Image

إنه طقس فضائي حاد.

Bread assortment

تُعتبر الانفجارات التي تحدث من تلقاء نفسها أنباءً سيئة للجميع، ولهذا يمكنك أن تتخيل ذعر الجيش الأميركي في 4 أغسطس 1972، عندما رصد أكثر من 20 انفجاراً تلقائياً في المياه قرب جزيرة هون لا في فيتنام الشمالية. فقد أسقطَ الجيش الأميركي مجموعة من الألغام تحت الماء في تلك المنطقة قبل عدة أسابيع من انفجارها في إطار عملية “بوكيت موني” الهادفة إلى ردع السفن التجارية عن دخول موانئ فيتنام الشمالية. ولكن الألغام كانت مجهزة حتى تنفجر فقط عند وجود السفن قربها، ولكن في ذلك اليوم لم ير الأميركيون الذين يراقبون المنطقة سوى المياه الزرقاء الصافية عندما انفجرت القنابل.

ولم يتمكن أحد في البداية من تفسير انفجار القنابل، كيف انفجرت بالضبط؟ هل تسببت الكائنات البحرية في هذا؟ أم أنها أعطال في التجهيزات؟ هل كان الفيتناميون الشماليون يستخدمون طريقة سرية لتفجير الألغام عن بعد؟

وبعد أكثر من أربعة عقود ونصف، عرفنا الآن أن المتسبب هو الشمس. ووفقاً لدراسة جديدة في مجلة “سبيس ويذر Space Weather“، فمن المرجح أن عاصفة شمسية قوية قدحت الحساسات المغناطيسية في الألغام وتسببت في انفجارها.

تقول دولوريس نيب (وهي باحثة مختصة بالطقس الفضائي في جامعة كولورادو بولدر، والمؤلفة الرئيسية للدراسة الجديدة): “لقد كانت عاصفة هائلة، وكانت تمثل خبراً هاماً للغاية في ذلك الوقت، وما تزال كذلك حالياً”. وقد هبت العاصفة في الفترة الفاصلة ما بين بعثتي أبولو 16 و17، ولكن من المقبول عموماً أن الجرعة الإشعاعية الناتجة عنها كانت كافية لإصابة رواد الفضاء بالعجز (وربما القضاء عليهم تماماً) على الطريق ما بين الأرض والقمر. وإضافة إلى هذا، فقد وجدت دراسات أخرى أن التيار المغناطيسي الأرضي الناتج عن هذه العاصفة قد تسبَّب في الكثير من الاضطرابات المختلفة في التيار الكهربائي في أميركا الشمالية: “لقد أثرت هذه العاصفة بعدة أشكال مختلفة على مجتمعات مختلفة”.

وفي ذلك اليوم من العام 1972، وعلى مدى ثلاثين ثانية، شهدت الطائرات الحربية الأميركية المحلِّقة قرب فيتنام الشمالية ما بين 20 و25 انفجاراً في المياه، إضافة إلى ما بين 25 و 30 بقعة أخرى من الوحل. وكانت هذه الألغام تعتمد على حساسات لالتقاط التغيرات في كثافة الحقل المغناطيسي المحيط بها، وهي تغيرات عادةً ما تتسبب فيها السفن التي تمر فوق اللغم.

ولكن شيئاً ما حدث بشكل غير متوقع. وبعد الحادثة بيومين بدأ المسؤولون العسكريون يتساءلون ما إذا كان النشاط الشمسي قد ساهم في هذه التفجيرات. وكان علماء العالم يعرفون في ذلك الوقت أن الشمس قادرة على التسبب في تغيرات في الحقول المغناطيسية، ولكنهم لم يكونوا متأكدين تماماً من أن النشاط الشمسي الذي يصل إلى الأرض كان قوياً بما يكفي لإطلاق حساسات الألغام. وفي نهاية المطاف، توصل المحققون الذين يعملون مع الجيش والإدارة الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي -وبدون إثارة أية ضجة- إلى أن النشاط الشمسي كان على الأرجح هو سبب الحادثة، ولكن القضية لم تُحسم تماماً.

ولذلك قامت نيب وفريقها -مسلحين بمعلومات أكثر تفصيلاً وحداثة حول النشاط الشمسي- بالبحث في وثائق الحادثة التي أزيلت عنها صفة السرية، ووجدوا أن حدث 1972 كان عبارة عن عاصفة شمسية ذات شدة فريدة من نوعها، إضافة إلى عدة عوامل ضخَّمت من تأثيراتها على الأرض.

لغم بحري ينفجر قرب ساحل فيتنام الشمالية خلال عملية إيند سويب.
مصدر الصورة: البحرية الأميركية

فقبل عدة ساعات من انفجار القنابل، بدأت الشمس تصدر وهجاً شمسياً، كما بدأت تصدر الانبعاث الكتلي الإكليلي، وهو انفجار هائل من البلازما عالية الطاقة والجسيمات المشعة التي تحمل معها نبضات كهرطيسية. وعادة ما تحتاج هذه النبضات إلى يوم أو اثنين حتى تصل إلى الأرض، ولكن في هذه المرة كانت هناك انفجارات سابقة منذ يومين قد مهَّدت الطريق عبر الفضاء، وسمحت للنبضات بضرب الأرض خلال أقل من 15 ساعة، وأحدثت هزة عنيفة في غلافها المغناطيسي.

وفي الواقع، فقد أورد بحث نيب أن عاصفة 1972 تكافئ حدث كارينجتون في 1859، حيث هبَّت واحدة من أشد العواصف الشمسية المسجلة في التاريخ على الإطلاق: “تعتبر هذه العاصفة مثالاً نموذجياً عن العواصف الشمسية. ولو هبت عاصفة بهذه الشدة مرة أخرى، فسوف نعاني من الكثير من المشاكل”؛ حيث إن العالم مترابط إلى درجة كبيرة بأجهزة الاتصالات والشبكات الكهربائية، وغيرها من التقنيات التي يمكن أن تُشوى بسهولة إذا تعرضت إلى نبضات قوية للغاية من النشاط الشمسي.

وهو ما يثير تساؤلاً آخر: كم تتكرر العواصف المماثلة لهذه العاصفة؟ لا شك في أن انفجار عدد من الألغام البحرية بشكل عشوائي أمر مخيف للغاية، غير أن خسارة الاقتصاد الأميركي مثلاً لأربعين مليار دولار في اليوم بسبب عاصفة كهذه هو كابوس لا يصدق.

وفي الواقع لا يوجد جواب مباشر لهذا السؤال؛ حيث إن مجال دراسة الطقس الفضائي بأسره ما زال عملاً قيد التطوير، وعلى سبيل المثال فإن التطورات في العقد الأخير قد ساعدت على إظهار أن الانبعاث الكتلي الإكليلي يحدث على شكل عدة مرات متتالية بدلاً من أن يكون حدثاً منفرداً، وهو ما ساعد الفريق على تحديد سبب شدة النشاط الشمسي التي وصلت إلى حد يكفي لتفجير الألغام تحت الماء.

ولكن نيب تقول إن التقديرات العامة -بناء على المعلومات الحالية- تشير إلى أن هذه العواصف الشمسية الشديدة تضرب الأرض مرة واحدة كل 70 عاماً، وتتابع قائلة: “إن هذه الوتيرة كافية للتفكير في التقنيات التي يمكن أن تتعرض للأذى بسبب هذه الظروف”. وفي الواقع فإن السؤال لم يعد عما إذا كنا سنتعرض لعاصفة تخرِّب شبكات الطاقة وتنشر الفوضى في أنظمتنا التقنية أم لا، بل السؤال هو “متى سيحدث ذلك؟”، و”ما مدى استعدادنا لتجهيز البنية التحتية لدينا وحمايتها؟”.

error: Content is protected !!