Reading Time: 6 minutes

بعد مضيّ عامٍ على جائحة كورونا وإجراءات التباعد الاجتماعي، ومع تطوير لقاحاتٍ ضد فيروس كورونا وحلول فصل الربيع، بات من الصعب على الناس تحمّل تباعدهم عن بعضهم، وتحمّل قيود العزل؛ فالبشر بحاجةٍ لإظهار مشاعر المحبّة والمودة تجاه بعضهم. الآن؛ وبعد تطعيم أعداد كبيرة من الناس ضد الفيروس، يزداد الأمل، ويترقب الناس انتهاء هذه الجائحة والعودة إلى حياتهم الطبيعية بفارغ الصبر، ويريد الجميع معرفة متى يمكننا معانقة بعضنا البعض دون القلق من انتقال فيروس كورونا.

تقول «بيث تيلين»؛ الطبيبة والعالمة في كلية الطب في جامعة مينيسوتا، والمتخصصة في أمراض الجهاز التنفسي: «في الواقع؛ من الصعب الإجابة على هذا السؤال». بيث مثل كثير من الناس؛ لم تعد تعانق أحداً منذ بدء الجائحة، باستثناء الأشخاص الموجودين في محيطها الاجتماعي. ولكن يبقى السؤال: متى سنكون قادرين على عناق أي شخص دون أن تساورنا المخاوف بشأن انتقال فيروس كورونا؟

إدراك الخطر الذي يمثله أمرٌ أساسي للوقاية من فيروس كورونا

تقول تيلين: «أعتقد أنه من السابق لأوانه تحديد وقتٍ معين يمكننا بعده عناق أحبائنا، وربما لا نعود إلى التعبير عن مودتنا بالعناق بحريةٍ تامة كما كنا نفعل من قبل. لقد كان جلّ اهتمام العالم خلال العام الماضي هو إجراء الاختبارات وتقييم المخاطر والخطر الذي يمثله أي فردٍ على الآخرين؛ لذا من غير المرجّح أن تتغيّر هذه العقلية قريباً، وفي الحقيقة، يجب ألّا تتغير».

توضح تيلين؛ بصفتها طبيبة أطفال، أنها رأت معاناة الناس العاطفية الناجمة عن العزلة خلال العام الماضي، وتتفهم تماماً حاجة الناس لإيجاد طرقٍ لتلبية الحاجة إلى الاتصال البشري بأمان، وتضيف: «يعتمد الوقت الذي سنكون قادرين فيه على ضمّ أحبائنا وأصدقائنا بأمانٍ، على مدى نجاح اللقاح إلى حدٍ كبير. إذا افترضنا استمرار ارتفاع معدّل تطعيم الناس، وبقاء اللقاحات فعّالةً ضد متغيّرات فيروس كورونا المتجددة، يمكننا رسم صورٍ أفضل عن الواقع، والتنبؤ بالوقت الذي يمكننا فيه تخفيف بعض القيود الاجتماعية التي فرضتها الجائحة».

فيروس كورونا, فيروسات, أمراض معدية, قناع طبي, أوبئة

من المهم حالياً الأخذ بعين الاعتبار المخاطر التي قد تشكلها على نفسك وعلى الآخرين عند عناق شخص آخر؛ حيث تقول إيلين: «من الضروري تقييم احتمال تعرض الأشخاص الذين ترغب في عناقهم لفيروس كورونا، وما إذا كان أي منكما معرضاً لمضاعفات مرض كوفيد-19 إذا التقط الفيروس، حتى ولو تلقّى كلاكما اللقاح، لأنه لم يتضح بعد ما إذا كان اللقاح يمنع المصابين بلا أعراض من نشر الفيروس».

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الأشخاص الذين يفضلون عناق بعضهم للتعبير عن مودتهم، التفكير باحتمال نقل الفيروس إلى أشخاصٍ آخرين إذا نقل أحدهما الفيروس للآخر؛ فإذا انتقل الفيروس منك إلى صديقك دون قصد عند معانقته، فقد ينقل بدوره الفيروس إلى أحد أفراد عائلته الضعفاء، أو ربما يعمل في مكانٍ على اتصال دائمٍ بالناس. ما نتحدث عنه ليس مجرد مخاطرة شخصية؛ إنه تهديد للمجتمع أيضاً. تقول تيلين في هذا الصدد: «إذا كان هناك شخص يعمل في مطعم، وفي الأماكن التي تقرر عدم إلزام السكان بارتداء الكمامات مثلاً، فمن المحتمل أن تكون هذه المناطق أكثر خطورةً، وبالمثل؛ إذا كان شخص من كبار السن ولم يتمكّن من الحصول على لقاح، أعتقد أنني سأفكر في هذا الاحتمال وآخذه بعين الاعتبار».

مع ذلك، لن يكون هناك إجابةٌ واحدة؛ فعلى سبيل المثال، الخطر الذي يمثله صديقان تلقّيا اللقاح، ويلتزمان بالتباعد الاجتماعي، ويرتديان الكمامات، وكلاهما يعمل من المنزل، على الصحة العامة والآخرين، سيكون أقل من الخطر الذي يمثله صديقان تلقيا اللقاح ولكنهما يعملان في أماكن مغلقة، وكلاهما لديه أقاربُ مسنون لم يحصلوا على اللقاح. يجب التفكير دائماً في هذه الاحتمالات لأشهر طويلة قادمة رغم أنها محبطة».

الاستمرار بعد جائحة كورونا يعني السير في المجهول

أصدر مركز السيطرة على الأمراض هذا الأسبوع، إرشاداتٍ جديدةُ للبالغين الذين تلقوا التطعيم (لا تزال لقاحات الأطفال قيد الاختبار، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنه ما زال بإمكانهم نشر العدوى). هذه الإرشادات الجديدة توصي بأن البالغين الذين تلقوا اللقاح، بوسعهم الالتقاء في الأماكن المغلقة مع أشخاصٍ آخرين دون كمامات؛ شريطة أن يكونوا قد تلقوا اللقاح أيضاً، ويمكنهم حتى العناق.

تنص الإرشادات أيضاً أن بإمكان الأشخاص الذين تلقوا اللقاح الالتقاء مع أفرادٍ يقيمون في نفس المنزل دون كمامات؛ طالما أنهم ليسوا معرضين لخطر الإصابة بمضاعفات كوفيد-19، لأننا مازلنا لا نعلم تماماً ما إذا كان بمقدور الأشخاص المحصنين نقل الفيروس للآخرين أم لا، وبالنظر إلى أنه لا يزال هناك احتمالٌ لإصابة غير المحصنين بمضاعفات كوفيد-19، يجب على من حصل على اللقاح الالتزام بإرشادات السلامة المناسبة، والاستمرار في ارتداء الكمامة لحماية الأشخاص ضعيفي المناعة.

على فرض أن الشخص المحصّن يمكنه نقل العدوى بالفعل، فإن اقتصار اتصاله على أفراد منزلٍ واحد من شأنه -وفقاً لمنظور الصحة العامة- أن يحد من انتشار الفيروس، ولكن إذا تجوّل المحصنون في مختلف الأماكن بحرية، فسنكون في مأزقٍ حقيقي.

في الواقع، السيناريوهات التي يفترضها مركز السيطرة على الأمراض ليست خاليةً من المخاطر، ولكنها أحد استراتيجيات إدارة المخاطر التي اعتدنا عليها أثناء إدارة حياتنا اليومية خلال الجوائح العالمية. لم نخرج من فترة الجائحة بعد، لكن هناك ما يدعو إلى التفاؤل.

هل معانقة الآخرين ستكون محفوفةً بالمخاطر دائماً بعد انتهاء الجائحة؟

تقول إيلين: «بصفتي طبيبةً تدرس فيروسات الجهاز التنفسي، فإن أحد الأشياء التي أدهشتني حقاً هو مدى انخفاض الإصابات بالأمراض التنفسية الأخرى التي نراها»؛ مشيرةً إلى أن حالات الإنفلونزا والإصابة بالفيروس المخلوي البشري (وهو مرض تنفسي شائع يمكن أن يكون مميتاً عند الرضع وكبار السن إلى حدّ كبير) قد انخفضت بشكلٍ كبير، وتضيف: «أثار ذلك تساؤلاتٍ لديّ حول ما إذا كان علينا حتى محاولة العودة إلى الحياة الطبيعية، والتواصل الكامل بين الناس كما في السابق. أتساءل: هل يجب أن نحافظ على بعض تدابير السلامة المعتمدة هذا العام، بالنظر إلى نجاحها الكبير في الحد من الإصابات الأخرى؟ هل يجب أن نعود للمصافحة؟».

كورونا, كوفيد-19, عناق الاخرين

«أعتقد أنه سؤال جيد حقاً، المصافحة ليست الطريقة السائدة للتحية في العديد من الثقافات حول العالم، ومن وجهة نظر طبيب الأمراض المعدية، ومن منظور الصحة العامة، أعتقد أن الاكتفاء بالانحناء أو التلويح أو حتى لكم المرفق، طرق أكثر أماناً وصحةً للتحية، وتجنّبنا نشر العدوى».

لن يكون هناك خطرٌ من مصافحة شخصٍ آخر إذا ما تبع ذلك غسل اليدين جيداً قبل لمس وجهك أو تناول الطعام، ولكن، والكلام لإيلين: «سيكون من الصعب حثّ الناس على اتباع هذه العادات، وغسل اليدين للحفاظ على سلامتهم».

وبمناسبة الحديث عن النظافة، ماذا سيكون الحال بالنسبة لإطفاء شموع الميلاد؟ في الواقع، وبعد عامٍ من التأقلم مع ظروف الجائحة، تبدو فكرة النفخ على كيكة العيد التي قد يتناولها الجميع أقلّ ضرراً مما كانت تبدو عليه في السابق. تقول تيلين في هذه الصدد: «لقد تسامحنا مع هذه العادة طوال الوقت، لكنني أعتقد أن الجائحة فتحت أعيننا على بعض العادات التي طالما حملت مخاطر نقل الأمراض المعدية. ربما يكون الجانب المشرق في هذا الأمر هو أن الناس يدركون كم تحملنا عبء العدوى الفيروسية منخفضة المستوى، وربما بات لدينا الآن صندوق من الأدوات لجعل ذلك أفضل بكثير». لدينا فرصة الآن لإعادة النظر في مقدار مخاطر الأمراض المعدية التي نريد تحملها، ومع ذلك، ستكون العودة إلى أشكال التواصل الاجتماعي السابقة أسهل بالنسبة للبعض مقارنةً بغيرهم.

آليات لحماية أجسامنا

لقد كتبت عالمة النفس «سوزان بيث ميلر»، باستفاضةٍ حول شعور الاشمئزاز أو القرف، وكيف يعمل كآليةٍ لحماية أجسامنا. بعد عامٍ من العيش في ظلّ الجائحة، قد يكون الموقف حيال شعور القرف تغيّر عمّا كان عليه الأمر في السابق. تقول ميلر: «أطلق على هذا الشعور عاطفة حارس البوابة، لأنها تعمل كحاجزٍ بيننا وبين الأشياء من حولنا»، وتضيف: «من المحتمل أن تكون الاستجابة الأساسية للجائحة والأكثر شيوعاً هي الخوف، ولكن بالنسبة للبعض، أصبح الاشمئزاز وسيلةً الحماية». بالنسبة لهؤلاء الناس، فإن عودة الحياة إلى طبيعتها بعد هذه الفترة المخيفة من العزل قد يخلق لديهم مشاعرَ جديدةً من الرهبة والقلق، حتى بعد أن يصبح من الآمن عناق أحبائنا، «سيتحول الخوف لدى البعض إلى اشمئزاز في ظلّ الجائحة، ويصبح لديهم مستوىً عالٍ من هذا الشعور تجاه الآخرين».

وبلا شك؛ فإن هذه المشاعر الجديدة التي ابتُلينا بها، ستَخلق تحدياتٍ إضافيةً لدى بعض الناس، ولكن ما زال بالإمكان التغلّب عليها إذا ما كان الناس منفتحين على العمل للتخلّص من آثار الجائحة وضغوطها. توصي ميلر؛ عندما يصبح ذلك آمناً بالطبع، بأن يجد الأشخاص الذين يعانون من مخاوف كهذه، طرقاً للانخراط في مواقفَ ممتعةٍ حيث «تبدأ المتعة في التغلب على المخاوف» كما تقول. بعبارةٍ أخرى؛ قد يكون الرقص في نادٍ مليء بالغرباء طريقةً جيدةً للحد من الشعور بالضيق عندما تتواجد حول مجموعةٍ من الأشخاص الذين لا يرتدون الكمامات.

من المرجّح أنه ما يزال أمامنا عامٌ آخر لتقييم مخاطر الجائحة، وربما يكون علينا ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، ومراعاة إرشادات السلامة الشخصية والعامة. بالمقابل، عام 2021 مختلفٌ عن العام الماضي بالفعل، وقد تتغير الحال مع ظهور اللقاحات؛ مما قد يسمح لنا بإعادة الاتصال مع أحبائنا كما كنا في السابق.

بالرغم من أننا نتوق للتخلّص من القيود التي فرضتها علينا الجائحة، ومعانقة كلّ أحبائنا، لكنّ الحذر والعودة للاتصال الاجتماعي بخطواتٍ مدروسة سيساعد في الحفاظ على المكاسب التي حققناها في مواجهة موجات الموت الشرسة التي ضربت مجتمعاتنا.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.