Reading Time: 4 minutes

ما هي أعراض القلق، وكيف نسيطر عليه؟ تساؤل من «بوبيولار ساينس» نجيب عنه هنا.

يجد الكثير من الأشخاص أنفسهم في حالة من القلق مؤخراً لأسباب نفضّل ألّا نفصّل فيها. في شهر يونيو/ حزيران الماضي، أبلغ أربع أضعاف عدد الأِشخاص عن أنّهم يعانون من أعراض اضطراب القلق مقارنةً بالفترة نفسها من سنة 2019. الأفراد الأكبر سناً– باختلاف جنسياتهم وأصولهم- هم أكثر عرضةً لذلك. هذا الارتفاع في حالات الإبلاغ عن أعراض القلق وقع في فترة كانت فيها معدّلات القلق مرتفعة بالفعل. في 2017، عانى حوالي بالغ واحد من كل 5 بالغين في الولايات المتّحدة من أعراض القلق.

مستويات التوتّر المرتفعة يمكن أن تحوّل القلق من حالة عرضيّة مزعجة إلى معاناة مستمرّة. أفضل شيء يمكنك فعله هو استشارة خبير صحّة عقليّة (معالجٌ أو محلّلٌ نفسي أو طبيبٌ نفسي) والتحدّث معه حول الطرق التي يمكنك فيها التعامل مع هذه المشاعر الجديدة.

لكن إذا كنت لا تستطيع تحمّل تكلفة استشارة خبير صحّي، أو إذا لم تكن قادراً على الإقدام على هذه الخطوة بسبب مخاوف متعلّقة بجائحة كورونا، أو إذا كنت ببساطة تشعر أنّك لست مستعداً لتلقّي العلاج، سنعرض عليك بعض الاقتراحات المدعومة علمياً تفيدك في السيطرة على حالتك. استُمِدّت الكثير من هذه الاقتراحات من الأبحاث العلمية المتعلّقة بنوبات الهلع بشكل خاص، لكن المبادئ نفسها تنطبق على الوقاية من نوبات القلق العام، وتجنّب الوقوع ضحيّة أنماط التفكير المتوتّر.

1. أدرك أنّك قَلِق

يبدو هذا بديهياً على الأرجح، لكن سيعطيك كل مصدر علمي متعلّق بالوقاية من نوبات القلق نفس النصيحة لسبب محدد: إدراك حالة القلق لحظياً هو أمر صعب بشكل مفاجئ.

ضمن كرّاس «القلق والرّهاب»، يقدّم «إدموند بورن»؛ عالم النفس والباحث في اضطراب القلق، تفسيراً ممتازاً لهذا فيقول: «نتيجة لأن نوبات الهلع لا تمثّل خطراً مباشراً أو واضحاً، فقد تميل لأن تبتَدِع خطراً ما، أو تنسبه إلى الأحاسيس الجسديّة الشديدة التي تمر بها. في غياب أي حالة حقيقية مُهدِّدة للحياة، قد يفسّر دماغك ما يحدث داخله كحدث مهدد للحياة بشكل خاطئ».

يحفّز القلق الآليات النفسية نفسها التي تولّد استجابة «الكر أو الفر» التقليديّة: يزيد معدّل ضربات القلب والتنفّس، يزيد تدفّق الدم في العضلات المتشنّجة، و يبدأ جسمك بالتعرّق. هذه هي الطريقة التي يبقيك فيها جهازك العصبي اللإرادي بعيداً عن الخطر. تُفرَز دفقة فجائية من الهرمونات؛ مثل الأدرينالين، عبر جسمك وتُحدِث سلسلةً من التغيّرات التي تُجَهِّزُك للخطر.

هذا السلوك كان يسمح لأفراد نوعنا في المراحل المبكّرة من تطوّرنا أن يهربوا من المفترسات أو يطردوها حتى، بالحقيقة، فإن هذا السلوك لا يزال يخدم هذا الهدف اليوم، لكن القلق يجعلنا نمر بنفس الحالة التي نمر بها نتيجة لخطر حقيقي كاستجابة لمشكلة نفسيّة.

هذه النوبات تحدث عادةً دون محفّز واضح، أي أن الأعراض الجسدية يمكن أن تظهر قبل أن تكون متوتّراً، لكن في الوقت ذاته، دماغك يكون سريعاً في تفسير هذه الاستجابات النفسية المطبوعة فينا كإشارات إلى أن خطراً ما وشيك.

ضيق النَّفَس والغثيان وتسرّع نبضات القلب هي أعراض طبيعية للقلق، على الرغم من أنّها مزعجة، لكن أثناء نوبات القلق، يبدو الأمر وكأن شيئاً ما مُكدِّر على وشك الحدوث. لسوء الحظ، يمكن أن يتسبّب هذا الشعور بتوليد شكل ما من حلقة التغذية الراجعة؛ أي: القلق يشعرك بشعور سيئ جسدياً، وهذه الأعراض الجسديّة تشعرك بالخطر، لذا فأنت تصبح مرتعباً وقلقاً أكثر، مما يزيد من سوء الأعراض نفسها.

سواء أكنت تعاني من نوبات القلق الفجائيّة، أو إذا كانت مستويات القلق في الخلفية مرتفعة لديك ببساطة، يبيّن كرّاس القلق والرّهاب أن «إدراك ميلك للاعتقاد بأن الأعراض الجسمية غير الضّارّة هي علامات على خطر وشيك هو الخطوة الأولى».

2. تنفّس، ولا تقاوم النوبة

قد يبدو هذا لاحدسيّ، لكن أفضل طريقة لتجاوز القلق هو القبول به ببساطة. راقب الأحاسيس التي تدور في جسمك. تنصح الطبيبة «كلير ويكس» في كتابها «أملٌ ومساعدةٌ لأعصابك» أن تصف مشاعرك لنفسك: «على سبيل المثال، قد تقول: يداي تتعرّقان وترتجفان، وأشعر أنهما متورّمتان. … هذا قد يبدو سخيفاً قليلاً وقد يجعلك تبتسم، وهذا أفضل».

بعد أن تَذكر لنفسك هذه الأحاسيس، حاول القيام بتمارين التنفّس البطيء. هناك العديد من التمارين التي يمكنك أن تقوم بها؛ سواء تمرين «التنفّس المربّع» (يدعى بهذا الاسم لأنّه يستند على العناصر الأربعة الأساسيّة للتنفّس، الشهيق ثم حبس النفس، والزفير ثم حبس النفس مجدداً) أو تمرين التنفّس الأنفي «المتناوب»، أو تمرين هجين بين الاثنين.

قد يكون شيئاً يبعث على الغضب أن يقال لك أن تتنفّس خلال تجربة يمكن أن تكون مُعذّبة عاطفياً وجسدياً، لكن يبدو أن هناك أسباب نفسيّة تجعل تمارين التنفّس مساعدة على التهدئة، كما أن اضطرابات التنفّس نفسها يمكن أن تساهم في الشعور بالقلق.

التنفّس الواعي البطيء والعميق يتسبب في تثبيط الجهاز العصبي الودّي؛ وهو الجهاز الذي يَنشَط بشكل كبير أثناء القلق أو التوتّر. ليس من الواضح تماماً لما ينفع التنفّس بهذه الطريقة. أحد جوانب النظريّة ينص على أن التوتّر يتسبب في اضطراب الإشارات القلبية والتنفسيّة، وأن إبطاء التنفّس يمكن أن يجعل الإشارات متزامنة مجدداً. بينما ينص جانب آخر على أن عصبونات الجهاز العصبي الودّي تُثبَّط بشكلٍ مباشر بسبب التنفّس الإرادي، لذا فالتركيز على التنفّس يهدّئ أعصابك حرفياً. قد ينتج هذا بسبب تغيّرات تطرأ على اللوزة الدّماغيّة؛ وهي المنطقة الأساسية في الدّماغ المسؤولة عن مشاعرٍ مثل الخوف. يبدو أن اليقظة والتأمل يهدّآ اللوزة الدماغية أيضاً بطريقة مشابهة. الزيادة في نسب الأكسجين الناجمة عن التنفّس العميق ستساعد العضلات على الاسترخاء، وستعيد وظائف الجسم إلى حالاتها الطبيعيّة.

يبدو أن تقنيّات التنفّس والاسترخاء تساعد أيضاً في حالات التوتّر المزمن. ضمن إحدى التجارب مزدوجة التعمية، خضعت مجموعة من المصابين بارتفاع ضغط الدم إلى واحد من علاجين بشكلٍ عشوائي؛ إما تطبيق تدريب استجابة استرخائيّ (التنفّس البطني العميق، الصلاة، اليوغا وما إلى ذلك)، أو ببساطة، تلقّي معلومات حول التحكّم بضغط الدّم. كان حوالي نصف أفراد المجموعة الأولى قادرين على التخلّي عن دواء واحد على الأقل من أدوية ضغط الدم بحلول نهاية التجربة؛ مما يشير إلى أنّهم كانوا قادرين على تخفيض ضغط دمهم، بينما حقق نفس النتيجة حوالي خُمس أفراد المجموعة الثانية.

تذكّر أنه بغض النظر عن التقنية التي تستخدمها، تصل معظم نوبات قلق إلى ذرواتها خلال 10 دقائق من بداياتها. لذا حتى ولو شعرت أن الهلع سيستمر للأبد، فإنه سينتهي بسرعة في الواقع.

إضافة إلى التنفّس، ينصح بورن بإجراء بعض التدخّلات التقليدية:

3. حافظ على انتباهك، تدرّب، واهتمّ بنفسك

التعامل مع القلق مثل محاولة إيجاد طريق جديد في الغابة؛ أسهل طريقة هي اتّباع المسار الذي اعتدت عليه، مجازياً وعصبياً على حد سواء. يحتوي الدماغ على وصلات بين العصبونات، وكلما زادت مدّة تحفيز هذه الوصلات بنفس التسلسل، زادت فعاليّة الوصلات. حتى تتمكّن من تغيير نمط تفكيرك، يجب عليك أن تحفّز مسارات خلويّة أخرى، وهذا الأمر يتطلّب الجهد في البداية.

يتضمن جزء من عملية التغيير هذه التفكير بالمحفّزات التي تولّد أسوأ مشاعر القلق لديك. يقترح بورن كتابة الأحداث والأفكار التي تقود إلى مشاعر الهلع، وفي نهاية الأمر، قد تظهر بعض الأنماط. إن معرفة محفّزاتك الخاصّة يعني أنّك ستصبح قادراً على تجنّبها، لكن الأهم من ذلك هو أن ذلك يعني أنك قادر على التحديد مسبقاً متى يمكن أن يجعلك شيئاً ما تشعر بالقلق، وبالتالي، ستصبح قادراً على الانتباه باكراً للقلق.

التفكير بالمحفّزات وتطبيق تقنيات التهدئة؛ مثل ممارسة التمارين الرياضية أو كتابة اليوميّات، سيساعدانك على التعامل مع مشاعر القلق.

إدراك الذات هو الخطوة الأولى، وكلما فكّرت بالتغلّب على القلق، سيسهل عليك الأمر أكثر. في النهاية، ستجد أن الأعراض الجسدية المبكّرة لنوبات الهلع لا تحفّزك كما كانت من قبل. حينما تصبح قادراً على التعرّف على مشاعر القلق دون أن تختبرها بشكل حادّ، ستمتلك الوسائل التي تحتاجها لتتجنّب الوقوع ضحيّة للهلع.