Reading Time: 3 minutes

عندما تنطلق الذئاب في جولات الصيد، فعادةً ما تطارد الحيوانات كبيرة الحجم؛ مثل الغزلان والأيائل، حتّى تُنهَك فرائسها، لكن الذئاب المنفردة تفترس أحياناً حيوانات أصغر؛ مثل القنادس، وتستخدم استراتيجيّات مُخصّصة بهدف نصب الكمائن للقوارض غير المُتنبّهة؛ وذلك وفقاً لما أفاد به العلماء في بحث نُشر في 9 فبراير/ شباط الجاري في دورية «بيهيفيورال إيكولوجي».

اصطياد القنادس

على مدى 5 سنوات؛ راقب الباحثون الذئاب في مئات المواقع في شمال ولاية مينيسوتا؛ حيث كان معروفاً أنّها تصطاد القنادس. استغلّت جماعات الذئاب ضعف حاسة البصر لدى القنادس؛ عن طريق التربّص بها على بعد بضعة أمتار من المواقع التي تتواجد فيها عادةً، كما أنّها تجنّبت حاسة الشم الأكثر تطوراً لدى القنادس؛ عن طريق البقاء في مواقع بعكس اتّجاه هبوب الرّيح.

يقول «توماس جابل»؛ وهو عالم أحياء في جامعة مينيسوتا، ومؤلّف مشارك للبحث الجديد: «هذا الأمر يبين لنا درجة المرونة العالية لآليّات الصيد التي تتبعها الذئاب»، ويضيف: «تُطبّق الكثير من المفترسات كبيرة الحجم طريقةً واحدةً أساسيّةً في الصيد وقتل الفرائس، على سبيل المثال، أسد الجبال (الأسد الأميركي) هو مفترس يستخدم أسلوب المُباغتة بشكل أساسي» (المفترسات المُباغِتة هي تلك التي تنتظر فرائسها بدلاً من اللحاق بها، وتستعمل التخطيط والاستراتيجيّات بشكلٍ أساسي بدلاً من القوّة والسرعة)، بينما يبدو أن الذئاب تُعدّل تقنيات الصيد خاصتها حسب نوع الفرائس التي تحاول صيدها. يقول جابل: «ستلجأ هذه المفترسات لاستخدام الكمائن للإمساك بالقنادس، وستعود لملاحقة الغزلان عند وجودها».

قندس, مفترسات, انواع القنادس

القنادس ليست من الفرائس التي تصطادها الذئاب بسهولة؛ لأنها خلال رحلاتها القصيرة إلى اليابسة، تبقى قريبة من الماء حتّى تظل قادرة على الفرار بسرعة إذا لاحظت وجود مفترس ما، وأيضاً، يمكن أن يصل وزن القندس الواحد إلى وزن ذئب بالغ تقريباً، ولهذه القوارض رقاب قصيرة للغاية صعبٌ الإمساك بها. يقول جابل: «بعض القنادس هي كُتل عضليّة تزن 22-27 كيلوجرام، لها شكل كرة الأقدم الأميركية»، ويضيف: «لديها أيضاً أسنان حادّة جداً، وعضّات قوية للغاية يمكن أن تسبب ضرراً جسيماً».

مع ذلك، ففي غابات منتزه «فوايجور» الوطني في شمال ولاية مينيسوتا والأراضي المحيطة به؛ تُشكّل القنادس جزءاً كبيراً من النظام الغذائي للذئاب خلال الأشهر الدافئة. في أوقات الصيف، تتغذّى الفرائس الضخمة؛ مثل الأيائل والغزلان، جيداً؛ مما يجعل اصطيادها من قبل قطعان الذئاب أصعب، ولذلك؛ تصطاد الذئاب عادةً فرائس أصغر حجماً بشكلٍ فردي. تتواجد القنادس بأعداد كبيرة في تلك المناطق، ويتطلّب انتظار قدومها إلى اليابسة قدراً أقل من الطاقة مقارنةً بمطارة الأيائل.

أيضاً، من السهل- نوعاً ما- التنبّؤ بسلوك القنادس؛ إذ أنّها تعود بشكلٍ متكرر إلى مناطق محددة لتقطّع النباتات بهدف بناء السدود والمساكِن. يقول جابل: «تستطيع الذئاب أن تذهب في أي وقت إلى بركة تحتوي على مجموعة من القنادس التي تصعد إلى اليابسة في نهاية المطاف، لكن وجود الذئاب في النقطة المناسبة للإمساك بالقنادس هو أمر مختلف».

استراتيجيات الذئاب في التربّص

تعقَّب جابل وزملاؤه تحرّكات 32 ذئباً مزوّداً بأطواق تحمل أجهزة تتبّع (جي بي إس) بهدف فهم طريقة الذئاب في اختيار مواقع التربّص بالقنادس بشكلٍ أفضل. زار العلماء مواقعاً أمضت فيها الذئاب بعض الوقت، وبحثوا عن آثار نشاط القنادس؛ مثل قِطع النباتات الحديثة. في معظم الحالات، دلَّ وجود الشعر المتناثر وتسطّح الغطاء النباتي العلماء على النقاط التي استقرت فيها الذائب منتظرةً، كما استخدم الباحثون أيضاً محطّات الرصد الجوّي القريبة لتحديد اتّجاه الرّيح في الأوقات التي تربّصت فيها الذئاب.

يقول جابل: «المواقع التي اختارتها الذئاب للانتظار تبدو مثاليةً تقريباً للإمساك بالقنادس، لأن الذئاب يبدو أنها تفهم كيف تستشعر القنادس وجود المفترسات»، ووفقاً لما أفاد به جابل؛ فعلى الأرجح طوّرت الذئاب آليّات محددة تبقيهم قريبين من أماكن تجوال القنادس قدر الإمكان، كما أنّها- حسب قوله-: «تأخذ اتّجاه الريح بالحسبان؛ مما يجعل كشفها من قبل القنادس غير ممكن».

حدّد الفريق ما مجموعه 748 موقعاً حيث حاول 28 ذئباً من الذئاب المزوّدة بالأطواق نصب الكمائن للقنادس دون جدوى على يبدو (وصلوا لهذا الاستنتاج بسبب عدم وجود أية بقايا للقنادس)، واستغرقت عمليات المراقبة هذه في المتوسط 4 ساعات (مع أن الذئاب يمكن أن تركض لمدّة تصل إلى 30 ساعة). وثّق الباحثون أيضاً 214 موقعاً حيث كَشفَ وجود البقايا الحديثة (مثل العظام أو الفراء) والتلف في الغطاء النباتي نجاح عملية صيد. مع ذلك، كان حوالي ثلث تلك المواقع فقط قريباً من أماكن مثل الطرق التي تسلكها القنادس في بحثها عن الطعام، وحسب جابل؛ فمن المحتمل أن يكون ما تبقّى من حالات الصيد الناجحة قد نتج من مصادفة الذئاب للقنادس بدلاً من نصب الكمائن بشكلٍ ناجح، إلّا أن تأكيد ذلك ليس أمراً ممكناً باستخدام البيانات التي يوفّرها الـ جي بي إس فقط.

مع ذلك، حقيقة أن الذئاب اتّبعت آليّة شبيهة للغاية أثناء محاولتها نصب الكمائن للقنادس؛ تشير إلى أن هذا السلوك واسع الانتشار. يقول جابل: «حقيقة أن كل تلك الذئاب التي تنتمي لقطعان وأعمار مختلفة تُطبّق آليّات متشابهة؛ هي حقيقة مدهشة للغاية»، ويضيف: «هذا السلوك منتشر على الأرجح في منطقتنا وخارجها أيضاً، لأن الذئاب تسافر داخل منطقتنا وخارجها بشكلٍ متكرر».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.