Reading Time: 3 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


تحت سطح البحر بآلاف الأمتار، تزدهر أسماك مياه البحار العميقة والقشريات ضمن ظروف الضغط شديدة الانخفاض والبرد الشديد، والظلام التام. الطعام شحيح في هذه البيئات البعيدة، وجثث ومخلفات الأسماك التي تغرق من المياه الأكثر سطحية هي مصدر أساسي للغذاء.

اتضح أن الجثث والمخلفات هي مصدر أساسي للزئبق السام أيضاً. وذلك وفقاً لما أفاده به العلماء في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم». وجد الباحثون الزئبق في الكائنات التي تقطن عميقاً في الخنادق المحيطية «ماريانا» و«كيرماديك» في المحيط الهادئ. وهي منخفضات في قاع المحيط تمثل أعمق المناطق فيه. استنتج الباحثون أن الجثث الغارقة هي الطريقة الأساسية التي يصل فيها التلوث إلى قاع المحيط.

التلوث بالزئبق

في رسالة بريد إلكتروني، يقول جول بلم، وهو عالم كيمياء جيولوجيّة في جامعة ميشيغان في آن أربور، ومؤلف مشارك في اكتشاف النتائج الجديدة: «التلوث بالزئبق هو مشكلة عالمية. والكميات التي نطلقها منه تصل لكل مكان في العالم تقريباً. تبين دراستنا أن هناك نوع من خط النقل يوصل الزئبق السطحي المتراكم في الأسماك بسرعة إلى أعمق النقاط في المحيط».

محيطات, أصوات, تلوث المحيطات, سلحفاة بحرية

كل سنة، تُطلق محطات توليد الطاقة والمصانع والمناجم، والنشاطات البشرية الأخرى أكثر من 2000 طن من الزئبق إلى الغلاف الجوي. هذه الكميات تصل في النهاية إلى البحر عن طريق الأمطار والغبار والسيول السطحية من الأنهار ومصباتها. تحوّل الأحياء الدقيقة هذا الزئبق إلى شكل سام بشكلٍ خاص يدعى «ميثيل الزئبق»، والذي يتراكم في أجسام الأسماك، ويمكن أن يضر بالجهاز العصبي والمناعي والهضمي للبشر وأشكال الحياة البرية التي تتغذى على الكائنات البحرية الملوّثة.

هذه السنة، أفاد فريق بلم ومجموعتين أخريين من الباحثين أن التلوث بالزئبق يصل أيضاً إلى الأحياء التي تعيش في الخنادق المحيطية العميقة. عندما جمّع بلم وزملائه مجموعة من أسماك الحلزون، والقشريات مزدوجة الأرجل الشبيهة بالقريدس من أعماق تصل إلى 6 – 10 كم، وجدوا تركيزات عالية من الزئبق في أنسجة هذه الكائنات.

لفهم الموضوع أكثر، يقول كارل لامبورغ، وهو عالم محيطات في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز (لا علاقة له بالبحث الجديد) : «لا ننصح أي أحد بتناول السمك مثل التونا إذا احتوى على [تركيز من الزئبق] أكثر من نصف جزء من المليون. وهذه الجثث تحتوي على 6 إلى [حوالي] 30 ضعف هذه الكمية كحد أقصى».

قارن بلم وفريقه أيضاً بين نسب نظائر الزئبق المختلفة عند كائنات أعماق البحار السابقة وتلك التي قيست سابقاً في الأسماك التي تعيش في أعماق أكثر سطحية، وعند العوالق الحيوانية والأسماك والمخلفات الأخرى التي تغرق إلى أعماق البحار. وما فاجأهم، وفقاً لبلم، هو أن تركيب نظائر الزئبق في أسماك الأعماق يشبه إلى حدٍ كبير تركيبه في الأسماك التي تعيش على أعماق حوالي 490 متراً من المحيط. ولم يماثل تركيب نظائر الزئبق في المخلفات.

هذه النتائج تبين أن معظم الزئبق الموجود في كائنات أعماق البحار يأتي من النشاطات البشرية، بدلاً من أن يكون قد أُطلق من البراكين تحت سطح الماء والفتحات الحرارية المائية. كما أن هذا الزئبق يُلتهم من قبل الكائنات الباحثة عن الطعام عندما تتناول جثث الأسماك الغارقة.

تعتبر الخنادق المحيطية من الأنظمة البيئية الأبعد والأقل تلوثاً. في السنوات الأخيرة، اكتشف العلماء وجود الرصاص و«كربون القنابل» الناتج عن اختبارات الأسلحة النووية، ومواد كيميائية مُنع استخدامها في سبعينيات القرن الماضي، والبلاستيك قرب قاع المحيط. لذلك فليس من المفاجئ أن يصل الزئبق أيضاً إلى أعمق الخنادق المحيطية. ليس من الواضح تماماً بعد كيف يؤثر تدفق الزئبق على الأحياء التي تعيش في تلك البيئات. لكن حسب بلم؛ «فهذا على الأرجح ليس مصدر قلق كبير بالنسبة للأنظمة البيئية في أعماق المحيطات».

وجد  لامبورغ وزملائه تركيزات عالية من الزئبق في الأحياء التي تعيش قرب الفتحات الحرارية المائية. وهي تشققات في قاع المحيط يتدفق من خلالها الزئبق إلى المياه المجاورة. من المحتمل أن كائنات الأعماق أقل عرضة لخطر الزئبق من الحيوانات التي تعيش في أماكن أخرى. يقول لامبورغ: «إذا تعايشت هذه الكائنات مع الزئبق لملايين السنين، فربما أنها تكيّفت لتزيل السموم من أجسامها بشكل أفضل. أو ربما أنها تستطيع أن تعيش بوجوده بشكل أكثر فعالية».

في حين أن المأكولات البحرية التي نتناولها تأتي من مياه أكثر سطحية بكثير، إلا أن التحقيق في نسب الزئبق في الأعماق يمكن أن يساعدنا في فهم تحركاته، ومدة بقائه عبر المحيط بأكمله، وذلك وفقاً للامبورغ.

هذا قد يساعد العلماء في توقع نسب التلوث الناتج عن الزئبق في المناطق التي نصطاد السمك منها.