Reading Time: 4 minutes

تخيل أن تكون أعمى تماماً ومع ذلك لديك القدرة على الرؤية. هل هذا يبدو مستحيلاً؟ هذه في الحقيقة حالة موجودة فعلاً. فمنذ بضع سنوات، أصيب شخص -لندعوه باري- بسكتتين دماغيتين متتاليتين. ونتيجة لذلك فقد بصره تماماً، وأصبح يسير بعصا مخصصة للمكفوفين.

وفي يوم من الأيام، وضع باري من قبل مجموعة من علماء النفس في ممر مملوء بالعوائق، مثل الصناديق والكراسي، وأخذوا منه عصاه، ثم طلبوا منه اجتياز الممر. نتائج هذه التجربة البسيطة قد تخدم بشكلٍ كبير في فهمنا للوعي. إذ أن باري تمكن من تجنب كل العوائق دون أن يتعثّر بأي منها. يعاني باري من حالة اسمها «الرؤية العمياء»، وهي حالة نادرة للغاية ومتناقضة مثلما يُظهر اسمها.

فبالرغم من أن المصابين بها لا يدركون وجود الأجسام حولهم، إلا أنهم قادرين على إنجاز العديد من المهام المدهشة التي تبين أنهم يستطيعون رؤية هذه الأجسام بشكل ما.

في تجربة أخرى، عُرضت مجموعة من الصور لرجل مصاب بالرؤية العمياء -لندعوه ريك- باستخدام شاشة، وطُلب منه أن يخمن ما هي الأجسام في الصور ويختار جواباً من بين عدة خيارات. أصرّ ريك على أنه لا يعلم ما المعروض على الشاشة وأنه كان يخمن لا أكثر، لكن مع ذلك، فقد خمن بدقة تتجاوز الـ 90%.

داخل الدماغ

تنتج الرؤية العمياء بسبب حدوث تلف في منطقة من الدماغ تسمى «القشرة البصرية الأولية». وهي واحدة من المنطقتين المسؤولتان عن البصر -كما يوضّح اسمها-، ويمكن أن يؤدي تلفها إلى العمى الكلي أو الجزئي.

ما الذي يحدث إذن عند المصابين بالرؤية العمياء؟ مثل الأشخاص الأصحاء؛ تتلقى عيون المصابين بهذه الحالة الضوء، وتحوله إلى سيالة عصبية تنتقل إلى الدماغ. تمر هذه السيالة عبر مجموعة من المسالك العصبية التي تنتهي في القشرة البصرية الأولية، ولكن عند المصابين، لا تستطيع هذه المنطقة معالجة المعلومات التي تحملها السيالة العصبية، وذلك لأنها تعاني من تلف. ولذلك فإن أدمغة المصابين لا تدرك هذه المعلومات بشكل واعٍ. مع ذلك، تعالج مناطق أخرى سليمة من الجهاز البصري هذه المعلومات، مما يسمح للمصابين إنجاز بعض المهام المشابهة لتلك التي أنجزها كل من باري وريك.

عمى, الرؤية العمياء, البصر, عين

رجل كفيف يمشي متتبعاً أثار الطريق بواسطة عصا خاصة – مصدر الصورة: zoetnet /فليكر

تمثل حالة الرؤية العمياء مثالاً ملفتاً بشكل خاص لظاهرة أعمق؛ وهي النشاط اللاواعي للدماغ. وهي موجودة عند الأشخاص الأصحاء والمصابين بالرؤية العمياء على حدٍ سواء. أظهرت الدراسات أن الصور العارية لأشخاص جذابين يمكن أن تلفت انتباهنا، حتى إن كنا غير مدركين لوجودها. بينما أظهرت دراسات أخرى أن البشر قادرون على تمييز ألوان الأجسام دون أن يدركوا هذه الأجسام بشكل واعٍ.

هل هناك تفنيد للرؤية العمياء؟

ولّدت حالة الرؤية العمياء الكثير من الجدل. وحاجج بعض الفلاسفة وعلماء النفس أن المصابين بها قد يكونوا واعين فعلاً للأجسام حولهم، ولكن بطريقة غامضة صعبة الوصف.

يكشف هذا الاقتراح مشكلة جديدة، وذلك لأن التأكد من أن شخص ما واعٍ لشيء محدد هو عملية دقيقة للغاية. لا يوجد أي «اختبار» للوعي. ولا يمكننا ببساطة وضع مجسّ أو شاشة إلى جانب دماغ أحدهم لنعلم إذا كان فعلاً يدرك شيئاً ما بشكل واعٍ أم لا. عملية الوعي هي تجربة شخصية بالكامل.

يمكننا طبعاً أن نسأل هذا الشخص إن كان يدرك ما حوله. لكن قد يكون تفسير ما يقوله الناس عن تجاربهم الشخصية أمراً صعباً. إذ تفيد تقارير البعض بأنهم غير واعين أبداً للأجسام المحيطة بهم (مثل ريك، إذ أصر مرة على قناعته بأن الأجسام غير موجودة على الشاشة فعلاً)، بينما تفيد تقارير أخرى بأن المصابين يشعرون بـ «وخزات بصرية» أو «ظلالاً داكنة»، مما يشير إلى أنهم قد يمتلكون درجة ما من الوعي.

حدود الوعي

إذن ماذا تعلمنا حالة الرؤية العمياء عن الوعي؟ يعتمد جواب هذا السؤال بشكلٍ كبير على التفسير الذي تقبله. هل تعتقد أن المصابين واعين بطريقة ما للأجسام حولهم أم لا؟

القشرة البصرية – مصدر الصورة: جير إس، ويس إم، ريمان كي، تورنر، لومان جي/ ويكيبيديا

إذا لم يكونوا كذلك، فستمثل هذه الحالة وسيلة مثيرة يمكننا استخدامها لفهم الوظائف التطورية التي ينجزها الوعي، والتي لازالت مجهولة إلى حد ما بالنسبة لنا. وذلك لأن معرفة ما يمكن أن يُنجز الدماغ دون الوعي تمكننا من استنتاج ما هي المهام التي يتطلب إنجازها الوعي.

ومن ناحية أخرى، إذا تمكنا من البرهان على أن الأشخاص المصابين بالرؤية العمياء هم يدركون فعلاً ما حولهم، فسيكشف هذا أسئلة مهمة ومثيرة للاهتمام حول حدود الوعي مثل: ما هي طبيعة الوعي الذي يمتلكه هؤلاء؟ (كيف يعون الأمور؟)، وبما يختلف عن أنواع أخرى من الوعي؟ وما هي مناطق الدماغ تحديداً التي تبدأ وتنتهي فيها عملية الوعي؟ وإذا كان المصابون واعين بالرغم من وجود تلف في القشر البصرية خاصتهم، فماذا سيكون دور هذه المناطق من الدماغ في توليد الوعي؟

في أبحاثي الخاصة، أنا مهتم بالطريقة التي تكشف فيها حالة الرؤية العمياء عن الحدود الغامضة بين البصر والوعي. وعندما نتحدث عن شيء مثل الرؤية العمياء، فسصيبح من غير المؤكد أن المفاهيم الاعتيادية مثل «الإدراك» أو «الوعي» أو «الرؤية» تصف وتفسر بدقة ما يحدث فعلاً داخل الدماغ. إن هدفي هو الوصول إلى صور أدق لهذه المفاهيم يمكنها أن تساعدنا على فهم الفروقات بينها.

لنتمكن من فهم حالات مثل الرؤية العمياء في نهاية المطاف، يجب علينا أن نتفكر فلسفياً في المفاهيم التي نستخدمها والافتراضات التي نضعها، تماماً مثلما نحتاج إلى فهم علمي معمق للآليات التي يعمل وفقها الدماغ.

تم نشر المقال في ذا كونفيرسيشن