Reading Time: 4 minutes

تُعد قدرتنا على السفر إلى الفضاء إنجازاً بشرياً مثيراً، لا سيما حين تتأمل أن أجسامنا لم تتطور للعيش في الفضاء. فهي تعاني بسبب الجاذبية الصغرى والعيش في مساحات مغلقة على بعد مئات الكيلومترات فوق سطح الكوكب، حتى أن جهازنا المناعي يضعف عند السفر إلى الفضاء، ما يجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالعدوى والأمراض عندما نقضي وقتاً أطول في الفضاء.

وفي دراسة جديدة نشرت الشهر الماضي في دورية “فرونتيرز إن ميكروبيولوجي”، أفاد الباحثون أن فيروسات الهيربس الكامنة داخل الجسم تنشط مجدداً عند أكثر من نصف عدد رواد الفضاء، وهو ما قد يشكل خطراً في بيئة عالية الخطورة بطبيعتها. ورغم أن هذه الظاهرة قد لا تدعو للقلق في الوقت الحالي، إلا أنها ستثير مخاوف أكبر مع طموحنا في إرسال بعثات تقضي وقتاً أطول في الفضاء، وإرسال رواد الفضاء إلى القمر ومنه إلى المريخ.

وقد قال ساتيش ميهتا، أحد العلماء بمركز جونسون للفضاء التابع للوكالة الأمريكية للفضاء “ناسا” والمؤلف الرئيس للدراسة الجديدة: “إن العلماء في ناسا يدرسون الآثار التي يتركها السفر إلى الفضاء على الجهاز المناعي منذ أكثر من 20 عاماً. ويُعتقد أن المواقف الحياتية المليئة بالتوتر تسبب ضعف المناعة، وهو ما يتسبب في إعادة تنشيط الفيروسات”. وما لا يحتاج إلى توضيح هو أن العيش والعمل في الفضاء أمر يثير الكثير من التوتر.

إن الفيروسات الكامنة ليست ظاهرة جديدة. وفي العادة، لا يتم القضاء على فيروسات الهيربس داخل الجسم بشكل كامل أبداً، وإنما تظل فقط تحت سيطرة الجهاز المناعي. فعلى سبيل المثال، يظل فيروس الهيربس المسبب لجدري الماء والقوباء موجوداً في خلايا الحبل الشوكي مدى الحياة. أما فيروسات الهيربس التي تسبب داء كثرة الوحيدات، فيمكنها أن تظل موجودة داخل خلايا الجهاز المناعي طوال فترة الطفولة.

لكن التوتر من شأنه أن يضعف الجهاز المناعي. ويعتقد ميهتا وفريقه أن الجاذبية الصغرى والإشعاع الكوني وقوى التسارع الشديدة المتولدة أثناء الانطلاق (إضافة إلى عوامل أخرى مثل العيش في بيئة مغلقة داخل سفينة الفضاء واضطرابات الساعة البيولوجية) تعمل على زيادة هرمونات الكورتيزول والأدرينالين، وهي هرمونات تثبط الجهاز المناعي، ومن ثم تضعف العوامل التي تُبقي الفيروسات الكامنة في حالة خمول، وقد يمتد ذلك الضعف في بعض الأحيان إلى 60 يوماً بعد انتهاء الرحلة.

في الوضع الطبيعي، تفرز أجسامنا باستمرار خلايا فيروسية في سوائل مثل البول واللعاب، وحين يزيد معدل تلك الخلايا في سوائل الجسم، يشير ذلك إلى نشاط أحد الفيروسات. وفي هذه الدراسة، درس ميهتا وفريقه عينات دم وبول ولعاب من رواد الفضاء الذين سافروا في بعثات عبر مكوك فضائي (استغرقت ما بين 10 إلى 16 يوماً في الفضاء) ويقيمون في محطة الفضاء الدولية (عادة لما يزيد عن 180 يوماً).

وجد فريق الدراسة أن أربعة من ثمانية أنواع من فيروسات الهيربس التي تصيب الإنسان نشطت مجدداً وظهرت مرة أخرى نتيجة للسفر عبر الفضاء. وبصورة أدق، كان معدل إفراز فيروسات الهيربس في اللعاب والبول أعلى كثيراً لدى 53 في المائة من رواد الفضاء الذين سافروا في بعثات المكوك الفضائي ولدى 61 في المائة من رواد الفضاء الذين أقاموا لفترات طويلة في محطة الفضاء الدولية. وتشمل الأنواع الأربعة التي اكتشفها الفريق الأنواع الثلاثة المذكورة أعلاه، إضافة إلى فيروس الهيربس البسيط الذي يسبب داء الهيربس في مناطق الفم والأعضاء التناسلية.

يشير إفراز الفيروسات إلى إعادة تنشيط أحد الفيروسات، لكنه قطعاً لا يشير إلى وجود مرض. وفي الواقع، وجد فريق الدراسة أنه من بين 112 رائد فضاء ممن شاركوا في الدراسة لم تظهر أعراض متعلقة بالفيروسات إلا لدى ستة رواد فقط، وكانت تلك الأعراض طفيفة إلى حد ما.

ومع ذلك، فلا شك أن هذه النتائج تثير بعض المخاوف. فأجسامنا تختلف في العمل عن بعضها، وما قد يكون طفيفاً لدى شخص ربما يكون خطيراً لدى آخر. كما يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة أنه “خلال بعثات استكشاف الفضاء السحيق، فإن أعضاء الطاقم سيُحتجزون في مساحات أصغر لفترات أطول من الوقت مع ضعف أو انعدام القدرة على العودة إلى الأرض سريعاً. وهكذا ستقوى العوامل التي تؤثر سلباً في المناعة. وتركز ناسا على فهم آلية عمل تلك الفيروسات وتطوير تدابير احترازية لحماية رواد الفضاء في البعثات ذات المدد الأطول والمدى الأبعد في الفضاء”.

وبالطبع، ليس من السهل الوصول إلى تلك التدابير. فالتدبير الاحترازي المثالي ضد فيروسات الهيربس هو التحصين، كما يوضح ميهتا، لكنه غير متوفر حالياً إلا ضد مجموعة فيروسات “فاريسيلا زوستر” التي تُسبب جدري الماء. كما أن لقاحات فيروس الهيربس لم تنجح كثيراً في السابق. ويوضح ميهتا أن الدراسات السابقة ناقشت خيارات أخرى كالمكملات الغذائية أو استخدام أدوية أفضل، لكن كل تلك العلاجات لا تزال في مرحلة التصميم النظري.

ما تبرزه هذه الدراسة أيضاً هو مدى هشاشة الجهاز المناعي في الفضاء. وهو ما يستدعي إلى الذهن دراسة أخرى نشرت في العام الماضي وكشفت أن بعض أنواع البكتيريا قد تمكنت من تكوين مستعمرات في محطة الفضاء الدولية. وفي حين أن هذه البكتيريا لا تشكل خطراً جديداً لم نعالجه من قبل في مستشفياتنا، فإن المستشفيات مجهزة لعلاج المرضى من العدوى وحمايتهم منها. أما إذا أصيب أحدهم في الفضاء، فسيضطر إلى التعامل مع العدوى بما يجده متاحاً لديه، وهو ما قد لا يكون كافيًا!

إننا بالفعل نولي اهتماماً كبيراً بدراسة المناعة البشرية في الفضاء، لكن تلك الدراسات ستظل قاصرة نظراً لعدم وجود الكثير من رواد الفضاء لإخضاعهم للدراسة. ومع ذلك، توجد على كوكب الأرض بيئة يمكننا استخدامها كأرضية للاختبار، وهي القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا”، حيث عانى بعض الباحثين الذين قضوا فيها فصل الشتاء لأغراض بحثية من انخفاض في المناعة مصحوباً بإعادة تنشيط فيروس الهيربس. ويوضح ميهتا ذلك قائلًا: “في أنتاركتيكا، يعاني أعضاء الفرق البحثية أيضاً من العزلة والتوتر والعيش في بيئة قاسية واضطرابات الساعة البيولوجية المتمثلة في الظلام طوال اليوم”. هذه الظروف تشبه كثيراً ظروف السفر إلى الفضاء، وقد يكون من الجيد دراسة الباحثين الذين يتم إرسالهم إلى أنتاركتيكا للحصول على فهم أفضل بشأن العدوى الفيروسية لدى رواد الفضاء الذين سيتم إرسالهم مستقبلاً لقضاء شهور أو سنوات في الفضاء.

ففي النهاية، سيكون من الصعب بيع تذاكر سفر إلى المريخ لمدة ستة أشهر مثلاً إذا كانت هناك مخاوف من الإصابة بالفيروسات خلال تلك الرحلة.