Image

قوة الاعتقاد غالباً ما تفرض نفسها

Bread assortment إذا كنت تعتقد بأن هذه الحبوب الدوائية ستحسن حالتك، فسيمكنها تحسين حالتك بالفعل

هل سمعت بدواءٍ يساعدك على تجاوز أزمة عاطفية؟ قد يبدو ذلك خبراً جيداً. ولكن مهلاً، كيف يمكن لحبة دواء أن تعالج قلباً مجروحاً؟ وفوق ذلك، إنها ليست حبة دواء، بل بخاخٌ أنفيٌ!

حسناً، لنكن أكثر وضوحاً. إن هذا البخاخ الأنفي ليس دواءً حقيقياً، وإنما مجرد دواء وهمي. يقول المثل الأمريكي: إذا ناسب الحذاء قدمك، فالبسه بأي حال! وهنا تكمن المعضلة في أخلاقيات استخدام الدواء الوهمي لعلاج الحالات المرضية.

قام عددٌ من الباحثين في مجالَي العلوم النفسية والعلوم العصبية بإعداد دراسة شارك فيها 40 شخصاً من الجنسين أنهوا علاقتهم العاطفية مع شريك في الأشهر الستة التي سبقت البدء بالدراسة. قام الباحثون بعرض صور للشريك السابق أمام كل مشارك، ثم طلبوا منه استعادة المشاعر التي ترافقت مع الانفصال، وقاموا في أثناء ذلك بتطبيق منبه حراري مؤلم على ذراع المشارك. وبعد تلك التجربة، قدم الباحثون للمشاركين بخاخاً أنفياً يحتوي على محلول ملحي لا يمتلك أي تأثيرٍ علاجيٍ بمفرده، وذلك بعد أن أخبروا نصف المشاركين بأن البخاخ يحتوي على محلول يُسهل عملية التصوير بالرنين المغناطيسي، في حين أخبروا النصف الآخر بأن البخاخ يحتوي على مادة دوائية مُسكنة للآلام الجسدية والعاطفية. ثم كرر الباحثون عرض صور الشريك السابق على كل مشارك والطلب منه استدعاء الذكريات والمشاعر التي رافقت حادثة الانفصال، مع تطبيق المنبه الحراري المؤلم على ذراعه.

وجد الباحثون بأن المشاركين الذين استخدموا البخاخ الأنفي على أنه “دواء” قد شعروا بتحسن في مشاعرهم عند استعادة أحداث الانفصال العاطفي في التجربة الثانية، كما شعروا بدرجة أقل من الألم عند تطبيق المنبه الحراري الساخن على سواعدهم.

إن هذه النتيجة غير مُستغربة نهائياً. فمن المعلوم مسبقاً بأن الدواء الوهمي يساعد على تخفيف الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي، ويُعزز من إنتاج الدوبامين عند مرضى داء باركنسون، ويُحسن التنفس عند المرضى المصابين بالربو، كما قد يساعد على تسكين أعراض متلازمة الأمعاء المتهيجة. إن الاعتقاد بأن شيئاً ما سوف يساعدك على الشعور بالتحسن، قد يساعدك على ذلك فعلاً. ولكن ذلك لا يعني بأن الدواء الوهمي هو حل سحري لجميع الأمراض.

فعلى الرغم من أن الغثيان أو آلام الصداع الناجمة عن العلاج الكيميائي قد تختفي تماماً بعد تناول حبة صغيرة من السكر، إلا أن تلك الحبة لن تُقلص من حجم الورم السرطاني. وعلى الرغم من أن مريض الربو قد يشعر بتحسن جريان الهواء في مسالكه الهوائية بعد استنشاق بخاخ خالٍ من أية مواد دوائية، ولكن استنشاق بخاخ يحتوي على تركيز مناسبٍ من مادة ألبوتيرول سيُحسن من وظيفة الرئة بشكل أكبر بكثير من ذلك الدواء الوهمي.

قد يمارس الدواء الوهمي دوراً علاجياً على المدى الطويل، خاصةً في الحالات التي تنطوي على خبرات شخصية. فإذا أخبر الطبيب المريض بأن مرهماً ما سيساعده على علاج الحرق الجلدي لديه، فقد يشعر بدرجة أقل من الألم بعد تطبيقه على الرغم من عدم ملاحظته لأي تحسن في مظهر الحرق. وعلى الرغم من أن الدواء الوهمي قد يُعزز من إنتاج الدوبامين عند المصابين بداء باركنسون، المرض الذي يتميز بتراجع مستويات هذا الهرمون، فإنه لن يشكل سوى حل مؤقت ولن يعالج المرض بأي شكل.

لقد سادت الفكرة القائلة بأن الدواء الوهمي هو شيء عديم النفع، وأن استخدامه يقتصر فقط على التجارب العلمية لمقارنة نتائجه مع نتائج الدواء الحقيقي. كما إن علماء المنطق طالما تذرعوا به كدليل على الوهم الذي يعيشه الكثير من الناس. ولكن في المقابل، يُشكل الدواء الوهمي حلاً غير مضرٍ البتة للعديد من المشاكل الشائعة. يُذكر أن فئة من المرضى الذين يتوقعون آثاراً جانبية عند تناول أي دواء، لا بد أن يشعروا بتلك الأعراض حتى عند تناول دواء وهمي. ولكن مع ذلك، فإن إعطاءهم دواءً وهمياً لن يعود بأي ضررٍ حقيقيٍ عليهم، وقد يعود عليهم بأثرٍ إيجابيٍ ما.

لا يوجد أي دواء كيميائي في العالم يمكنه علاج جروح القلوب. فإذا كان الدواء الوهمي يساعد قليلاً في هذا المجال، فلم لا نستخدمه؟ إن المحذور الأخلاقي الوحيد من هذا السلوك هو أننا سنضطر للكذب على المريض. وهو سلوك مباح في سياق التجارب السريرية، ولكنه قد لا يكون كذلك في خارج هذا السياق. نعود لنؤكد مجدداً بأن ثمة أشخاص يستفيدون من تناول الدواء الوهمي حتى مع معرفتهم بحقيقة أنه وهمي، وذلك لأنهم يوطنون أنفسهم على الاعتقاد بأن الدواء الوهمي قد يؤثر إيجاباً بطريقة ما، وإن كانوا بالواقع لا يؤمنون به!

ختاماً نقول، إذا كانت الآلام العاطفية تدمر القلب بشكل فعلي، فلم لا نؤمن بأن علاجها هو أمر ممكن؟

error: Content is protected !!