Reading Time: 4 minutes

أقلعت الأسبوع الماضي مركبةُ طيرانٍ صنعتها شركة بوينغ، يبدو شكلها الخارجي غريب المنظر. حامت هذه المركبة فوق مطار ماناساس الإقليمي الواقع في فرجينيا، ومن ثم حطّت على الأرض، وقُدّرت المدة الإجمالية لرحلة الطيران هذه بأقل من ستين ثانية، وفق ما قاله ناطق باسم شركة بوينغ. تمكنت هذه المركبة من الإقلاع والحَوَمان والنزول، بفضل ثمانية مرواح جميعها تدور بمحركات كهربائية.

قامت شركة بوينغ، وشركتها الفرعية: أورورا فلايت ساينسز (Aurora Flight Sciences)، بصنع نموذج أولي عرضه حوالي ثلاثة أمتار وطوله تسع أمتار، إلا أن شركة بوينغ ليست الوحيدة في هذا المضمار، إذ أن هناك مجموعات وشركات أخرى تعمل على صناعة مركبات جوية تعمل بمحركات هجينة أو كهربائية تماماً مصممة خصيصاً لحمل بضعة أشخاص لمسافة قصيرة.

تلتحق شركة بوينغ، باتخاذها هذه الخطوة، بشركات أخرى مثل شركة “بيل”، التي أبرزت في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES)مركبة ذات محرك هجين يمدّ ما يشبه الستة مراوح، وسمت المركبة ب”نيكسوس” (Nexus)، لم تقم هذه المركبة بالتحليق بعد، ويعد محركها هجيناً لأنها تمتلك فضلاً عن البطاريات، توربيناً يعمل بالغاز يمد المولد الكهربائي بالطاقة. نلمح في هذا المضمار أيضاً شركة “إيرباص” التي تعمل على تصميمين أولهما مركبة كهربائية تدعى سيتي إير باص CityAirbus (التي لم تحلق حتى الآن هي كذلك)، ومركبة أخرى أصغر حجماً تدعى فاهانا (Vahana)، حلقت بالفعل في السماء. يتمثل المتسابق الآخر في مضمار صناعة السيارات الطائرة في شركة “كيتي هاوك” (Kitty Hawk) التي تصنع مركبات كهربائية طائرة تدعى “كورا” (Cora) تمتلك 12 مروحة دوّارة. والقائمة لا زالت طويلة.

“إن نعتبر هذا الحراك أو بالأحرى السباق في مضمار صناعة السيارات الطائرة، كفجر العصر الثالث للطيران”، يقول غريغ بولز، نائب رئيس القسم العالمي للابتكار والسياسات لدى رابطة الشركات المصنعة في قطاع الطيران العام (GAMA)؛ يذكر أن بولز ساهم أيضاً في إعداد التقرير الذي يرسم سياسات مركز أبحاث “أوبر إيليفيت”، الذي يجسد رؤية شركة أوبر بشأن خدمات النقل الجوي. إن العصر الثالث يعني أن العصر الأول كان الطائرات ذوات المروحة الذي تميز بالعديد من “التجارب الجريئة”، والعصر الثاني هو عصر الطائرات النفاثة. من جانبه، يقول بولز عن العصر الثاني “أن معظم الناس اختبروا تجارب الطيران من خلال ركوب أنبوب معدني ضخم (يمثل الطائرة) في نظام الطيران القائم على نموذج المحور والأطراف” (أي مطار كبير مركزي يوجه الطائرات من وإلى مطارات فرعية طرفية) أما العصر الثالث للطيران فمن الوارد أن تتكون ملامحه من مركبات طائرة مثل تلك التي تجربها شركة بوينغ الآن، والتي تسمى تقنياً بشكل عام بطائرات الهبوط والإقلاع العموديان (تعرف اختصاراً بـVTOL)

لذلك لا تسميها رجاءً بالسيارات الطائرة تساهلاً لأنه مصطلح خاطئ. بهذا الصدد، يقول بيل كروسلي، أحد مهندسي الطيران وأستاذ جامعي في كلية علوم الطيران والملاحة الجوية بجامعة بوردو “أن هذه المركبات ليست سيارات، بل شيء مختلف عنها”. كما أنها ليست “طائرات هليكوبتر” أيضاً. إذ يقول كروسلي: “لا تمثل هذه المركبات طائرات هليكوبتر بالمعنى التقليدي لتلك الطائرات، ذلك أنها لا تضم مروحية كبيرة رئيسية توفر قوة الرفع اللازم نحو الأعلى والدفع نحو الأمام، فمعظم تصاميم المركبات الطائرة تمتلك نوعاً من قوة الرفع، إلا أنها تمتلك قوة دفع منفصلة”.

يتجلى المثال على ذلك في مركبة الطيران التي تختبرها بوينغ، التي تمتلك مروحة “طوافة” في جزئها الخلفي لتمكينها من الطيران أفقياً، وتملك ثمانية مراوح لتمكينها من الطيران عمودياً. مع ذلك، فإن هناك مركبة طائرة تدعى فولوكوبتر (Volocopter) حلقت بالفعل في السماء يشبه تصميمها تصميم الهليكوبتر التي نعرفها.

يضيف بيل كروسلي أن هذه المركبات “بحاجة إلى مصطلحات خاصة بها ومجال علمي خاص يتمحور حولها”. يتمثل أحد هذه المصطلحات المقترحة لهذا المجال في مصطلح “مجال النقل الجوي الحضري” أو اختصاراً  UAM، وهو المصطلح الذي تستعمله وكالة ناسا. فيما يقترح البعض الآخر مصطلح “التاكسي الجوي”، أو سيارة الأجرة الجوية، مع أن المهندس كروسلي يعتقد أنه في حال كانت أسعار ركوب هذه السيارات مرتفعة للغاية، فمن الأحرى أن نطلق عليها إسماً آخر يعبر عنها مثل “المكوك الجويّ الفائق”. (وهذا المصطلح يوحي بضرورة صنع مركبات أكبر حجماً تضم عدد مقاعد أكثر).

مركبة الفولوكوبتر

لكن أياً كان الاسم الذي ستطلقه على هذه المركبات، فالفكرة واحدة ألا وهي استخدام هذه المركبات لإجراء رحلات قصيرة في المناطق الحضرية. لكن ما مهمتها؟ يقول كروسلي إجابة عن هذا السؤال أن مهمتها تتمثل في “قدرتها على الإقلاع والهبوط عمودياً، لأن هذه الميزة هي التي تجعلها صالحة للاستعمال في المناطق الحضرية. صحيح أن سعر خدمتها لن يكون أرخص من طلب سيارة أجرة تسير على الأرض، إلا أنها ستكون أسرع ولا ريب”. كما أنك لن تستطيع طلب واحدة تأخذك من نيويورك إلى كاليفورنيا بطبيعة الحال، إلا أنه يمكنك طلبها للتنقل عبر منطقة خليج سان فرانسيسكو.

مع ذلك، لا زال هذا المجال يواجه عدة تحديات، وقبل حلها تماماً لن يتمكن الجمهور العام من طلب مركبة طائرة عبر تطبيق هاتفيّ في الأشهر القليلة القادمة. تتمثل إحدى هذه التحديات في تطوير تقنية البطاريات التي تستخدمها هذه المركبات بشكل فعال جداً، وبهذا الصدد لا يكفي إحراز تحسينات صغيرة. يقول بولز عن هذا “ذلك أن كثافة طاقة بطاريات الليثيوم-إيون أقل بكثير من كثافة طاقة الوقود النفطي”. هذا هو السبب الذي يجعل رحلتك الجوية عبر المحيط تعمل بوقود الطائرات النفاثة، في حين ستستمد رحلتك القصيرة التي تتراوح من 10 إلى 15 دقيقة عبر أنحاء المدينة طاقتها من البطاريات.

من جانبه، أشار المهندس كروسلي إلى تحديات أخرى وتطورات لا زلنا لا نعلم عنها شيئاً. من ضمنها هذه الأسئلة المهمة: إلى أي مدى ستكون هذه المركبات صاخبة؟ بعبارة أخرى: ما حجم ضجيجها الصوتي؟ ما مقدار الانجراف السفلي (انجراف تيّار الهواء نحو الأسفل) الذي ستنتجه كل تلك المرواح في المركبة الطائرة؟ هل ستكون هذه المركبات مناسبة وجديرة بالثقة ويمكن الاعتماد عليها؟ هل بمقدورها الطيران في جميع الظروف الجوية أم لا؟ ثم هناك مسألة “جودة الركوب”، التي تنطوي على أسئلة مثل: هل ستكون الرحلة سهلة بما يكفي لأن يتقبلها الركّاب، بالنظر إلى أن بعض الناس لا يحبون -وهذا معقول تماماً- حتى الاهتزاز المألوف الذي يصاحب ركوب الطائرات العادية الكبيرة؟ وهل يمكن لنوع واحد من هذه المركبات الطائرة العمل في العديد من المدن رغم اختلافاتها، كما تفعل طائرة بوينغ طراز 737؟

مع أن هذه الأسئلة لا زالت بحاجة إلى إجابات، إلا أن المهندس كروسلي وبشكل عام يرى أن هذه المركبات الطائرة “بإمكانها حقاً إنجاز المهمة الموكلة إليها”، المتمثلة في توفير نقل فعال في المناطق الحضرية، وأشار إلى التطورات المهمة الحاصلة في مجال صناعة البطاريات وإلى حقيقة أنه يمكننا بالفعل استخدام العديد من المحركات الكهربائية الأصغر حجماً في المركبة، كما فعلت شركة بوينغ في مركبتها الطائرة التجريبية. ويختتم كروسلي كلامه بقوله “إنه لأمر مذهل حقاً”، من جهته، يوافق بولز على كلام كروسلي قائلاً “بصفتي مهندساً أعتقد أننا نشهد الآن فترة زمنية مثيرة جداً في مجال عملي”.