Reading Time: 4 minutes

يعاني نحو 70% من البالغين الأميركيين من زيادة الوزن أو السمنة؛ استناداً إلى معايير مؤشر كتلة الجسم، ومع ذلك، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب» عام 2016 أن 37% فقط منهم يدركون هذا. ألهمت مثل هذه الإحصائيات العديد من الخبراء والأطباء للقول بضرورة توعية كل من يعاني من السمنة؛ وجعله أكثر وعياً بزيادة وزنه. تكمن المشكلة حسب هؤلاء الخبراء في أن المجتمع الأميركي، يدفع الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن إلى تجاهل خطر واضح على صحتهم. لذلك، إذا أدركوا خطر السمنة عليهم وأرغموا على فعل شيء حيال ذلك؛ ستحل مشكلة السمنة. لكن الواقع يقول عكس هذا تماماً.

أولاً، لنضع جانباً الافتراض الذي مفاده أن فقدان الوزن هو المفتاح للحصول على صحة جيدة –ليس الأمر كذلك-، ولنضع جانباً أيضاً مؤشر كتلة الجسم الذي يستخدم لتحديد ما إذا كان الشخص «طبيعياً»، أو «زائد الوزن»، أو مصاباً بالسمنة، إذ يعد هذا المؤشر قديماً ومعيباً. لنفترض أن بمقدورنا التعرف على الأشخاص الذين ستتحسن صحتهم إذا فقدوا بعض الوزن، وأنه صار من المقبول أخلاقياً سن سياسة للصحة العامة تفرض عليهم تغيير سلوكياتهم. لكن المشكلة تظل قائمة، إذ أن مهاجمة الأشخاص الذين يعانون من السمنة هي طريقة فاشلة. مع أن معظمنا لا علم له بهذا، لكن على مدار العقود الخمسة الماضية؛ سعى الأطباء وعلماء النفس لدراسة ما يسمى «وصمة العار» المرتبطة بالوزن وتأثيراتها، ونتائجهم لم تدعم ما صرح به الخبراء.

وزن زائد, الصحة النفسية, زيادة الوزن, السمنة, مقالات علمية

من خلال تحليل تجميعي أجري عام 2017 شمل 33 دراسة، توصل الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون للسخرية بسبب وزنهم؛ يكونون أكثر عرضة للإصابة بالعديد من الأمراض النفسية مثل؛ الاكتئاب، القلق، إضافة إلى اضطرابات الأكل، واضطراب مستويات الكورتيزول (هرمون الإجهاد) وغيرها من المؤشرات الحيوية للإجهاد. عانى هؤلاء الأشخاص من تدني احترام الذات، وكانوا أكثر عرضة للإفراط في الأكل، وساءت حالتهم الصحية كلما زادت وصمة العار التي يشعرون بها. يعني هذا أنه حتى بعد أخذ في الاعتبار مؤشر كتلة الجسم؛ فإن الأشخاص الذين عانوا من وصمة عار أكبر بسبب زيادة وزنهم؛ كانوا أقل صحة وأكثر عرضة للإصابة بالسمنة بعد متابعة استمرت 4 سنوات.

تشير دراسة نشرت عام 2010 إلى أن الشعور بالعار المرتبط بالوزن بين الأطفال، مرتبط بقلة النشاط البدني والابتعاد عن ممارسة الرياضة. بالمثل، يتفادى البالغون الذين يعانون من نفس الحالة ممارسة التمارين الرياضية، وتكون مستويات الطاقة لديهم منخفضة، ويفقدون الوزن بصعوبة، ويستهلكون سعرات حرارية أكثر. توصل الباحثون لهذه النتائج بعد أن أخذوا مؤشر كتلة الجسم بالاعتبار، مما يعني أنه ليس شرطاً أن يكره الأشخاص الذين يعانون من زيادة ممارسة الرياضة. إذا أخذنا شخصين مؤشر كتلة الجسم لديهم هو نفسه، وسخرنا من أحدهم بسبب وزنه، بينما أشعرنا الآخر بأن لا مشكلة في وزنه؛ فمن المرجح أن يستمتع هذا الأخير بتناول الطعام وزيارة صالة الرياضة. ولخصت إحدى الدراسات الأمر بشكل أفضل إذ تبين أن «الأبحاث تقول أن التعرض للسخرية والهجوم بسبب الوزن الزائد يضر بكافة الجوانب الصحية».

يرجع الضرر الناجم عن التعرض للسخرية بسبب الوزن الزائد إلى كون المصابين يسقطون هذه الأقوال على أنفسهم، ويجترّونها داخلهم. وجدت دراسة أجريت عام 2015 على أكثر من 1100 طالب طب؛ أن 70% منهم يربطون زيادة الوزن بالكلمات السلبية، وأن النفور من الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن يزيد من قلقهم، ويعرضهم للإصابة بالاكتئاب. بمعنى آخر، ليست وصمة العار المرتبطة بالوزن الزائد دوماً نتيجة سماع كلمات تصف الشخص بأنه سمين، وينبغي أن ينقص وزنه؛ بل الأمر أكثر من ذلك. إذ أن النكات والتعليقات المهينة حول السمنة، تجعلك غير راغب في النظر إلى جسدك.

يولّد كل ذلك العار الداخلي حلقة مفرغة يؤدي فيها الإجهاد الناجم عن كره الجسد إلى زيادة احتمال البقاء سميناً، أو حتى زيادة الوزن أكثر. وجدت دراسة نشرت عام 2017 أن «مضايقة الآخرين والسخرية منهم بسبب وزنهم، لا يحفزهم على فقدان الوزن، بل على العكس من ذلك، إذ يؤدي التأثير الناتج عن هذه الأفعال إلى الإضرار بالصحة، بما في ذلك زيادة الوزن في المستقبل».

على الرغم من كل هذه الأدلة، يتمسك بعض الناس بالفكرة التي ترى أن أنجع حل لوباء السمنة هو توعية المصابين بمدى سمنتهم، إلى درجة أن أحد المتخصصين في أخلاقيات الطب الحيوي تصدر الأخبار عام 2012، عندما نشر مقالة في دورية «ذا هاستنجز سنتر ريبورت»؛ عدّد فيها مميزات السخرية من الوزن الزائد. لكن رد علماء النفس على المقال بالقول: «يريد الناس تفادي الإصابة بالسمنة أكثر مما يريدون أي شيء آخر». وأشاروا أيضاً إلى أن الدراسات الاستقصائية توضح أن أغلب المرضى الذين يعانون من أمراض الجهاز الهضمي؛ يقولون إنهم يفضلون الصمم والعمى، أو حتى فقدان ساق، على استعادة الوزن الذي فقدوه، وصرح بعضهم أنهم يفضلون التخلي عن أموالهم الطائلة مقابل حصولهم على «وزن طبيعي».

لكن لماذا لا يدرك الناس أنهم يعانون من زيادة في الوزن؟ إلى جانب الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة جالوب، تشير كثير من الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة يقللون من شأن أوزانهم. لكن ما لا يدركه الكثيرون -كما يشير بحث نشر عام 2017- هو أن «الوصمة المرتبطة بزيادة الوزن؛ تجعل تحديد معنى «زائد الوزن» أو «سمين» بدقة أمراً صعباً، وله في الواقع أضرار على الصحة النفسية للفرد». بسبب كل الضغوط التي يفرضها المجتمع لكي يبقى الأفراد في حدود الوزن الطبيعي، قد يسهم الإحساس المغلوط بالوزن في تحسين الصحة بالتخفيف من بعض تلك الضغوط. يشير البحث نفسه إلى أن البالغين الذين يرون أنفسهم زائدي الوزن يكسبون وزناً أكثر، على عكس الذين يفشلون في تحديد وضعهم على مقياس الأوزان، وينطبق الأمر نفسه على المراهقين والشباب.

مؤشر كتلة الجسم ليس مؤشراً سحرياً يدل على الصحة أو اللياقة البدنية، وفي حين أن الوزن الزائد يمكن أن يؤدي إلى العديد من المشكلات الصحية، لكن يمكن لمن يعاني من زيادة في الوزن أن يحافظ على نمط حياة صحي. أما لمن يرغب في فقدان الوزن، فأفضل طريقة لفعل ذلك هي بإجراء تغييرات صغيرة يمكن مواكبتها. يعني هذا أن إحداث تغييرات طفيفة على النظام الغذائي المتبع من المرجح أن يؤدي إلى فقدان الوزن، على عكس الحميات الغذائية التي تنصح بالتخلي عن مجموعات غذائية بأكملها. أما في ما يتعلق بالنشاط البدني فهو في العموم مفيد للصحة. لكن لا تجعل هدفك الأساسي خسارة الوزن، إذ يمكن للأشخاص من جميع الأحجام الاستفادة من ممارسة الرياضة، وتناول الطعام الصحي.