Image

اللجنة المعنية بالأمر تخطط لفحص كافة التحديات العلمية، الأخلاقية، الاجتماعية والقانونية.

Bread assortment قامت منظمة الصحة العالمية بتكوين فريق من الخبراء للنظر في وضع مبادئ إرشادية دولية لاستخدام التقنيات الجديدة لتعديل الجينات.

مَن عليه القيام بدور الرقيب على استخدام تقنية كريسبر (CRISPR) لتحرير الجينات؟ كانت هذه الدعوة التي أطلقها العديد من العلماء بعد انتشار أنباء قيام باحثين صينيين بتعديل المحتوى الجيني لأجنة، مما نتج عنه ولادة أول طفلين معدلين وراثياً.

بعد أيام من انتشار الأخبار، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها ستقوم بجمع الخبراء للنظر في وضع مبادئ إرشادية دولية لاستخدام هذه التقنية الجديدة لتعديل الجينات. وفي الأسبوع الماضي، أعلنت الأمم المتحدة عن تعيين تلك اللجنة، التي تتكون من عشرين خبيراً من جميع انحاء العالم. لا يوجد هناك ما يضمن اتباع الإرشادات التي ستتم صياغتها حول تحرير المحتوى الجيني البشري، ولكنها محاولة أولى لإيصال العالم إلى مستقبل يمكننا فيه تعديل الأشياء نفسها التي تجعلنا بشراً.

تُقدم تقنية كريسبر لتعديل الجينات مجموعة متنوعة من التطبيقات التي لها تبعات مختلفة. الطفلتان نانا ولولو تم تعديل جينات كلٍ منهما وهما مازالا أجنة، لاستهداف جين له دور في مقاومة الفيروس المسبب لمرض نقص المناعة المكتسبة. لكن هذا ليس كلَّ شيءٍ، فقد كشفت دراسةٌ مؤخراً أن هذا التعديل قادرٌ على إحداث تغييرات على الدماغ. ولأن التعديل تم على الحمض النووي للأجنة، فقد صار بإمكانهما توريث هذه التغييرات لأطفالهما، وربما لكل الأجيال التي ستأتي بعدهم، مما شكل مأزقاً أخلاقياً، لم يسبق له مثيل لاختصاصي أخلاقيات البحوث الحيوية وللعلماء على حد سواء.

يستخدم الباحثون أيضاً  تقنية كريسبر لعلاج الأفراد البالغين بعد الحصول على موافقتهم من حالاتٍ مثل متلازمة هانتر، وأحدثُ حالةٍ لاستخدام تقنية كريسبر في علاج مرضٍ نادر يصيب الدم يُسمى أنيميا البحر المتوسط من النوع الفرعي بيتا (Beta thalassemia). هذا الاستخدام الثاني يعد الأقل خطورةً على النوع البشري ككل؛ لأن هؤلاء البالغين لا يمكنهم توريث هذه التعديلات، لكن تظلُّ تُمثل خطورة بالغة على الأفراد الذين يتم عِلاجهم.

ما الذي يُمكن أن تحققه إرشاداتُ منظمة الصحة العالمية؟

وفقاً للمتحدث باسم منظمة الصحة العالمية “طارق جاساريفيتش”: “ستقوم اللجنة بفحص التحديات العلمية، الأخلاقية، الاجتماعية والقانونية المتصلة بتعديل المحتوى الجيني للبشر”، وأوضح كذلك أن الاجتماع الأول سيعقد في جينيف عاصمة سويسرا في منتصف شهر مارس، وفي الجلسة الأولى، ستضع اللجنة خطة لكيفية إعداد المبادئ الإرشادية المطلوبة على مدى 12 إلى 18 شهراً التالية.

إلى الآن لم توضح أي من الإعلانات الصادرة إذا ما كانت اللجنة ستبحث تحديداً التعديل الجيني على الخلايا التناسلية المُنشئة (germline cells – الخلايا المُنشئة للبويضات والحيوانات المنوية) القادرة على توريث الصفات المكتسبة (مثل ما حدث في حالة الطفلتين نانا ولولو)، أم ستبحث كل أشكال تعديل المحتوى الجيني البشري باستخدام تقنية كريسبر وغيرها من التقنيات الجديدة. لكننا نعرف بعض القضايا التي من المرجح طرحها للمناقشة على حد قول أليكس كابرون اختصاصي أخلاقيات الأبحاث الحيوية في جامعة جنوب كاليفورنيا، والذي عمل سابقاً في منظمة الصحة العالمية، حيث يقول:

“أسئلةٌ تقنية مثل الكيفية التي يجب أن تقام بها الدراسات والعلاجات الطبية المتضمنة لِعمليات تعديلٍ جينية بشكلٍ يراعي أخلاقيات الأبحاث الحيوية، ما هي آليات الرقابة القانونيّة التي يجب أن تطبقها الدول، لتضمن عدم حدوث محاولات مارقة  للتعديل الجيني دون الالتزام بالضوابط المُتفق عليها، وما الكيفية التي يجب على الدول أن تتعامل بها في موضوع مشاركة المعلومات المُستقاة من هذه الأبحاث”.

ما الأمور التي ستعجز هذه الإرشادات عن تحقيقها؟

بالرغم من أن اليونيسكو توجد لديها لجنةٌ مختصةٌ بأخلاقيات الأبحاث الحيوية، وأطلقت في السابق تصريحاتٍ متعلقةً بموضوع التعديلات الجينية، فإن كابرون يرى أن اللجنة الجديدة التابعة لمنظمة الصحة العالمية تُسلِّط الضوء على الحالة الراهنة للتعديلات الجينية، وبدلاً من أن تكون تقنية كريسبر مسألةً من اختصاص العلماء وحدهم، صارت من أمور الصحة العامة.

ومع ذلك يقول كابرون “منظمة الصحة العالمية ليست هيئةً تنظيمية أو رقابية، فليس لديها القدرة على إنفاذ توصياتها. فهي لا تعدو مجرد هيئة تابعة للأمم المتحدة مختصّة بالصحة”. تهدف الإرشادات التي تضعها اللجان الاستشارية التابعة لمنظمة الصحة العالمية ومنها تلك اللجنة الجديدة إلى وضع معايير دولية مدعومة بأبحاث متعمقة، لتقتدي بها الدول الأعضاء  في المنظمة لوضع قوانينها الوطنية المُنظمة  لشئون البحث العلمي والعلاجات الطبية، وكيفية إنفاذها بشكل فاعل. لا شك إنها خطوة على الطريق الصحيح، لكنَّ هناك الكثيرَ من المشكلات يحتمل مواجهتها فيما يتعلق بموضوع التعديل الجيني والتي تقع خارج نطاق اختصاص منظمة الصحة العالمية.

تقول “كيلي أورموند” عالمة الوراثة في جامعة ستانفورد: “العديد ممن يعملون في مجال تعديل الجينوم البشري، يشعرون حقاً أنَّ أكبر مشكلةٍ تتعلّق بهذا الموضوع عدم وجود من يقوم بوضع قوانين ملزمةٍ دولياً، تنظم هذا المجال”.

ما الذي يجب علينا توقعه من هذه الإرشادات؟

يقول كابرون عندما تدخل عملية تحرير جينات الخلايا التناسلية المُنشئة إلى المعادلة “فإنك تقوم بتغيير المجتمع بطريقة كبيرة، لن تساعدك معها مجرد إرشادات تقنية”. ولا يعني ذلك أن منظمة الصحة العالمية كانت اختياراً سيئاً، ولكن  الصعب أن نعرف بالضبط ما إذا كان لدينا منظمة قائمة قادرة على التصدي لهذه المهمة بالذات”.

تضم اللجنة الاستشارية الجديدة باحثين ومختصين بأخلاقيات البحوث الحيوية في كلٍ من مجالي القانون والفلسفة. بينما يغيب عنها ممثلون عن مجالات أخرى مثل علماء الاجتماع، المدافعون عن حقوق المرضى، المؤرخون وكلُّ منهم مهيأ بشكل جيِّد لمساعدة اللجنة في التعامل مع بعض الأسئلة الاجتماعية الكبرى الملازمة لإدخال تعديلاتٍ على الجينوم البشري.

تأمل كيلي أورموند في رؤية المبادئ الإرشادية الجديدة تتجاوز الإرشادات الوطنية التي صدرت سابقاً -مثل تلك التي أصدرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا في 2017- مع الأخذ بأفضل ما جاء بها. وتقول إن التوصيات السابقة قامت بتقديم مبادئ كبرى، لكن ظل بإمكان الباحثين تفسير تلك المبادئ بطرق مختلفة للغاية، مثل “هي جانكوي” الذي وقف وراء أزمة التوأم المعدل وراثياً، والذي دافع عن عمله بذريعة أن ما فعله “سيحمي ملايين الأطفال من المرض”.

وجود مبادئ إرشادية محددة، تأخذ من المبادئ العامة، وتترجمها بشكل يحدد ما هو المقبول أو المرفوض، سيساعد على اجتناب مثل هذه التبريرات المبهمة.

وتشير أورموند إلى أن منظمة الصحة العالمية لديها فرصةٌ ليس فقط لتحديد ما يجب اجتناب فعله، لكن أيضاً لوضع أجندة بحثية دولية. فيمكنهم النظر إلى الأبحاث التي تجري في جميع أنحاء العالم، وتحديد الثغرات التي بإمكان البلدان الأعضاء في منظمة الصحة العالمية أن تُوجِّه لها التمويل والزخم البحثي. في الوقت الحالي تقول أورموند إنها وزملائها يحاولون تخمين المعلومات التي قد تكون مفيدةً لوضع أجندتهم البحثية، ويحاولون كذلك تخمين ما يفكر به الباحثون الآخرون حول العالم، وأنواع التعديل في الجينوم البشري التي يجب ان يعملوا عليها. إذا كان بوسع هيئةٍ دولية مثل منظمة الصحة العالمية ان تضع ثِقلها وراء أجندة دولية لأبحاث تعديل الجينوم البشري، ستكون بمثابة إشارة للحكومات والباحثين أن التعاون الدولي مطلوب في هذه المسألة التي تؤثر على كل إنسان.

error: Content is protected !!

 

ساهموا معنا في استبيان بوبيولار ساينس - العلوم للعموم

للحصول على محتوى يناسب اهتمامكم

اضغط هنا