Reading Time: 4 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


أثارت جائحة فيروس كورونا اهتماماً غير مسبوق بأهمية العديد من الأشياء؛ من غسل اليدين واختبار «بي سي آر»، ومع انتقالنا إلى المرحلة الأخيرة في مواجهة الجائحة، انتقل التركيز حالياً لينصبّ على أهمية اللقاحات ومبدأ عملها. في الواقع، تُعد دراسة جهاز المناعة البشري، وكيفية تأثير اللقاحات عليه، معقدة وجديدةً كلياً على الناس أحياناً، بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام طريقةٍ جديدة للتحصين تقوم على مبدأ «الرنا المرسال» (الحمض النووري الريبوزي المرسال – mRNA) جعل الأمر مربكاً أكثر.

يعتمد اللقاحان؛ اللذان حصلا على موافقة إدارة الغذاء والدواء للاستخدام الطارئ، على الرنا المرسال، وبالنظر إلى أنهما أملنا الوحيد في إنهاء هذه الجائحة، فمن المهم أن نعلم كيفية عملهما، ولماذا يجب علينا أن نأخذ أحدهما.

ما هو لقاح الرنا المرسال؟

للقاحات أشكال عديدة قليلة، لكنها تهدف إلى نفس الغرض؛ أي تزويد أنظمتنا المناعية بالأدوات اللازمة لهزيمة مسببات الأمراض التي قد نواجهها في المستقبل. فكر في الأمر على أنه معركة افتراضية تدريبية قبل حصول المعركة الحقيقية.

تعتمد الآلية الدقيقة التي تطور بها أجسامنا هذه المناعة الوقائية على نوع اللقاح الذي نتلقاه؛ فاللقاحات القائمة على نسخةٍ مضعفة من العامل الممرض تعطي خلايانا فكرة عنه، بينما تقوم اللقاحات الفرعية البروتينية على أحد أجزاء العامل الممرض، لذلك تتعرف خلايانا على هذا الجزء المحدد منه وتتعامل معه. تزود لقاحات الرنا المرسال خلايانا بالتعليمات لصنع بروتين من العامل الممرض؛ أي عملياً تخليق بروتين العامل الممرض والتعرف عليه، وبالمثل، تنتج خلايانا البروتين الفيروسي الخاص، لنقل كفيروس كورونا، ومن ثم يتعلم نظام المناعة لدينا التعرف على البروتينات المحددة له.

بالرغم من أن تاريخ اللقاحات يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، إلا أن التجارب الأولى على لقاحات الرنا المرسال لم تُجرَ حتى التسعينيات من القرن الماضي. كانت لقاحات الرنا المرسال؛ التي تُعطى للبشر قبل جائحة كورونا، تجريبية، ولم يحصل أي منها على ترخيص إدارة الغذاء والدواء (حصل لقاحا مودرنا وفايزر على ترخيص الاستخدام الطارئ؛ والذي يتطلب بياناتٍ عن التجارب السريرية الخاصة بها تثبت سلامتها وفعاليتها، ولكنها لا تتطلب مراجعةً دقيقة للأدلة كما هي العادة عند حصول اللقاح على الموافقة الكاملة في الأحوال العادية)، ولكن إذا كان الهدف النهائي لكل نوع من اللقاحات هو نفسه، فلماذا من المهم استخدام نوعٍ محدد منها؟ في الواقع، يرجع ذلك إلى طبيعة العامل الممرض المستهدف، فضلاً عن الإطار الزمني الذي يجري في إطاره تطوير اللقاح.

تُعد اللقاحات القائمة على العامل الممرض الحي المُضعف أو الميت أكثر فعاليةً من أنواع اللقاحات الأخرى في مواجهة العوامل الممرضة التي تتحور بسرعة؛ مثل الإنفلونزا. وبالرغم من ذلك، فإن إنتاج هذا النوع من اللقاحات لمسببات الأمراض الأكثر تعقيداً؛ مثل البكتيريا والفطريات، ينطوي على العديد من العوائق والصعوبات.

تقول «سوزان كايتش»؛ أستاذة ومديرة مركز نوميس لعلوم المناعة وعلم الأمراض الميكروبية في هذا الصدد: «غالباً ما يكون أحد أنواع اللقاحات أفضل من الأنواع آخر في إنتاج مناعة طويلة الأمد ضد عاملٍ ممرض معين، وليس بوسع العلماء معرفة السبب الكامن وراء ذلك دائماً».

من العوامل الأخرى لتفضيل لقاحٍ على آخر؛ عامل التوقيت. يستغرق تطوير لقاح نموذجي من 5 إلى 10 سنوات، بينما تستغرق أنواع مختلفة من اللقاحات وقتاً أطول من غيرها، وفي هذا السياق، كان العامل المحدد لحصول لقاح الرنا المرسال على الموافقة خلال الجائحة الحالية يتعلّق بسرعة تطويره أكثر من باقي أنواع اللقاحات الأخرى.

ويقول «برنارد فيرييه»؛ مدير مختبر بيولوجيا الأنسجة والهندسة العلاجية في جامعة ليون: «ليس بالضرورة أن تكون ميزة لقاحات الرنا المرسال أنها أفضل في تحفيز المناعة، بل قد تكون سرعة وسهولة إنتاجها، وبالإضافة إلى سرعة وسهولة الإنتاج الأولي للقاحات الرنا المرسال، فإن تصنيعها تفاعلي أيضاً؛ أي سيكون من الممكن استبدال تسلسل الرنا المرسال بسرعة وسهولة إذا حدث أي تحور على العامل الممرض المستهدف (لا يوجد هناك دليل حتى الآن يشير إلى تغير بروتين فيروس كورونا الذي يحفز انتاجه لقاحا فايزر ومودرنا).

كيف يعمل لقاح الرنا المرسال؟

يتكون لقاح الرنا المرسال من مكونين أساسيين؛ تسلسل الرنا المرسال، والجسيمات النانوية الدهنية التي تحملها، وكما يوحي اسمها؛ فإن الجسيمات النانوية الدهنية عبارة عن جزيئاتٍ دهنية متناهية في الصغر، يمكن أن تمتصها الخلايا بسهولة أكبر، وتستمر دون أن تتحلل؛ مُحافظةً على الرنا المرسال لفترةٍ أطول بكثير مما لو كان اللقاح يحتوي على الرنا المرسال لوحده.

بمجرد أن تدخل هذه الجسيمات؛ الحاملة للرنا المرسال، الخلية، تقوم العضيات الريبوسومية بقراءة تسلسل الرنا المرسال وترجمته إلى بروتين، وهكذا تتكرر هذه العملية، وتنتقل بعض البروتينات المُنتجة خارج الخلية، بينما يبقى بعضها الآخر داخلها. تتراكم في النهاية كمية من البروتين خارج الخلايا؛ كافية لإثارة الخلايا المناعية، وتحفيزها على إنتاج الأجسام المضادة؛ التي ترتبط بإحكام بهذه البروتينات الغريبة وتقضي عليها. تعمل هذه الأجسام المضادة ككشّافٍ يرسل الإشارات إلى الخلايا المناعية الأخرى لتأتي وتهاجم العامل الممرض، كما يمكن لها- إذا كانت كافية- القضاء على الخلية المصابة أيضاً دون الحاجة إلى الدعم.

المهم في آلية عمل اللقاح؛ أنه بمجرد أن يتعلم الجهاز المناعي كيفية صنع الأجسام المضادة لبروتين العامل الممرض، فإنه يحتفظ بهذه المعلومات على شكل خلايا ذاكرة، فإذا واجه المريض هذا العامل الممرض الذي يمتلك نفس البروتين، فلن يحتاج الجسم إلى المرور بعملية إنتاج الأجسام المضادة الأولية، وسيقوم بالقضاء عليه مباشرة، ونظراً لأن لقاحات الرنا المرسال تُشفِّر جزءاً صغيراً فقط من العامل الممرض، فإن لقاحات الرنا المرسال لا يمكن أن تسبب لك العدوى.

تُستخدم اللقاحات الأخرى؛ مثل لقاحات البروتين الفرعية، مادة مساعدة تحفز جهاز المناعة، بينما لا تحتاج لقاحات الرنا المرسال إلى مواد مساعدة، لأن تسلسل الرنا المرسال نفسه- إلى جانب الشوائب التي يحتويها اللقاح على شكل رنا مزدوج الشريطة- يحفز الجهاز المناعي.

كان تحلل لقاحات الرنا المرسال أحد المشاكل الرئيسية التي واجهتها في السابق. يقول فيريير: «قد تؤدي أنظمة الدفاع الطبيعية إلى تحلل تسلسل الرنا المرسال تلقائياً قبل أن تعمل على إنتاج بروتينات العامل الممرض، إلا أن الباحثين طوّروا في السنوات الأخيرة آليات تنقية وتثبيت تسلسل الرنا المرسال، بالإضافة إلى تطوير جسيماتٍ نانوية دهنية أصغر وأكثر اتساقاً لهذا الغرض».

مع ذلك، فإن جزيئات الرنا المرسال تتحلل بسرعة مقارنةً بمكونات اللقاح الأخرى، لذلك يجب وضع لقاحات فيروس كورونا في درجة حرارة منخفضة، ويضيف فيرييه: «في الواقع، لقاحات الرنا المرسال هي «تقنية حديثة» نسبياً، وتصنيعها مكلف أكثر مقارنةً مع تصنيع أنواعا للقاح الأخرى، ورغم ذلك، أعتقد أن أسعارها ستنخفض مع توسع استخدامها أكثر».

سيكون من الضروري أيضاً إجراء المزيد من التجارب لتقييم أية آثار جانبية محتملة طويلة المدى على البشر، بالرغم من اعتقاد الباحثين أن مخاطر لقاحات الرنا المرسال أقل من مخاطر اللقاحات الأخرى؛ نظراً لقصر مدة بقاء الرنا المرسال داخل مجرى الدم.

تقول كايتش: «قد يمهد نجاح لقاحَي فايزر وموديرنا الطريق أمام تطوير مزيدٍ من لقاحات الرنا المرسال؛ سواء لمواجهة الأمراض المعدية الناشئة، أو الأمراض غير المعدية؛ مثل السرطان». في الواقع، لن يكون لقاح السرطان مثلاً علاجاً وقائياً، بل من شأنه تحفيز الخلايا المناعية على تشكيل استجابةٍ ضد الورم القائم على بروتيناتٍ سطحية تفتقر إليها الخلايا غير السرطانية.

تضيف كايتش أخيراً: «أعتقد أن الجانب المضيء من لقاحات الرنا المرسال، ورؤية النجاح الذي يمكن أن تحققه هذه اللقاحات (على الأقل بالنسبة لفيروس كورونا)، هو أنها توفر الكثير من الخيارات بالإضافة إلى سهولة تصنيعها نسبياً. من المثير حقاً أن هناك شكلاً جديد كلياً من منتجات التطعيم التي يمكن أن نعمل معها في المستقبل».