Reading Time: 4 minutes

إذا كنت تقرأ هذا المقال، فعلى الأرجح تعاني من التوتّر أو الملل. لا تخف، فقد بحثنا عن الأدلّة العلميّة حتّى نكشف ما يقوله العلم حول إيجاد السّكينة والحفاظ عليها خلال الأوقات الصعبة. هل تريد أن تجرّب التأمّل؟ أو تتعامل مع القلق؟ مرحباً بك في «شهر الهدوء».

الملل أمر مزعج، ولكن يمكنك تغيير هذا؛ إذ أن الهدف من الملل هو تحفيزنا لفعل شيء مختلف، مهما كان هذا الشيء. مثل الألم أو العطش، الملل هو حالة عاطفيّة تكشف لنا ما يجب أن نغيّره في سلوكنا؛ تناوُل مشروب ما، أو تجنُّب لمس المقلاة الساخنة، هي سلوكيّات مثل التحرّك وإيجاد شيء ما منتج لنفعله.

لكن في السنوات الأخيرة، أشار عدد كبير من المقالات إلى أن الملل يمكن أن يكون شيئاً جيّداً؛ إذ أنّه يمكن أن يجعلك أكثر إبداعاً، وأن يساعدك في السعي نحو أهداف جديدة، ويجعلك فضولياً أكثر، ومع زيادة الاهتمام العلمي بالملل، فإن هذا الأخير له فوائده، لكن ككل مجالات الأبحاث العلمية؛ الملل يتعارض مع التفسيرات البسيطة.

بيّنت العديد من الأبحاث في وقتنا الحالي أن حالة الملل يمكن أن تكون مفيدة للغاية، إلا أن ميزة الملل (ذاك الميل للشعور بالملل كل الوقت) ليست أمراً جيّداً.

ما هي فوائد الملل؟

تعود الأبحاث التي تبيّن الطريقة التي يحفّز فيها الملل العقل لعقود من الزمن؛ وذلك على الرغم من أن إيجابيات الملل أصبحت رائجة مؤخراً فقط. بيّنت دراسات أُجريت في أواخر سبعينيّات القرن الماضي أن الشعور بالملل يمكن أن يجعلك أكثر إبداعاً، والأبحاث من القرن الحالي دعمت هذه الادّعاءات. بيّنت دراسة أُجريت عام 2014 أن تحفيز الأشخاص للشعور بالملل قبل مطالبتهم بالمشاركة في نشاط متعلّق بالإبداع -في هذه الحالة؛ إيجاد أكبر عدد ممكن من الاستخدامات لزوج من الكؤوس البلاستيكيّة- جعلهم يؤدّون بشكلٍ أفضل. وجدت دراسة أخرى من نفس السنة النتيجة ذاتها أن الملل دفع المشاركين للتفكير بطريقة إبداعيّة أكثر عند مطالبتهم بالربط بين ثلاث كلمات تبدو لا علاقة لها ببعضها.

يدفع بعض الباحثين بناءً على نتائج الأبحاث السابقة وغيرها إلى تعزيز المزيد من العشوائيّة. مثلاً، تقول «ساندي مان» لوكالة «بي بي سي»؛ وهي باحثة مؤلّفة مشاركة لأول بحث ذكرناه من 2014: «بدلاً من أن أقول أنني أشعر بالملل عندما أكون عالقة في الزحام، سأشغّل الموسيقى وأسمح لعقلي أن يهيم معها، وأنا أعلم أنا هذا مفيد لي، وأنا أدفع أطفالي لأن يشعروا بالملل أيضاً، لأن هذا يفيد قدرتهم على الإبداع». الأمر يشبه النوم؛ فإعطاء الدماغ وقت للشرود يمكن أن يفيده في تشكيل وصلات، وتوليد أفكار لا يستطيع توليدها أثناء انشغاله.

إحدى الفوائد الأخرى التي لا تتم مناقشتها هي توليد الدّوافع للتغيير. في ورقة علمية من سنة 2013، حاجج علماء النفس «شاين بينش» و«هيذر لينش» أن «الملل يحفّز القيام بفعلٍ ما، بهدف تحقيق هدف جديد». هذه فكرة متجذّرة جزئياً في علم النفس التطوّري؛ مما يشير إلى أن الملل قد أدّى من قبل دوراً حاسماً في دفعنا لتغيير سلوكنا. من المحتمل أن تكون حياة الرّيف المملّة قد دفعت أسلافنا لاكتشاف مناطق جديدة بالنسبة لهم، أو تجربة نوع جديد من التوت وجدوه في الغابة مثلاً. الفضول البشري لم يؤدِّ بالتأكيد إلى نتائج إيجابيّة دائماً، لكن تجربة أشياء جديدة هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن ننمو ككائنات حيّة، وقد نكون قادرين حتى الآن على استغلال هذا الميول التطوّري لأهداف خيّرة.

الملل يشير إلى عدم الرضا، كما أن تخصيص وقت للتساؤل حول شعورك بالخمول قد يساعدك في اكتشاف طرق أفضل لحل المشاكل، وكما قال الفيلسوف «أندرياس إيبيدورو» سنة 2014 في مقال في دورية «فرونتيرز إن سايكولوجي»: «الشعور السلبي والمنفّر الذي ندعوه الملل، يمثّل عاملاً يحفّزنا للسعي وراء هدفٍ يبدو مُحرّضاً ومثيراً للاهتمام وصعباً أكثر بالنسبة لنا، أو هدفٍ مرضٍ أكثر من الهدف الذي نسعى لتحقيقه الآن».

السعي وراء التجديد بهذه الشكل يمكن أن يكون مفيداً للغاية، والبحث عن خبرات جديدة يمكن أن يجعل حياتنا مُرضية أكثر، لكن السعي وراء التجديد بشكلٍ مستمر يمكن أن يكون خطيراً أيضاً.

الجانب السلبي للملل

النوع المفيد من الملل يوصف عادةً بأنّه يصيب الأشخاص الأصحّاء عقلياً، لكن الملل المزمن (والذي يدعوه الباحثون «الملل كَسِمة») يمكن أن يكون هدّاماً فعلاً.

الأشخاص الذين يفيدون بأنّهم يشعرون بالملل كثيراً، يميلون للانخراط في أنواع السلوكيات الخطيرة؛ من المقامرة إلى ترك المدرسة إلى تناول المشروبات الكحوليّة بنَهم. الأشخاص المعرّضون للملل يميلون لأن يكونوا أكثر اكتئاباً وقلقاً. يعتقد علماء النفس أن هذه آثار جانبيّة سلبيّة حتميّة تولّد البحث عن التجديد. التجديد ليس إيجابياً دائماً، الانفصال المستمر عن الحياة والمحيط يجعل الوجود بلا معنى.

الملل هو شعور مزعج للغاية بشكلٍ عام. وجدت عدّة دراسات أن العديد من الأشخاص يفضّلون أن يصعقوا أنفسهم (حرفيّاً) بالكهرباء بدلاً من الشعور بالملل؛ وهذا خلال 15 دقيقة من اختلائهم بأفكارهم. مع ذلك، كون هذه التجربة تمثّل محفّزاً إيجابياً أم سلبياً يتوقّف فعلاً على الشخص الذي يمر بها.

طالما كنت قادراً على الملل بطريقة صحيّة (كأن يدفعك لاتّباع سلوكيات مفيدة)، فيجب عليك أن تقضي بعض الوقت في الفراغ. تنصح ساندي مان في كتابها «العلم وراء الملل»، بأخذ «عطلة رقميّة»: في يوم واحد أسبوعياً؛ أوقف تشغيل كل الأجهزة الإلكترونية، وانخرط مع محيطك المادّي. (إذا كان يبدو هذا مخيفاً، يمكنك أن تبدأ بشكلٍ تدريجي عن طريق تخصيص ساعة بين الفترة والأخرى)، كما توصي بمحاولة تدريب نفسك على النّظر إلى وقت الراحة -سواءً خلال انتظار دورك في متجر البقالة أو القيام بمهمّة رتيبة- ليس كوقت ضائع، بل كفرصة للشرود والاسترخاء.

الهدف هو التوقّف عن اعتبار وقت الرّاحة أمراً سيئاً بطبيعته، وعدم السعي للحصول على الإلهاء المستمر من الهاتف أو الحاسوب. هذا صحيح بشكلٍ خاص؛ بالنظر إلى أن بعض الباحثين يعتقدون أن محاولة تجنّب الملل باستمرار تجعلك تشعر بالملل أكثر. إذا احتجت إلى تلك الدفقة الفورية من الدوبامين؛ التي تترافق مع اكتشاف جانب جديد من الإنترنت، فسينتهي بك المطاف في حاجة إلى المزيد والمزيد من التحفيز للاستمرار في الشعور بالانتعاش مع مرور الوقت. وفي النهاية، قد يؤدي ذلك إلى المزيد من الملل.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.