذ ليس هناك جين واحد أو مجموعة من الجينات التي تجعل الشخص عموماً أكثر سلامة أو صحة من بقية الناس.

ولكن المتغيرات الوراثية يمكن أن تجعل الناس أكثر أو أقل عرضة للإصابة ببعض الحالات مثل أمراض القلب والسكري. ويُذكر بأن أحد السوابق الرئيسية لأمراض القلب هو ارتفاع ضغط الدم. ويمكن لنمط الحياة (أي ما تأكله ومدى ممارستك للتمارين الرياضية) أن يؤثر على ضغط الدم، وكذلك الجينات. وتشير الدراسات إلى أن تأثير الجينات على ضغط الدم يختلف بنسبة تتراوح من 30 إلى 70 في المئة، اعتماداً على الفرد.

وفي حين أنه من المستحيل معرفة ما هي الجينات التي يمتلكها الرئيس ترامب (إلا إذا سمح لشخص ما بإجراء تحديد لتسلسل الجينوم لديه)، فإن المتغير الوراثي الذي يساعد على تنظيم ضغط الدم يمكن أن يفسر قياس الضغط الذي ذُكر بأنه بلغ 122/74 في آخر فحص جسدي أجري له. ويعدّ هذا الضغط سليماً بما فيه الكفاية في أي عمر، ولكن يعتبر هذا القياس رائعاً في عمر 71 سنة. ووفقاً لأحدث المبادئ التوجيهية من جمعية القلب الأميركية والكلية الأميركية لأمراض القلب، يعتبر الضغط الذي يبلغ 120/80 فما دون طبيعياً. ولكن الهدف الذي يسعى إليه معظم أطباء القلب وأطباء الرعاية الأولية في ذلك العمر هو 130/80. وهذه النتيجة مثيرة للدهشة بشكل خاص نظراً للنظام الغذائي الذي يتبعه الرئيس، والذي يتضمن العديد من الأطعمة المعروفة بأنها ترفع ضغط الدم مع مرور الوقت.

كما أن العوامل الأخرى التي تسهم في أمراض القلب يمكن أن تكون وراثية أيضاً. وهذا يشمل مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول الكلي، فضلاً عن البروتين الدهني منخفض الكثافة (والذي يعتبر الكوليسترول السيء) والبروتين الدهني عالي الكثافة (الكوليسترول الجيد). ويمكن للمستويات المرتفعة من البروتين الدهني عالي الكثافة (أي التي تزيد عن 60) أن تقي من أمراض القلب، ولكن المستويات المرتفعة من البروتين الدهني منخفض الكثافة والكوليسترول الكلي هي عوامل خطر كبيرة. وقد حدد الباحثون على مدى سنوات ما لا يقل عن عشرات الجينات التي تسهم في ارتفاع مستويات البروتين الدهني عالي الكثافة وكذلك خفض مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة والدهون الثلاثية. وفي حين كان البروتين الدهني عالي الكثافة مرتفعاً لدى الرئيس ترامب، إلا أن مستويات الكولسترول الكلي والبروتين الدهني منخفض الكثافة لم تكن مثالية.

ولكن ماذا يعني كل هذا؟ هل يعني بأننا جميعاً مجرد مظهر لما تتضمنه جيناتنا؟ لا على الاطلاق. إذ لا يوجد شخص أو مجموعة من الأشخاص يملكون جينات متفوقة عالمياً، فمعظمنا لديه بعض الصفات التي أخذت دفعة وراثية طفيفة، والبعض الآخر من الصفات التي لم تأت من أسلافنا. وتكون أفضل الجينات لدينا مفيدة فقط إذا تم استخدامها بشكل صحيح، ويمكن أن ينخفض تأثيرها بشكل كبير إذا تم إهمالها. فالشخص الذي لديه استعداد وراثي لأن يكون القلب والأوعية الدموية لديه بصحة جيدة، لا يزال يضر بنفسه كثيراً عند اتباعه لنظام غذائي غير صحي وفشله في ممارسة الرياضة بانتظام. قد يكون لديك بعض السمات الجينية التي تعني بأنك أكثر عرضة لأن تكون مستويات الكولسترول لديك مثالية بشكل أكبر من الشخص العادي، ولكنك لن تحقق أفضل إمكانات جسمك إلا إذا كنت تقوم فعلاً برعاية نفسك.

وعلى العكس من ذلك، فإن الأشخاص الذين تجعلهم جيناتهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب، يمكنهم أن يقللوا من هذا الخطر إلى حد كبير من خلال اتباع نمط حياة صحي. ووجدت إحدى المراجعات في دورية نيو إنجلاند أوف ميديسن بأن المرضى الذين لديهم استعداد وراثي لأمراض القلب يمكنهم أن يقللوا من هذا الخطر إلى النصف من خلال اتباع نظام غذائي جيد وعادات ممارسة الرياضة.

بالإضافة إلى ذلك، فقد صرنا في السنوات الخمسين الماضية تقريباً أفضل بكثير في إعداد الأدوية التي تقلل بعض الأمور مثل ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والدهون الثلاثية. وكان الجزء الكبير من الفضل في هذه الاكتشافات الدوائية للأسر التي عانت من هذه المتغيرات المؤسفة. فعلى سبيل المثال، تمكن الباحثون الذين يدرسون فرط كوليستيرول الدم العائلي من فهم كيفية عمل هذه الطفرات وإعداد أدوية لإصلاح المشكلة، وخفض مستويات الكولسترول بشكل فعال للأشخاص الذين يعانون من تلك الجينات النادرة وللجميع أيضاً. وهناك الكثير مما لا زلنا نقوم باكتشافه. فالأبحاث الحديثة حول البكتيريا المتعايشة (أي البكتيريا التي تعيش على الأمعاء وفي داخلها والتي هي في الواقع تتأثر أيضاً بالنظام الغذائي والجينات ونمط الحياة) وجدت بأن بعض البكتيريا قد تؤدي عند رشها ببساطة على الجلد لعلاج حب الشباب إلى انخفاض ضغط الدم أيضاً.

نحن بحاجة أيضاً لإجراء دراسات أكثر صرامة للناس الذين يمتلكون المتغيرات الوراثية الواقية. ووجدت دراسة لمعهد فرامنغهام هرت (وهي دراسة جماعية كبيرة متعددة الأجيال) بأن الأشخاص الذين يعانون مما يسمى متلازمة جيلبرت – وهي تنشأ عن متغير جيني يمنع الكبد من معالجة البيليروبين بشكل صحيح – يكون لديهم خطر أقل للإصابة بمرض الشريان التاجي. ويعدّ البيليروبين بمستوياته المرتفعة من مضادات الأكسدة القوية، والتي قد تكون أحد العوامل المؤثرة. وربما يتمكن الباحثون في نهاية المطاف من إعداد دواء يحاكي هذا التأثير. والآن، وبعد أن أصبح التسلسل الجيني أمراً شائعاً لدى عامة الناس، فمن المرجح أن يدرس الباحثون المزيد من الطفرات بهدف استنباط أدوية جديدة.

لديك عدد كبير من الجينات والمتغيرات الجينية. وفي جميع الاحتمالات، فإن بعضها جيد وبعضها سيء، ومعظمها عادي على الأغلب. وإن أفضل طريقة لتطويق جميع الجينات التي تعيش معها، هي أن تعيش حياة صحية مليئة بالاعتدال.

error: Content is protected !!