Image

السجائر الإلكترونية سلاح ذو حدين

Bread assortment للسيجارة الإلكترونية فوائد على الصحة العامة، حتى الآن. حقوق الصورة: أنسبلاش

منذ ظهرت على الساحة عام 2006، كانت السجائر الإلكترونية موضوع نقاش حاد. هل توفر هذه المنتجات، التي تبخر النيكوتين السائل بدلاً من حرق التبغ، بديلاً أكثر صحيةً للمدخنين الراغبين في الإقلاع عن التدخين؟ أم أنها لا تؤدي إلا إلى إغراء أولئك الذين لم يدمنوا على النيكوتين؟

ووفقاً للتقرير العلمي الأكثر شمولاً حول هذا الموضوع حتى الآن، والذي قامت بإعداده الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب بناء على طلب من إدارة الغذاء والدواء، فإن الإجابة على السؤالين هي نعم. فمن الواضح، من ناحية، أنه وعلى عدة مقاييس، فإن المنتجات الإلكترونية أفضل لصحة الفرد من السجائر القابلة للاحتراق، وهناك أدلة على أنها يمكن أن تساعد بعض المدخنين البالغين على الإقلاع عن التدخين. ومن ناحية أخرى، فإن هناك أدلة قوية على أن السجائر الإلكترونية تجتذب الأطفال والمراهقين، ويجد التقرير الجديد أن هؤلاء المستخدمين غالباً ما يتطور الأمر لديهم من السجائر الإلكترونية إلى السجائر القابلة للاحتراق. ومع بيانات تعود لعقد واحد من الزمن عن استخدام السجائر الإلكترونية، ليس لدينا أي وسيلة لمعرفة المدى الزمني لتأثير عادات تدخين السجائر الإلكترونية على صحة هؤلاء الصغار، وهذا يعني أنهم سوف يعانون من بعض الآثار الصحية الواضحة إذا تحولوا إلى تدخين السجائر التقليدية.

ويجد خبراء الصحة العامة أنفسهم في وضع صعب، فوفقاً للنماذج السكانية المصممة للتقرير، فقد تقلل السجائر الإلكترونية من عدد المدخنين البالغين، على الأقل في بعض الظروف، ولكن على المدى القريب. أما على المدى البعيد، فإن المستخدمين الصغار الذين اجتذبتهم هذه المنتجات سوف يعانون من عواقب صحية.

يبدو الأمر وكأننا نرهن مستقبلنا.

تقول شانون ليا واتكينز، الباحثة في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو، والتي استخدمت دراستها في التقرير الأوسع: “يصبح الأمر مقايضة بين الضرر الأكيد على الأطفال وبين المساعدة المحتملة لبعض البالغين. وبالنسبة لي، فإن هذه المقايضة تبدو واضحة تماماً”.

هل السجائر الإلكترونية آمنة؟

يقول ديفيد إيتون عميد ونائب مدير مدرسة الدراسات العليا بجامعة واشنطن في سياتل، ورئيس اللجنة المسؤولة عن التقرير: “إن السجائر الإلكترونية نفسها ومكوناتها أقل سمية بكثير من السجائر القابلة للاحتراق”.

ضع في اعتبارك أننا نقارن السجائر الإلكترونية بالسجائر الحقيقية. إن القفز فوق جرف عرضه ثلاثة أمتار قد يكون أكثر أماناً بكثير من القفز فوق جرف عرضه 15 متراَ، ولكن، لماذا أنت مهتم جداً في العثور على هاوية أكثر أماناً لتقفز فوقها؟

بالنسبة لأولئك الذين يحاولون كسر عادات التدخين، بالطبع فإن الجواب على هذا السؤال واضح. إذا كانت الحياة دون القفز فوق الهاوية تبدو وكأنها هدف لا يمكن تحقيقه، فإن القفز فوق هاوية عرضها خُمس عرض غيرها سيكون مفيداً بالتأكيد. ووفقاً للتقرير الجديد، فمن المرجح أن تعرض المنتجات حداً أدنى نسبياً من خطر الإصابة بالسرطان (على الرغم من ذلك، فإن هذا يقارن فقط بالسجائر الحقيقية شديدة السرطنة، ولا تزال السلامة المطلقة للسجائر الإلكترونية غير مؤكدة) وربما تمثل خطورة أقل على الأشخاص الذين يتقاسمون الهواء معك أثناء تدخينك.

ومع ذلك، لا توجد أدلة متاحة عمّا إذا كان استخدام السجائر الإلكترونية قد يسبب مشاكل في القلب، أما مدى كونها مسرطنة أو غير مسرطنة فهو مطروح للنقاش. وهي عموماً أقل سمية من السجائر القابلة للاحتراق، ولكن ما تستنشقه (وكميته) يختلف كثيراً بحسب العلامة التجارية للنيكوتين السائل والسيجارة الإلكترونية التي تشتريها. فقد تتعرض أحياناً لمعادن ثقيلة بشكل أكبر مع السيجارة الإلكترونية، مع بقاء خصائصها الإدمانية. كما يتم تعيين المنكهات في السوائل الإلكترونية على النحو المعترف بها عموماً كسوائل آمنة من قبل إدارة الغذاء والدواء، ولكن هذه التعيينات هي في الواقع للاستهلاك عن طريق الفم فقط. ومعظم هذه النكهات لم تدرس كمستنشَقات، لذلك فمن الممكن جداً أن تسبب سحبة صغيرة من نكهة التوت مع النيكوتين أذى لرئتيك.

يقول إيتون: “لدينا بعض البيانات على المدى القريب، ولكن بالطبع لا توجد بيانات على المدى البعيد عن تلك الآثار الصحية المحتملة”.

ويمكن القول بأن السجائر الإلكترونية أكثر أمناً من السجائر القابلة للاحتراق. ولكن يمكن القول أيضاً بأنها ليست آمنة تماماً.

هل ينبغي أن نساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين، أو نمنع المراهقين من التحول إلى مدخنين؟

وفقاً لقانون الأسرة الخاص بمنع التدخين ومكافحة التبغ لعام 2009، فإن أي منتج من منتجات التبغ تم إدخاله إلى السوق بعد 15 فبراير 2007 يجب أن يظهر فوائد صافية على الصحة العامة لدى المستخدمين وغير المستخدمين. لذلك فإن السؤال عما إذا كان ضرر السجائر الإلكترونية أكبر من نفعها هو أكثر من مجرد افتراض؛ فقد يؤدي إلى كساد المنتجات الجديدة.

ويخلص التقرير الجديد إلى أن هناك بعض الأدلة، وإن كانت محدودة، على أن السجائر الإلكترونية قد تساعد الأشخاص على الإقلاع عن التدخين، خاصة إذا كانت تحتوي على النيكوتين. ولكن لا يمكننا القول حقاً إنها أفضل من الخيارات الأخرى القائمة، أو أفضل من الإقلاع عن التدخين. ووفقاً لواتكينز، تظهر بعض الدراسات أن السجائر الإلكترونية عند معظم السكان تقمع فعلياً جهود الإقلاع عن التدخين. يقول إيتون إن التقرير لم يخض في هذا السؤال بالتفصيل، ولكنه يوافق على أنه مجال مهم للبحوث المستقبلية.

وفي الوقت نفسه، هناك أدلة قوية على أن استخدام السجائر الإلكترونية يزيد من خطر استخدام سجائر التبغ القابلة للاحتراق بين الشباب والفتيان.

ولا يزال هناك المزيد من البحوث التي يتعين القيام بها عن سبب كون الأشكال الأقل ضرراً تجعل الأطفال يدخنون، ولكن واتكينز تقول إن هناك العديد من العوامل المحتملة التي تلعب دوراً في ذلك. والإدمان على النيكوتين هو أحد هذه العوامل الواضحة، فبمجرد إدمان الأطفال، قد يقل اهتمامهم بالمخاطر الصحية المرتبطة بالتدخين، وهذا أمر مثير للقلق جداً، نظراً لأن بعض السوائل الإلكترونية المعلن عنها بأنها خالية من النيكوتين تبين احتواؤها على المادة المسببة للإدمان. وتشير دراسات أخرى إلى أن ذلك يمكن أن يغير مفهوم المخاطر. فعندما يبدأ المراهق باستخدام أحد أنواع النيكوتين أو التبغ، فإن ذلك يجعل السجائر تبدو أقل من شيء مخيف ومجهول. ولكن أياً كان السبب، فإن العلاقة بين استخدام السجائر الإلكترونية (أو غيرها من المنتجات مثل الشيشة والتبغ القابل للمضغ) والتدخين هي في النهاية علاقة قوية.

تقول واتكينز: “لكي تتمكن لجنة كبيرة كهذه من القول إنها أدلة جوهرية، فإنك تعلم أن هناك شيئاً ما”.

وقال إيتون: “لقد تم النظر في مسألة ما إذا كانت السجائر الإلكترونية تعرّف الشباب إلى منتجات التبغ في حوالي 10 دراسات حتى الآن. وهذه الدراسات ليست كبيرة ولا عظيمة، كما أنها ليست سيئة. وبشكل عام، فقد وُجدت علاقة بين السجائر الإلكترونية واحتمال تعاطي ولو سيجارة واحدة”.

ويضيف: “ما لا نعلمه هو ما إذا كان هؤلاء المراهقون الآن مدمنين، أو إذا كانوا متجهين نحو مواصلة التدخين. كما لا نعلم الاحتمال الفعلي لحدوث ذلك. العلاقة واضحة جداً، ولكن حجم هذا التأثير غير واضح، وهو ما يمثل فجوة كبيرة في البيانات”.

وهناك أيضاً بعض البيانات التي تشير إلى أن أولئك الذين يبدؤون التدخين بعد استخدام السجائر الإلكترونية سوف يدخنون بكثافة أكبر، ولفترات أطول، ولكن حجم هذه المشكلة ليس واضحاً بعد.

هذا يقودنا إلى ورطة مربكة تتعلق بالصحة العامة. هل الأطفال الذين يتعلقون بالتدخين بسبب السجائر الإلكترونية يفوقون المقلعين عن التدخين الذين يمكن أن يقلعوا فقط عن السجائر القابلة للاحتراق بفضل السجائر الإلكترونية؟

وأنشأت اللجنة نماذج سكانية لمحاولة معرفة ذلك، وكانت النتائج متباينة.

“على افتراض أن استخدام السجائر الإلكترونية يزيد من معدل الإقلاع الصافي لسجائر التبغ القابلة للاحتراق بين البالغين (أي أن الزيادة في الإقلاع الدائم تعادل الانتكاس المحتمل للمدخنين السابقين بسبب السجائر الإلكترونية)، فإن مشاريع النمذجة التي تستخدم هذه المنتجات ستولد منافع صافية على الصحة العامة، على الأقل في المدى القريب. وستستغرق الأضرار الناجمة عن زيادة شروع الصغار في التدخين وقتاً طويلاً للظهور، بعد عقود من ظهور فوائد زيادة الإقلاع عن التدخين. لكن بالنسبة للتوقعات بعيدة المدى (مثلاً 50 سنة)، فإن صافي الفوائد على الصحة العامة أقل بكثير، وهو سالب في بعض الحالات”.

وقد أظهرت النماذج الأكثر تطرفاً فقط (حيث افترض الباحثون أن سمّية السجائر الإلكترونية تعادل نصف سمية سجار التبغ، أو أن الأطفال كانوا أكثر عرضة مرتين لتدخين التبغ من تدخين السجائر الإلكترونية) آثاراً مأساوية على الصحة العامة. ولكن التوقعات بعيدة الأجل لا تزال تظهر أن الشباب يتحملون تكاليف منافعنا العاجلة.

ويقول إيتون: “إن أكبر فائدة للصحة العامة سنشهدها خلال العشرين أو الثلاثين عاماً القادمة. فكلما تقدم الزمن، فإن من يستخدم السجائر الإلكترونية، لا تبرز الآثار الصحية عندهم حتى يبلغوا سن 50، 60، 70 سنة. ولذلك سترى الفوائد الكلية بدأت تقل. حتى في نماذجنا التي لا تنخفض الفوائد فيها بالضرورة إلى الصفر أو تصبح فيها الفوائد الصحية سلبية، فإنها بالتأكيد تقل مع مرور الزمن”.

وتذكّر أن السجائر الإلكترونية يفترض أنها تجتذب على المزيد من الناس للإقلاع عن التدخين، الأمر الذي يقول الباحثون بأنه لم تتم دراسته بشكل وثيق بما فيه الكفاية.

تقول واتكينز: «إذا اعتقدنا أن السجائر الإلكترونية تساعد في بعض الحالات على الإقلاع عن التدخين، ولكنها  في ظروف أخرى تزيد الأمر سوءاً، فإن التمييز بين الأمرين يبدو مهماً. ولا تشكل اللصاقات والصمغ ذلك الخطر للأطفال، لذا ربما يجب أن نركز على تحسين تلك الوسائل المساعدة للإقلاع عن التدخين”.

من الممكن أن يترك عدد أكبر من البالغين التدخين بسبب السجائر الإلكترونية، ولكن هناك المزيد من الأدلة التي تبين أنها سوف تجعل المزيد من صغار السن يدخنون. وتشير النماذج إلى أن هذا يمكن أن يسبب مشاكل للصحة العامة على المدى البعيد، وليس لدينا أي وسيلة لنعرف إلى أي مدى سيكون ذلك التأثير سيئاً.

ما هي الخلاصة من كل ذلك؟

إذا كنت ترغب في الاعتماد على السجائر الإلكترونية لمساعدتك في الإقلاع عن التدخين وفشلت باستخدام الوسائل الأخرى المتاحة، فتوجه إليها واستخدمها كوسيلة للإقلاع عن التدخين. وتشير الأدلة إلى أن صحتك وصحة المحيطين بك ستتحسن (على الرغم من أنه من المهم أن نلاحظ أن السجائر الإلكترونية يمكن أن تنفجر في بعض الأحيان، وأن النيكوتين السائل يمكن أن يكون قاتلاً إذا ابتلع، وهو ما يشكل خطراً إذا كان لديك أطفال صغار).

ولكن إذا كان الاختيار بين تدخين السيجارة الإليكترونية وعدم استخدام النيكوتين على الإطلاق (حيث ربما تكون أقلعت عن التدخين وتحولت إلى تدخين السجائر الإليكترونية قبل مدة وليس لديك أي خطة للإقلاع التام عن التدخين، أو ربما تكون قد اخترت السجائر الإليكترونية بإرادتك) فيجب عليك حتماً محاولة الإقلاع عن التدخين. فالسجائر الإلكترونية ليست جيدة لك، وتبقى مسببة للإدمان بصورة كبيرة. لقد قمت بعمل عظيم عندما توقفت عن التدخين وبدأت بتدخين السجائر الإليكترونية. والآن حان الوقت لتكمل ما بدأته بالخطوة الثانية لهذه العملية والتخلي التام عن النيكوتين.

ومن وجهة نظر الصحة العامة، فإن المسألة أكثر تعقيداً بكثير. فهل يجب أن تكون السجائر الإلكترونية موجودة، أم أن كونها تحتوي على ضرر أقل سيؤدي إلى إغراء المزيد من الناس بهذه العادة الخطيرة؟

وترى واتكينز أنه حتى لو كان بإمكان السجائر الإلكترونية أن تساعد بعض المدخنين، فينبغي أن تكون أقل جاذبية للمراهقين. وتشير الأبحاث إلى أن نكهات العديد من السوائل الإلكترونية يتم الاستشهاد بها كأسباب للتدخين من قبل المدخنين الصغار، وهي تشير إلى أن حظر الخيارات ذات النكهة يمكن أن تحل ببساطة الكثير من المشاكل. كما يمكن للسياسات أن تقلل كثيراً من الإعلان عن السجائر الإلكترونية، مما يجعل من الصعب على المنتجات استهداف جمهور الصغار.

هناك شيء واحد مؤكد: وهو الحاجة الماسة لمزيد من البحوث. في الوقت الراهن، يتم ترك الخبراء ليقوموا بتحقيق التوازن بين الفوائد الصحية المحتملة والجوانب السلبية الخطيرة. وإلا، فإن تقاريرنا عن السجائر الإلكترونية لعام 2050 قد تكون مليئة بالأدلة التي تثبت أننا عانينا من جيل جديد من المدخنين بينما كنا نسهل الإقلاع عن التدخين على ذويهم الأكبر سناً.

يقول إيتون: “إذا كان الأمر يتعلق بطفلي، فأنا أفضل ألا يدخّن على الإطلاق، وآمل أن نرى رسائل تعليمية تدعم ذلك. وبالمثل، آمل أن تحصل السجائر الإليكترونية على فرصة عادلة من حيث كونها متاحة للمدخنين الذين يمكن أن يستفيدوا من استخدامها. إنها تشبه سيفاً ذا حدين من حيث معرفة أي نوع من الفوائد الصحية العامة التي يمكننا الحصول عليها”.

error: Content is protected !!