Reading Time: 4 minutes

استغرق التطور 3 أو 4 مليار عام لإنتاج الجنس البشري، ولو فشل المناخ بشكلٍ كامل مرة واحدة فقط خلال ذلك الوقت؛ لكان التطور قد توقف، وما كنا لنكون هنا الآن، فحتى نفهم كيف تمكننا من التواجد على كوكب الأرض؛ علينا معرفة كيف تمكن كوكب الأرض من البقاء مناسباً للحياة لمليارات السنين.

هذه ليست مشكلة تافهة؛ يثبت لنا الاحتباس الحراري الحالي أن المناخ قد يتغير كثيراً عبر بضعة قرون فحسب، وتغير المناخ عبر جداول الزمن الجيولوجية هو أمر أكثر سهولةً. تُظهر الأبحاث أن هنالك احتمالية لتدهور مناخ الأرض؛ إذ يمكن أن تصل درجات الحرارة إلى ما تحت التجمد، أو فوق الغليان خلال بضعة ملايين السنين.

كما نعرف أن توهج الشمس قد ازداد بنسبة 30% منذ التطور الأول الحياة. من الناحية النظرية، فإن ذلك كان ليسبّب تبخر المحيطات إلى الآن؛ بالنظر إلى أنها لم تكن متجمدة بشكلٍ عام في الحالة الأولى للأرض؛ ويعرف ذلك بـ «مفارقة الشمس الصغيرة الباهتة».

بركان بيناتوبو, بركان

أطلق ثوران بركان بيناتوبو عام 1991، الكثير من الرماد في الغلاف الجوي؛ مسبباً انخفاض قدره °0.6 مئوية في درجات الحرارة العالمية. SRA Blaze Lipowski / picryl

توصّل العلماء إلى نظريتين رئيسيتين؛ الأولى هي أن الأرض قد تحتوي على ما يشبه الثرموستات (منظم الحرارة)، آلية للتغذية الراجعة (أو آليات)؛ والذي يمنع المناخ من التوجه إلى درجات الحرارة القاتلة.

الثانية هي أنه من أصل عدد كبير من الكواكب؛ ربما كانت الأرض من القلّة المحظوظة التي نجت. يصبح هذا السيناريو أكثر قابليةً للتصديق بفضل اكتشاف العديد من الكواكب خارج نظامنا الشمسي؛ تسمى «إكسوبلانيتس»، خلال العقود الأخيرة.

تخبرنا المشاهدات الفلكية للنجوم البعيدة أن العديد من الكواكب تدور حولها، وأن بعضها ذو حجم وكثافة ومسافة مدارية كافية بحيث تكون درجات الحرارة مناسبة للحياة نظرياً. قُدّر عدد الكواكب الصالحة بـ 2 مليار في مجرّتنا فقط.

يود العلماء لو أنهم يسافرون إلى هذه الكواكب الخارجية ليكتشفوا إذا ما كان أحدها يشبه الأرض باستقرار مناخه؛ الذي دام مليار عام، ولكن أقرب هذه الكواكب الخارجية؛ والذي يدور حول النجم المسمى «بروكسيما سنتوري»، يبعد أكثر من 4 سنين ضوئية، ومن الصعب الوصول إلى النتائج التجريبية أو تلك المبنية على المراقبة.

لذلك بحثت في السؤال نفسه عن طريق التمثيل. باستخدام برنامج كمبيوتر مصمم لمحاكاة التطور المناخي للكواكب عموماً (وليس الأرض فقط)، قمت بإدخال 100 ألف كوكباً في البدء؛ كل منها مزود بمجموعة مختلفة من آليات التغذية الراجعة المناخية. إن آليات التغذية الراجعة المناخية هي عمليات قادرة على تضخيم التغير المناخي أو تقليصه. فكر قليلاً بجليد البحر الذي يذوب في المحيط الأطلسي؛ والذي يستبدل الجليد العاكس للشمس ببحر مفتوح يمتص أشعة الشمس؛ والذي يسبب بدوره المزيد من الدفئ والذوبان.

الأرض, الحياة على الأرض

لم تكن التجارب المتكررة في هذه المحاكاة متطابقة: تم إدخال 1,000 كوكب بشكل عشوائي وأجري كل منها مرتين؛ إذ تظهر المجموعة A نتائج التجربة الأولى، وتظهر B نتائج التجربة الثانية. تظهر الدوائر الخضراء حالات النجاح (ظلت قابلة للحياة لـ 3 مليار سنة)، والسوداء الفشل. الصورة: توبي تايريل

من أجل اكتشاف احتمالية بقاء كل من هذه الكواكب صالحاً للحياة عبر عدد هائل من الجداول الزمنية (الجيولوجية)؛ قمتُ بمحاكاة كل منها 100 مرة، وفي كل مرة كان يبدأ الكوكب بحرارة أولية مختلفة، ويتعرض لمجموعة مختلفة عشوائياً من الأحداث المناخية؛ إذ تمثل هذه الأحداث المناخية عواملَ مغيرةً للمناخ؛ مثل ثوران بركان هائل (مشابه لجبل بيناتوبو ولكن أكبر بكثير)، وصدامات بالنيازك (مثل ذلك الذي قتل الديناصورات). وفي كلٍ من هذه المرات المئة؛ تم اتّباع حرارة الكوكب إلى أن أصبحت عالية جداً أو منخفضة جداً، أو نجت لمدة 3 مليار عام؛ إذ يكون قد أصبح في هذه الحالة منزلاً محتملاً للحياة الذكية.

تعطي هذه المحاكاة جواباً واضحاً للمعضلة هذه حول القابلية على الحياة؛ وذلك على الأقل بالنسبة لأهمية التغذية الراجعة والحظ. كان من النادر جداً (في الواقع، مرة واحدة من أصل 100 ألف مرة) أن يمتلك كوكب ما آلية تغذية راجعة تساهم في الاستقرار بدرجة كافية تمكنه من البقاء صالحاً للحياة في المرّات المئة جميعها؛ دون أن يتأثر بالأحداث المناخية العشوائية.

في الواقع، معظم الكواكب التي بقيت صالحة للحياة لمدة 3 مليار سنة؛ بقيت كذلك عشر مرات من أصل 100 مرة، وفي كل مرة تقريباً من حالات المحاكاة؛ التي يبقى فيها أحد الكواكب صالحاً للحياة، كان الأمر متعلقاً بعض الشيء بالحظ، وفي الوقت نفسه؛ أثبت الحظ أنه غير كاف لوحده، ولم تبقَ الكواكب؛ التي صُممت بدون تغذية راجعة على الإطلاق، صالحةً للحياة، مجتازةً الأحداث المناخية التي تحوم حولها عشوائياً؛ بل لم تدم الدورة أبداَ.

تعتمد النتائج الشاملة على التغذية الراجعة، والحظ بشكلٍ جزئي. لم يتأثر التمثيل بكل التغيرات المختلفة التي طرأت عليه، وبناءً على التطبيق؛ يجب أن يكون كوكب الأرض متميزاً بنوع من آليات التغذية الراجعة المتحكمة بالمناخ، ولكن لابد أن للحظ الطيب دور أيضاً في البقاء قابلاً للحياة.

فعلى سبيل المثال، لو أن حجم أحد النيازك أو الشعلات الشمسية كان أكبر، أو كان قد حدث في وقت مختلف قليلاً (أكثر حرجاً)، فإننا على الأرجح، ما كنا لنكون هنا على الأرض الآن. يمنحنا ذلك وجهة نظر مختلفة حول قدرتنا على النظر إلى تاريخ الأرض المذهل والممتد طويلاً، في التطور والتنوع الوصول إلى شكلها بالغ التعقيد الذي يمنحنا التفوق.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «ذا كونفيرسيشن» عبر بوبيولار ساينس من هنا.