Reading Time: 3 minutes

عندما نذكر الذئاب الرهيبة، تتبادر إلى الأذهان على الفور المخلوقات المرعبة ذات الفراء الكثيف التي سكنت في وينترفيل في مسلسل «صراع العروش». في الواقع، بعد انتهاء عرض المسلسل، أصبح عشّاق المسلسل يبحثون بشكلٍ كبير عن أشباه هذه المخلوقات في عصرنا الحالي؛ وهي كلاب الهاسكي السيبيرية، مما أدى لازدياد أعدادها في ملاجئ الكلاب بعد أن هجرها أصحابها، لعدم قدرتهم على العناية بها بشكلٍ صحيح.

ولكن الذئاب الرهيبة التي عاشت قديماً بالكاد كانت تشبه نظيرتها التي عاشت في ويستروس في المسلسل. تقول «أنجيلا بيري»؛ عالمة الآثار في جامعة دورهام: «ربما بدت الذئاب الرمادية العملاقة التي كانت تجوب أمريكا الشمالية في عصر البليوسين أشبه بالثعالب الحمراء العملاقة أكثر من شبهها بـ «الملموت» السيبيري ضخم الحجم، والمثير أكثر من ذلك (وربما المحبط)، أن هذا الوحش الشبيه بالذئب لم يكن ذئباً على الإطلاق، إذ تكشف دراسة الجينات أن هذه الحيوانات انفصلت عن الذئاب والقيوط (ذئب السهول أو الذئب البري) في العصر الحديث منذ حوالي 6 ملايين سنة».

حفريات الذئاب الرهيبة

في دراسة جديدة نُشرت في دورية «نيتشر»، تمكنت بيري والعشرات من علماء الوراثة والآثار والأنثروبولوجيا وعلماء الحيوان من جميع أنحاء العالم، وللمرة الأولى، من دراسة الحمض النووي لهذا المفترس الضخم الغامض بتعمقٍ أكبر، وقد كان ما وجدوه أغرب من الخيال.

اكتُشفت أحفوريات الذئاب الرهيبة لأول مرة في خمسينيات القرن التاسع عشر، وبقيت هذه الأحفوريات بحالةٍ ممتازة إلى حدٍ ما، بفضل «برك قطران لابريا» المتشكلة حول «هانكوك بارك» في لوس أنجلوس؛ وهي حفرٌ تسرّب إليها الأسفلت (القطران غالباً) بشكلٍ طبيعي من باطن الأرض لعشرات الآلاف من السنين، محافظةً بذلك- وعلى مدى قرونٍ طويلة- على عظام الحيوانات التي حُصرت في القطران؛ مثل الماموث والكسلان والأسود الأميركية، في الوقت الذي كانت ما تزال تجوب الأرض. كان شكل الذئاب الرهيبة مشابهاً جداً للذئاب الرمادية الضخمة لدرجةٍ لم يفكر أحد في الجدال بأنها من الذئاب.

تقول بيري: «اعتقدنا لوقتٍ طويل بأن الذئاب الرهيبة والرمادية مرتبطة بشكلٍ وثيق؛ نظراً لأن شكلها وهيكلها العظمي وأسنانها متشابهة إلى حدٍ كبير».

لكن، وكما تخبرنا الدراسات التطورية مراراً وتكراراً، فإن كون مخلوقٍ ما يشبه مخلوقاً آخر لا يعني بالضرورة أنه من نفس العائلة، لكن تتبّع الحمض النووي للذئب الرهيب الغامض لم يكن مهمةً سهلة. تقول «باتي شيبمان»؛ عالمة الأنثروبولوجيا المتقاعدة، والمتخصصة في تفاعل البشر والكلاب: «حافظ القطران في برك لابيرا على هيكل الحيوانات العظمي بشكلٍ جيد، لكن القطران يفسد الحمض النووي الذي تحمله بقايا تلك الحيوانات؛ تاركاً آثاراً كيميائية حيوية في كل مكانٍ عليها». كانت شيبمان أول مَن حاول جمع الحمض النووي من أحافير الذئاب الرهيبة الموجودة في الموقع عينه منذ سنوات. تضيف قائلةً: «في تلك المرحلة، قلنا أنه لن نتمكن من الحصول على أي بياناتٍ تساعدنا على معرفة المزيد عن الذئاب الرهيبة».

لذلك أمضت بيري وزملاؤها سنوات في البحث عن عينات من الحمض النووي السليم في جميع أنحاء القارة. تقول بيري: «من بين مئات العينات، لم نتمكن من الحصول سوى على 5 عينات صالحةٍ للاستخدام»، وبعد إجراء التحليل الجيني، اكتشف الباحثون مدى الاختلاف بين الذئب الرهيب عن الكائنات الأخرى الشبيهة بالكلاب المعاصرة، واكتشفوا أيضاً أنها آخر سلالةٍ باقية من نوعها؛ وذلك صحيح، فلا توجد ذئابٌ أو كلابٌ رهيبة اليوم، لقد انقرضت منذ حوالي 12 أو 13 ألف عام.

أسباب اختفاء الذئاب الرهيبة

هناك العديد من الأسباب التي قد تكون وراء اختفائها، وعلى وجه التحديد؛ تغير المناخ الشديد الذي حدث مع تحول العالم إلى حقبة الهولوسين (حقبتنا الجيولوجية الحالية)؛ الذي أدى للقضاء على الحيوانات المفترسة الضخمة الأخرى- مثل السنور ذو الأسنان السيفية، والدببة قصيرة الوجه- نظراً لتراجع أعداد الحيوانات العاشبة الضخمة التي كانت تقتات عليها.

ربما ساهم عامل آخر في انقراض الذئاب الرهيبة؛ وهو ظهور أنواعٍ شبيهةٍ بها في ذلك الوقت- مثل الذئاب والقيوط- مع ما تحمله من أمراضٍ معها، وقد وجدت الدراسة الجديدة أن الذئاب الرهيبة كانت مختلفة تطورياً عن الذئاب الرمادية، وغيرها من الكلاب التي نجت من الانتقال من العصر الجليدي إلى درجةٍ لم يكن بوسعها التزاوج لتكوين نسلٍ أكثر قوة من الذئاب الرهيبة ليعيش إلى العصر الجديد.

يقول «روبرت لوزلي»؛ أستاذ علم الآثار في جامعة ألبرتا، وغير مشارك في الدراسة: «كان من الممكن أن يساعد تزاوج الذئاب الرهيبة مع أنواعٍ أخرى على نجاتها من التغيرات البيئية الهائلة التي حدثت في نهاية العصر الجليدي؛ والتي أدت إلى فناء جميع الحيوانات الكبيرة تقريباً في الأميركتين. لقد نجحت الذئاب والقيوط في تجاوز تلك المحنة، لكن الذئاب الرهيبة فشلت».

تقول بيري أخيراً: «الآن بعد أن عرفنا مدى خصوصية الذئاب الرهيبة، يثير هذا الأمر العديد من الأسئلة الجديدة أمام العلماء، من قبيل؛ هل تفاعلت الذئاب الرهيبة مع البشر الأوائل، ومعرفة ما إذا كانت تلك الذئاب؛ التي يبلغ وزنها 72 كيلوجرام، لديها فرو مثل كلب «شيبا إينو» الضخم. إذا استطعنا الجزم بأنها كانت ذات لونٍ ضاربٍ إلى الحمرة، ستكون استعادة الصورة الحقيقية للذئاب الرهيبة أمراً مثيراً حقاً».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.