Image

ذاكرة ممتازة، ذكريات تعيسة...

Bread assortment نوتيلوس

تذهب الباحثتان في جامعة بروكلين، البروفسورة جنيفر بيسل وطالبة الدكتوراه ناومي ليوانداوسكي، إلى متجر تارجت في الجهة المقابلة من الشارع لشراء وجبة بحرية من الجمبري المجمد للرقم 51 التي تحبها، حيث اقتطعت ليوانداوسكي بعضاً منها على صحن ورقي لتقديم وجبة مرتجلة في فترة بعد الظهر إلى هذه المخلوقة، وذلك أثناء زيارة إلى المختبر منذ فترة قريبة.

تمضي الرقم 51 أيامها في مستوعب أسطواني أسود برفقة نصف دزينة من مخلوقات أعماق البحر الأخرى، حيث تسبح ببطء وإلى الخلف باستخدام الدفع النفاث، وكأنها حوامة تقلع بذيلها أولاً. في بعض الأحيان، تسحب ليوانداوسكي هذه الكائنات رأسية الأرجل ذات القواقع من مأواها المائي المظلم من أجل جلسة تصوير. كما يتم تعريض هذه الكائنات المحبة للظلام بشكل متكرر إلى الأضواء الاصطناعية في المختبر من أجل إجراء بعض التجارب، لاختبار الذاكرة ودراسة عادات التزاوج وغيرها من المهارات السرية للنوتيلوس.

سواء أكان النوتيلوس يسكن في مستوعب مخبري، أو في موطنه الطبيعي على عمق 450 متراً تقريباً تحت سطح المحيط المتموج، فإنه يتمتع بمنظر فريد يبدو آتياً من أعماق الماضي. تمتلك الرقم 51 عينين بلون أبيض ونقطة صغيرة سوداء في المنتصف، بدون عدسة، وكأنها كاميرا ذات الثقب. تبدو ملامحها كخليط غير متجانس، وهو نشاز تطوري كما في حالة البلاتيبوس (خلد الماء). ويمكن لمن يرى النوتيلوس لأول مرة أن يعتقد أنه سرطان (بسبب تلك القوقعة المذهلة) او أخطبوط (بسبب تلك الملامس التي تتموج وتدور قرب الطعام). ونظراً لأن هذا النوع ظهر في السجل الأحفوري لمدة 500 مليون سنة وحتى الآن، ولم يتغير بشكل واضح إلا بضعة مرات فقط –على الأقل بالنسبة للعين غير المدربة- فقد يمكن أن تتساءل ما إذا كان ديناصوراً، أو مخلوقاً من المخلوقات المسماة بالمستحاثات الحية.

تعتبر قوقعة النوتيلوس من أشهر الأشكال الكسورية
مصدر الصورة: توم ماكنامارا

يعود مصطلح “المستحاثة الحية” إلى عام 1859 على الأقل، حيث يقال أن تشارلز داروين صاغ هذه الجملة في كتابه “أصل الأنواع”. كان داروين يصف ظاهرة غريبة لاحظها لدى سمك الحفش، وخلد الماء، والسمك الرئوي، وهي أن هذه الأنواع –كما قال- لم تتعرض إلا للقليل من المنافسة في الطبيعة، ولهذا تمكنت من الصمود لملايين السنوات بدون أن تتغير. وانتشرت الجملة بين أعداد لا حصر لها من العلماء والصحافيين، وبدأ استخدامها في كل مكان، بدءاً من مقالات قديمة في بوبساي وصولاً إلى أبحاث محكمة علمياً في مجلات راقية.

غير أن الباحثتين المشرفتين على نوتيلوس 51 يقلن أن الجملة مضللة بعض الشيء. فمن ناحية، تبدو هذه الجملة فجة وغير متبلورة لدرجة أنها غير مفيدة علمياً، وهي أقرب إلى “تعبير عام يلصق بأي كائن يتمتع بسجل أحفوري مثير للاهتمام”، وفقاً لصحيفة ذا جارديان. إضافة إلى هذا، فإن السجل الأحفوري لا يحتفظ إلا بالقليل، ما يشوه صورة الماضي لدينا. حيث أن الأجسام الصلبة، مثل قوقعة النوتيلوس، يمكن أن تبقى أو تترك آثاراً أو طبعات، ولكن النسج اللينة تختفي بسرعة كبيرة قبل أن تترك أي أثر. ولهذا، يعتبر الأخطبوط المتحجر بشكل جيد اكتشافاً هاماً يستحق عناوين الصفحات الأولى، على حين تعتبر ثلاثيات الفصوص المتحجرة أمراً عادياً لا يلفت الانتباه.

أيضاً، فإن جملة “المستحاثة الحية” تعتبر إطلاقاً للأحكام البيولوجية بناء على المظاهر. لأن الاستقرار الظاهري للمنظر الخارجي للحيوان على مدى فترة طويلة من الزمن لا يقتضي بالضرورة أنه لم يتغير، حيث يوجد احتمال لظهور تحولات جينية جديدة في كل مرة يتكاثر فيها الحيوان، وقد قد تنتشر هذه الجينات الجديدة بين أفراد هذا النوع. وإذا لم تظهر آثار هذه التحولات الجينية على المنظر الخارجي بشكل واضح، فهذا لا يعني أنها لم تحدث.

النوتيلوس لا ينسى أبداً، وهو يتفوق على الفيلة في هذا المجال.
مصدر الصورة: توم ماكنامارا

قد يكون من السهل التعرف على قوقعة النوتيلوس القديمة، ولكن الأجزاء الأخرى، من نسجه اللينة إلى جيناته، تغيرت في مرحلة ما عبر الزمن ولا بد. قد تكون هذه التكيفات صغيرة نسبياً مقارنة بالبشر مثلاً، والذين ظهروا كنوع مميز ومستقل (الإنسان العاقل) خلال آخر 300,000 سنة، ولكنها ليست معدومة تماماً. تقول بيسل طارحة مثالاً: “لا أعتقد أن أسلاف النوتيلوس كان لديهم 90 ملمساً، ولكن الانتقال إلى مكان مظلم حيث التذوق والشم أسهل يعتبر شكلاً من أشكال التكيف”. وتضيف بيسل أنه يبدو أن النوتيلوس لم يتوقف عن التغير حتى الآن، على الرغم من أنها ليست بالتغيرات التي يمكن للبشر استيعابها فوراً: “في الواقع، فإن هذه الكائنات تمر حالياً بمرحلة من التفرع والتنوع السريع”.

قد يكون اعتداد الجنس البشري بنفسه سبباً في تشويش تقديرنا للنوتيلوس، وربما غيره من الكائنات في مملكة الحيوان، بطرق غير مباشرة أيضاً. لقد كرست بيسل حياتها لدراسة ذكاء النوتيلوس، واستخدمت متاهات مائية لاختبار استجابة المخلوق للكثير من المحفزات، وأثبتت بنجاح أن النوتيلوس يتمتع بذاكرة ممتازة. ولكن، وعلى الرغم من كل هذا، فهي تجد أحيانا صعوبة في التفاهم مع الآخرين لتوضيح القدرات الفريدة لهذه المخلوقات الغريبة والبطيئة.

تقول بيسل عن النوتيلوس: “ليس هذا الكائن بصرياً بشكل خاص. إذا نظرت إلى حبار، على سبيل المثال، فسوف يحدق بك، وسيوجه ملامسه نحوك، وسيحاول في بعض الأحيان أن يصعد باتجاهك ويلمسك. أما النوتيلوس فليس هكذا. نحن نرى هذه الكائنات في الحوض المائي خلال النهار، عندما تكون نائمة. وأؤكد لك أنك إذا حدقت بي في الساعة الثالثة صباحاً عندما أكون نائمة، فلن ترى ردة فعل تذكر”. قد تكون هذه العادات في النوم، إضافة إلى الأعين غريبة المنظر، هي ما تجعلنا نعتقد بأن النوتيلوس أقل تعقيداً مما أثبتت نتائج الاختبارات.

أولى الصور تحت الماء.
مصدر الصورة: تقدمة من متحف آي للأفلام، هولندا

بشكل معاكس، فإن بعض الحيوانات تظهر بشكل غريب للغاية، لدرجة أن البشر يميلون لوضع نظريات بنفس الغرابة حولها. ففي مايو المنصرم، نشر بعض الباحثين ورقة بحثية تدعو للشك والاستغراب، وتقول بأن الأخطبوط أتى من الفضاء الخارجي، بدلاً من أن يتطور على سطح الأرض مثل ابن عمه النوتيلوس. وعلى الرغم من أن هذه الورقة تعرضت لموجة حادة من الانتقادات من قبل العلماء الآخرين، فإن المؤلفين يصرون على أن الأخطبوط، الذي يتمتع بدم أزرق ودماغ ضمن أذرعه وقدرة على الدخول في أي مكان بفضل بنيته شديدة الليونة، أتى من الفضاء بالتأكيد. ولكن، وكما كتبت سارة تشودوش لبوبساي: “يجب أن نكف عن نسب إنجازات أمنا الطبيعة لغيرها”. لا شك في أن هذا الكائن رأسي الأرجل مثير للدهشة والاستغراب، ولكن جيناته هي بالتأكيد نتاج الكرة الأرضية وسياقه التطوري الفريد.

قد لا يبدو لك النوتيلوس أكثر من مجرد قوقعة جميلة. ولكن المناظر خادعة، خصوصاً في عالم الطبيعة. وفي الواقع، فإن نسبة الدماغ إلى الجسم لدى النوتيلوس كبيرة جداً، كما أنه يتمتع بقدرات شمية مذهلة. يمكن للنوتيلوس أن يعيش على عمق يصل إلى أكثر من 760 متراً بدون أن ينفجر. وكما يظهر توم ماكنامارا في أحدث فيديوهاته على بوبساي: “تجارب: النوتيلوس”، فإن هذه الكائنات غنية بالأمثلة والاستعارات، وساعدت البشر في تطوير الرياضيات والطب، واستكشاف ألغاز المحيطات.

إذا لم ينفع كل ما سبق في إقناعك بأن النوتيلوس ليس قوقعة لولبية وحسب، فقد تقنعك ذاكرته. وما أن تعرف الرقم 51 بأنك ظننتها مجرد لولب ساكن، فقد لا تنسى إهانتك هذه أبداً.

error: Content is protected !!