Reading Time: 3 minutes

في 7 سبتمبر/ أيلول 2019، أرسلت مركبة «تشاندرايان 2» الهندية مركبة «فيكرام» في محاولة للهبوط على القطب الجنوبي للقمر، لكن الاتصال انقطع مع المركبة قبل دقائق فقط من الوقت المقرر لهبوطها. توضح الصور الملتقطة حديثا أن مركبة «فيكرام» لم تتحطم خلال هبوطها، لكن الاتصال بها غير متاح. بغض النظر عن النتيجة، أثبتت المهمة نجاحها بالفعل حيث تواصل مركبة «تشاندرايان 2» الدوران حول القمر.

تضاف هذه المهمة إلى قائمة إنجازات الهند الأخيرة في السباق نحو الفضاء. أرسل المسبار الأخير في مهمة علمية، لكن إنجازات الهند في مجال الفضاء لا تقتصر على هذا الجانب فقط، بل تتضمن إنجازات عسكرية أخرى؛ الأمر الذي يشكّل تحدياً للصين. على الرغم من أن بعض المتتبعين يرون أن السباق القادم نحو الفضاء منحصر بين الولايات المتحدة والصين، فأنا أطرح سيناريو مختلفاً، مفاده أن سباق الفضاء مكانه آسيا.

خلال عام 2019، أنزلت كل من الصين والهند -أو حاولت إنزال- مسابر فضائية على سطح القمر. هذه البعثات وسيلة لتعزيز مكانتها داخل الساحة الدولية، لكنها قد تستخدم أيضاً في حالة نشوب صراعات بينها. بصفتي محللاً لسياسات الفضاء، أرى أن أنشطة الهند تسهم في احتدام التوتر في المنطقة، خاصة أن فتيل التوتر بينها وبين باكستان ما زال مشتعلاً.

مقدرات وإنجازات الهند في السباق نحو الفضاء

لأسباب وجيهة، ركز معظم المراقبين الدوليين على طموحات الهند النووية. يعود تاريخ إطلاق برنامج الفضاء الهندي إلى الخمسينيات، مثله مثل برنامجها النووي، على الرغم من أن منظمة أبحاث الفضاء الهندية لم تؤسس إلا في عام 1969. في بداياتها، ركزت منظمة أبحاث الفضاء الهندية على تصميم وتصنيع الأقمار الصناعية، لكن لاحقاً، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حولت المنظمة تركيزها نحو تطوير الصواريخ. منذ ذلك التاريخ، طورت الهند العديد من الصواريخ ومحطات الإطلاق، بما فيها مركبة إطلاق الأقمار الصناعية القطبية ومركبة إطلاق الأقمار الصناعية التزامنية.

استخدمت الهند خبرتها المتراكمة لجني الأموال من قطاع أبحاث الفضاء، فهي تبيع المساحات الخالية على مركبة إطلاق الأقمار الصناعية القطبية لشركات الإشهار، مما حقق إيرادات كبيرة لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية. وقد وافقت مؤخراً على إنشاء مؤسسة خاصة، تحمل اسم «NewSpace India Limited»، لتسهيل التبادل التكنولوجي وتعزيز الصناعات المتمحورة حول قطاع الفضاء.

أسهمت بعثة الهند الأولى إلى القمر، ممثلة في المركبة الفضائية «تشاندرايان 1» التي تم إطلاقها عام 2008، في اكتشاف المياه على سطح القمر. في عام 2014، أصبحت الهند رابع كيان دولي يرسل بعثة إلى المريخ بعد الولايات المتحدة وروسيا ووكالة الفضاء الأوروبية. كان هدف بعثة تشاندرايان 2 إنزال مركبة الهبوط فيكرام على القطب الجنوبي للقمر ومحاولة اكتشاف مواقع إضافية يوجد فيها الماء. تسعى الهند أيضاً إلى إرسال رواد فضاء هنديين إلى الفضاء بحلول عام 2022.

جهود الهند في قطاع الفضاء كانت سلمية في البداية، لكنها تحولت نحو استخدام القطاع لأغراض عسكرية في التسعينيات، إذ شرعت في تطوير أقمار عسكرية توفر خدمات متنوعة، من بينها الاستشعار عن بعد والتتبع والاتصالات. استفادت الصواريخ الهندية من التكنولوجيا التي طورتها وكالة البحوث الفضائية الهندية، وتعكس القدرات المتزايدة لهذه الصواريخ مخاوف الهند من باكستان والصين. منذ قيام الصين، كان الصراع محتدما بين الدولتين، حيث كانت هناك اشتباكات عدة حول الحدود الإقليمية المتنازع عليها. نظراً للاختلاف الكبير بين الصين والهند، يواصل البلدين الصراع لتحقيق التفوق الإقليمي والدولي.

حفزت الإنجازات التي حققتها الصين الهند على مقارعة نظيرتها، فعلى سبيل المثال، شجعت التجارب النووية التي أجرتها الصين في عام 1964 الهند على إطلاق برنامجها النووي وإجراء تجارب نووية في عام 1974. في قطاع الفضاء، وسعت الصين أنشطتها العلمية والمدنية والعسكرية عبر إطلاق برنامج رحلات الفضاء وبرنامج خاص بالبعثات إلى القمر. في يناير من عام 2019، هبطت مركبة تشانغ آه 4 بنجاح على الجانب البعيد من القمر واكتشفت مؤخراً مادة غير معروفة تشبه الهلام.

توازن القوى الآسيوية

لا تزال الهند متوجسة من جارتها الصينية، فبعد اختبار الصين الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية في عام 2008، بدأت الهند تطوير أسلحة الفضاء الخاصة بها. في مارس/ آذار 2019. نجحت الهند في اختبار سلاح مضاد للأقمار الصناعية، إذ أطلقت صاروخاً من الأرض تمكن من تدمير أحد أقمارها الصناعية، والذي يدور في مدار أرضي منخفض. في سيناريو مشابه للاختبارات السابقة للصواريخ المضادة للأقمار الصناعية التي أجرتها الولايات المتحدة وروسيا والصين، كانت هناك مخاوف بشأن حطام هذه الأقمار. بعملها هذا، أرسلت الهند رسالة واضحة إلى الصين وباقي الدول، إذ أبانت عن قدرتها على حماية أقمارها الصناعية وتدمير الأقمار الصناعية التي تهددها.

هذه التحركات العدوانية تتماشى مع الإجراءات الأخرى التي اتخذتها الهند، إذ ألغت في أغسطس 2019 الوضع الخاص لكشمير الذي سمح للمنطقة بوضع قوانينها الخاصة. بعدها أرسلت الهند قوات عسكرية إلى المنطقة واعتقلت مئات من السياسيين الكشميريين وقطعت الاتصالات بين كشمير والمناطق المجاورة.

هذه الإجراءات، إلى جانب أنشطة الفضاء الهندية، لا تمر مرور الكرام على باكستان، ويرى المحللان «ميان زاهد حسين» و«رجا قيصر أحمد» أن باكستان لا تشعر بالأمان في ظل وجود الأقمار الصناعية الهندية التي تدور حول مدار الأرض، وقدرتها على المراقبة والتجسس. علاوة على تدخل الهند في إقليم كشمير، فقد يدفع انعدام الأمان باكستان إلى تطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية وغيرها من تقنيات الفضاء. إذا انطلق سباق التسلح هذا، فسيؤدي ذلك إلى غياب الاستقرار في المنطقة أكثر مما هو عليه الحال الآن.

عقب فقدان الاتصال مع مركبة «فيكرام»، خطب رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» قائلا: «نحن فخورون ببرنامج الفضاء الهندي والعلماء المشرفين عليه وعملهم الشاق وتصميمهم. إنهم يضمنون حياة أفضل لنا ويضمنونها للدول الأخرى أيضاً». مثل باقي الدول التي تمتلك برامج فضاء قوية، تسعى الهند إلى تحسين تقنياتها، إلى جانب أسلوب حياتها، لكن هذا التقدم قد يؤدي إلى احتدام التوتر بينها وبين الدول المجاورة.

تم نشر المقال بواسطة «ويندي ويتمان كوب» في موقع ذا كونفيرسيشن