Reading Time: 4 minutes

الحفاظ على البيئة أصبح ضرورياً بسبب أن تدهور النظام البيئي يعدّ ظاهرةً عالميةً واسعة الانتشار؛ فمن المتوقع أن تتدهور حوالي 95% من الأراضي بحلول عام 2050، وقد تدهور حتى الآن 24 مليار طن من التربة بسبب الممارسات الزراعية غير المستدامة. يعتبر تدهور الأراضي السبب الرئيسي لتضرر وظائف الأنظمة البيئية؛ القائمة على دورة الغذاء وتنظيم المناخ؛ والتي تديم الحياة على كوكب الأرض.

لقد أقرّت الأمم المتحدة في قمّة الأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي بهذه الأزمة الملحّة، ووقّع أكثر من 70 من قادة دول العالم -باستثناء رؤساء الولايات المتحدة والصين والبرازيل- على وثيقةٍ دُعيت «تعهّد القادة من أجل الطبيعة»؛ حيث تعهد الموقّعون بالعمل على تقليص التلوّث والتخلّص الآمن من النفايات البلاستيكية، وتعزيز الاتفاقيات البيئية في جميع أنحاء العالم. لابدّ وأن هذه الخطوة جيدة، لكن «أمينة محمد»؛ نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، ذكرت في القمّة في حديثها: «أنه يجب علينا بذل المزيد من الجهود لإنقاذ الحياة الهشة على كوكب الأرض».

يصادف العام 2021 بداية العمل بإعلان الأمم المتحدة مبادرتها «عشر سنوات لاستعادة النظام البيئي»؛ والتي تهدف إلى معالجة القضايا دل المتمثلة في استعادة الموائل المتدهورة في جميع أنحاء الكوكب. في الواقع، يُعد هذا الإعلان فرصةً لإحياء نظام دعم حياتنا -أي العالم الطبيعي- في ظلّ ظروف الأزمة البيئية الحالية، كما يسلّط الضوء على العديد من الإجراءات المهمة لتمكين مهمة الاستعادة هذه على المستوى العالمي؛ مثل الاستثمار في استعادة حيوية الطبيعة، والبحث ودعم الدول وتغيير السلوكيات البيئية، وإعداد الأجيال القادمة.

لا شك أن هذه خطة طموحة، لكن تجب ترجمتها إلى أفعالٍ على أرض الواقع، وإذا ما كان هناك فجوة بين الخطاب والواقع، فيمكن أن تعود هذه الالتزامات بنتائج عكسية؛ من خلال خلق أوهام بأن شيئاً ما يتم إنجازه دون فعل ذلك. في الحقيقة؛ لقد فشلت دول العالم حتى الآن في تحقيق أي هدف من أهداف التنوع البيولوجي العالمية العشرين التي حددتها الأمم المتحدة منذ عقد مضى، وقد أصبحت الإنسانية على مفترق طرق؛ حيث إن ما نقرره الآن سيؤثر على العديد من الأجيال القادمة.

إلى أي مدىً تدهورت البيئة؟

يتضح من البحوث الجديدة المستمرة مدى صعوبة الموقف؛ على سبيل المثال، تشير دراسة حديثة تركّز على عواقب إزالة الغابات العشوائي إلى أن لدينا فرصةً أقل من 10% فقط لتجنّب حدوث انهيارٍ كارثي بيئي خلال الـ20-40 عاماً المقبلة؛ إذا بقينا على مسارنا الحالي.

ألخّص هنا الأسباب الأربعة الرئيسية التي تجعل استعادة البيئة والحفاظ عليها أهم مسعىً في عصرنا؛ فإذا أردنا عكس مسار الأزمة البيئية التي نواجهها حالياً، وحماية التنوع الحيوي من أجل الأجيال المقبلة، يجب أن نحول التعهدات المكتوبة إلى فعل فوري، ونستعيد نظمنا البيئية على الصعيد العالمي.

1. التربة السليمة تجعل الحياة على الأرض مستمرةً

يعتمد استمرار أنظمتنا الغذائية على التربة السليمة؛ حيث يتوقف ازدهار النباتات والمحاصيل والغابات إلى حدٍ كبير على إعادة إحياء التربة؛ الذي يعتمد بدوره على استعادة العلاقات الإحيائية المعقّدة بين التربة والنباتات، وعددٍ كبير من الميكروبات؛ مثل الفطريات والفيروسات والبكتيريا.

تُعتبر الفطريات أساسية في النظام البيئي، لكنها في حالة تدهور الصورة: جيسي دودز/ أنسبلاش

تزدهر التربة الصحية مع أشكال الحياة المجهرية هذه، فهي ضرورية لنمو النبات وحمايتها من الأمراض، بينما يهدد تدهور التربة جوهر النظم البيئية، وقدرتنا على إنتاج غذاءٍ صحي ومستديم أيضاً، كما أن حماية التربة والأحياء الدقيقة التي تعيش فيها أمر مهم للبشر والأنواع النباتية والحيوانية المتنوعة التي تعتمد حياتها عليها.

2. تدهور علاقتنا مع الطبيعة

يساهم تدهور النظام البيئي في تدهور علاقتنا بالطبيعة؛ فتعاطف الناس مع القضايا البيئية آخذ في التدهور أيضاً؛ وهي ظاهرة تعرف باسم «متلازمة خط الأساس المتحرّك» (مع التدهور البيئي المستمر على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، تنخفض العتبات المقبولة لدى الناس للظروف البيئية، وفي حالة عدم وجود معلوماتٍ سابقة أو درايةٍ بالظروف التاريخية، يقبل الجيل الجديد الوضع الذي تربوا فيه على أنه أمر طبيعي).

لذلك تُعد استعادة صلتنا العاطفية مع الطبيعة (ارتباط الطبيعة) أمراً مهماً للغاية؛ فمن المرجّح أن الأشخاص الذين يشعرون بأنهم أكثر ارتباطاً مع الطبيعة سينخرطون في دعم إجراءاتٍ مهمة لعكس الأزمات البيئية والمناخية التي نواجهها؛ مثل الحفاظ على الحياة البرية، وإعادة التدوير، ودعم المنظمات البيئية، والأهم من ذلك؛ يمكن أن يزداد الترابط مع الطبيعة بمرور الوقت من خلال المشاركة المتكررة في هذه الأعمال.

3. ضياع ثقافات الشعوب الأصلية ومعارفها

ترتبط ثقافة السكان الأصليين ارتباطاً وثيقاً بالأرض، ولذلك يمكن أن يؤدي تدهور النظم البيئية إلى تدهور الثقافة؛ بما في ذلك المعرفة واللغة؛ فغالباً ما تكون هذه المعرفة راسخةً، وتطورت على مدى آلاف السنين، وهي حيوية لصحة العديد من النظم البيئية، وتمكين المجتمعات من العيش منها في جميع أنحاء العالم.

يمكن أن تساعد استعادة البيئة في الحفاظ على تنوع الثقافات البشرية؛ من خلال دعم العلاقات بين البشر والبيئة؛ والتي تعود بالفائدة على الطرفين. في الواقع، حماية حقوق الشعوب الأصلية وسُبل عيشها ودعم القيادة البحثية للشعوب الأصلية تكتسب أهميةً بالغةً بالنظر إلى دورها في هذه العملية؛ تشمل هذه الحماية تفكيك الرأي القائل بأن المعرفة البيئية التقليدية هي مجرد مصدر بيانات يمكن استعادته ببساطة.

يجب النظر إلى عملية استعادة البيئة على أنها علاقة منفعةٍ متبادلة؛ فتبادل المصلحة هي أساس العلاقات في العديد من ثقافات السكّان الأصليين، وستكون هذه العلاقة أساسيةً لدعم عملية استعادة البيئة، ونجاحها على المدى الطويل.

4. صحة الإنسان تعتمد على صحة النظام البيئي

ترتبط استعادة النظم البيئية ارتباطاً وثيقاً باستعادة صحة الإنسان. تُعد جائحة فيروس كورونا؛ التي سبّبت أكثر من مليونيّ وفاة في العالم حتى الآن، مثالاً حياً يذكرنا كيف يمكن لتدهور النظام البيئي أن يساهم في ظهور وانتشار الأوبئة والعوامل الممرضة الجديدة، وفي هذا الصدد؛ نحن بحاجة إلى حماية واستعادة موائلنا، والتنوع الحيوي لمكافحة الظروف العالمية الناشئة، وحماية الأجيال القادمة.

بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي فقدان التنوع الحيوي إلى إصابتنا بالمزيد من الأمراض، وقد يكون لاستعادة الميكروبيومات البيئية (شبكات الميكروبات المتنوعة في بيئة معينة) من خلال إعادة الغطاء النباتي، تأثير هام على أنظمتنا المناعية. نظر بحثي في العلاقة بين البيئة والميكروبيوم وصحة الإنسان، ووجدت أنه بوسعنا المساعدة في استعادة العلاقات الميكروبية من خلال تصميم المناطق الطبيعية واستعادتها؛ وبالتالي تحسين صحتنا ورفاهنا.

تقول «روبن وول كيمير»؛ أستاذة بيولوجيا البيئة والغابات، بعبارةٍ بليغةٍ في كتابها «Braiding Sweetgrass» حول النباتات وعلومها من خلال وجهة نظر تقاليد الأميركيين الأصليين والتقاليد العلمية الغربية: «إذا عملنا على شفاء الأرض، فإنها ستشفينا حتماً».

دعونا نجعل العقد القادم عقد التحول لاستعادة النظم البيئية التي يحتاجها كوكبنا بشدة.

اقرأ أيضاً: حماية الطبيعة قد تكون هي الوسيلة الأمثل لمنع الجائحة التالية

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «ذي كونفيرسيشن» من هنا.

الوسوم: بيئة