Reading Time: 4 minutes

قبل 120 مليون سنة، كانت معظم الطيور تنتمي إلى مجموعة منقرضة تدعى «الطيور النقيضة»؛ هذه الطيور القديمة كانت تشبه الطيور التي نراها اليوم إلى حدٍ كبير، ولكنها امتلكت أسناناً أكبر حجماً، ومخالبَ على أجنحتها، والنظام الغذائي لهذه الطيور لا يزال مجهولاً نوعاً ما.

بكونها المجموعة الأكثر انتشاراً وتنوّعاً في أوائل العصر الطباشيري؛ شكّلت هذه الطيور حوالي 75% من المستحاثات المُريّشة التي وُجدت في شمال غرب الصين خلال القرن المنصرم، ولكن على الرغم من وفرة الأدلة، كان من الصعب تحليل محتويات المعدة لهذه الطيور، لأنّها لا تُحفظ بشكل جيّد. نُشرت دراسة جديدة في شهر فبراير/ شباط الماضي في دورية «فرونتيرز إن إيرث ساينس»؛ تلقي الضوء على عادات الغذاء الخاصة بهذه الطيور، وتمثّل خطوةً للأمام في دراسة الأنسجة الطريّة المتحجّرة.

بلورات كوارتز

تخصصت الدراسة الجديدة في بلورات الكوارتز التي اكتُشفت داخل طير متحجّر في نظام «جيهول بيوتا» البيئي في الصين. في 2015، استنتج باحث من معهد علم المستحاثات الفقاريّة وعلم الإنسان القديم؛ التّابع للأكاديمية الصينيّة للعلوم، أن طائراً متحجّراً من نوع «بوهايورنيس جوي»، ابتلع صخرتان عن عمد لطحن الأطعمة في معدته، لكن المقارنات اللاحقة مع مستحاثات أخرى من نفس النظام البيئي، بيّنت أن هذه الصخور لم تشبه تلك التي كانت تُستخدم عادةً لطحن الطعام.

طيور, حفريات طيور, بلورات

صورة بالأشعة السينيّة للبلّورات المحفوظة في معدة نوع الطيور «بوهايورنيس جوي»؛ تساعد في تشكيل تسلسل زمني لطريقة تحجّر معدن الكوارتز. – الصورة: ليو وفريقها/ معهد علم الحفريات الفقارية وعلم الإنسان القديم.

في العديد من الحالات، يشير اكتشاف الصخور المحفوظة داخل معدات الكائنات المتحجّرة، إلى أن الكائن استخدم الصخور الصغيرة لتسهيل هضم الأطعمة القاسية من الحبوب والحشرات. هذه الصخور المميّزة؛ التي تدعى «حصوات المعدة»، تستقر في قسم من المسلك الهضمي؛ اسمه «الطاحونة المَعديّة». تتبع بعض أنواع الحيوانات؛ مثل الأسماك والزواحف، هذا السلوك لحد اليوم، وبشكل مشابه؛ وجد الباحثون الذين يدرسون الطيور الحديثة والقديمة، أدلّةً على وجود قطع من الحصى تتناولها الطيور لتنظيف المخاط والشوائب الأخرى من المسلك الهضمي بعد تناول الطعام.

الصخور التي تُبتلع من قبل حيوان حيّ تُحافظ على شكلها؛ حتّى بتعرّضها لعوامل الضغط مع مرور الوقت.

على ضوء المكتشفات السابقة، قرّرت «شومين ليو»؛ المؤلّفة الرئيسية للورقة العلمية الجديدة، وطالبة سابقة في معهد علم المستحاثات الفقاريّة وعلم الإنسان القديم، تحليل التركيب الكيميائي للأحجار المَعديّة التي وُجدت في مستحاثة الطائر «بوهايورنيس جوي». فحصت ليو العيّنات بتطبيق طريقة «التقسيم بالحتّ»؛ التي تتضمن صقل البلورات إلى أن يصل سُمْكها لدرجة تكفي لمعاينة تفاصيلها باستخدام المجهر، كما استَخدمت أيضاً تقنية «الاستجهار الإلكتروني» (الدراسة بالمجهر الإلكتروني)؛ وهي تتضمن مسح سطوح العيّنات باستخدام شعاع من الإلكترونات، لتوليد صور مكبَّرة لها. أخيراً، حددت ليو التركيب الكيميائي للأحجار عن طريق تقنية الاستجهار المشتّت للطّاقة؛ وهي طريقة تثير الإلكترونات الموجودة في جزيئات العيّنات لتوليد إشارات تكشف عن تركيبها.

بهذا استطاعت ليو تشكيل توصيف عام لهذه الأحجار؛ يميّزها عن الحصوات المعديّة المحفوظة في كل الجوانب تقريباً. تقول «جينجامي أوه كونور»؛ أمينة الزواحف الأحفورية المساعدة في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي في شيكاغو، وواحدة من مؤلفي الدراسة الجديدة: «هذه الأحجار من «العقيق الأبيض»؛ وهو عملياً كوارتز مترسب في الصخور الرسوبية»، وتضيف: «آثار هذا المعدن قليلة؛ مما يدعم فرضية أن الترسّب حدث أثناء تشكّل المستحاثة». الأحجار التي تُبتلع من قبل حيوان حيّ تحافظ على شكلها؛ حتّى بتعرضّها لعوامل الضغط مع مرور الوقت. أكبر أجزاء العقيق الأبيض التي وجدت في المستحاثات كانت مسطّحة؛ مما يرجّح أنها تجمّعت على بعضها في الهيكل العظمي للطير بعد موته.

يمكن أيضاً أن تكون البلورات قد تشكّلت من المستحاثّة نفسها. تقول أوه كونور: «من المعقول جداً أن مصدر الكربون الموجود في البلورات هو الأنسجة الطريّة للطائر، ولكن يتطلّب هذا المزيد من التحليلات للتحقق منه».

حفريات طيور, طيور قديمة, بوهايورنيثيد سولكافيس

«بوهايورنيثيد سولكافيس»؛ وهو نوع قريب للغاية من «بوهايورنيس جوي»، يصيد حشرة. – الصورة: إس أبفراموفيتش، معهد الديناصورات، متحف التاريخ الطبيعي في مقاطعة لوس أنجلوس

لماذا نفهم نمط الغذاء للكائنات القديمة؟

فهم نظام الكائنات القديمة الغذائي هو أمر ضروري، لأن طبيعة الجهاز الهضمي يمكن أن تقدّم أدلةً على القدرات الجسدية لهذه الكائنات عندما كانت حيّة. وفقاً لأوه كونور، هذا الربط بين النظام الغذائي والقدرات الجسدية، مثير بشكلٍ خاص عند الطيور؛ إذ أنّه يمنح الباحثين طريقةً لفهم تطوّر البنى الفريدة في الأنواع المريّشة الحديثة.

تقول أوه كونور: «للطيور جهاز هضمي مختلف للغاية، لأن الطيّران يتطلب جهداً جسدياً أكثر من أية طريقة أخرى للتنقل؛ لذا فالطيور يجب أن تحصل على مدخول كبير من السعرات الحرارية لتتمكن من ذلك، ومقارنةً بكل السَلَويّات؛ طرأت تعديلات على الجهاز الهضمي للطيور بعدة طرق مختلفة».

من وجهة نظر أوه كونور؛ من الغريب أن عدداً قليلاً فقط من مستحاثات الطيور النقيضة تحتوي بقايا مبتلعةً؛ مقارنةً بمجموعات منقرضة أخرى، ولكن هناك أسئلة أخرى أكثر أهميةً نتجت عن الدراسة التي شاركت بتأليفها.

مثلاً، يهتمّ «آشلي باوست»؛ وهو باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في علم الحفريّات الفقارية في متحف التاريخ الطبيعي في سان دييغو، بأصول معدن العقيق الأبيض، ويقول: «يبدأ الباحثون في التحقق من شيء ما بالتجارب، ولكن خلال عملية إثبات نقيض هذا الشيء، يكتشفون ظاهرةً جديدة؛ في هذه الحالة، إمكانية التمعدن الموضعي للعقيق الأبيض؛ وهذا أمر رائع للغاية».

يأمل كل من باوست وأوه كونور أن التقنيات الكيميائية التي استُخدمت على عينة بوهايورنيس جوي، ستصبح متّبعةً أكثر في تحليل المستحاثات، ويقول: «في علم الحفريات، هناك أحياناً معلومات وبيانات لا تكون واضحةً بالعين المجردة، حقيقة أن الباحثين قاربوا الموضوع عن طريق مزيج من الفحص والطرق التجريبية؛ التي تتضمن معاينة عينات مدمّرَة، هو أمر مثير».

تقول أوه كونور: «نحن نحاول إثبات أن هذه هي الطرق التي يجب اتّباعها عند وجود آثار غير اعتيادية من مواد معيّنة»، وتضيف: «يجب أن نعاين هذه الآثار الغريبة من أكثر من زاوية ممكنة».

بالنسبة لفريق أوه كونور؛ هذا قد يعني التعمّق أكثر بألغاز عادات التغذية الخاصّة بالطيور النقيضة، وعلى الرغم من احتواء إحدى العيّنات في إسبانيا على آثار لوجود لافقاريّات المياه العذبة، إلا أن مستحاثات نظام «جيهول بيوتا» كانت أقل وضوحاً. تقول أوه كونور: «الخلاصة هي: من الغريب فعلاً أننا لا نمتلك أية أدلة تخص الأنظمة الغذائيّة لهذه المجموعة. يبدو أنه من غير المرجّح أن كل أنواع هذا الفرع الحيوي المتنوّع كانت تتغذّى على الأطعمة الطرية التي لا تترك أثراً».

وهذا إضافة إلى حقيقة أن النواحي الأخرى للمستحاثات محفوظة بشكل جيد للغاية، تقول أوه كونور: «إنّها رائعة للغاية؛ إذ أنّ المستحاثات تحتوي على الرّيش بشكلٍ كامل، وأحياناً أكثر من ذلك؛ مثل أنسجة الجسم كلّها. إنها تبدو كالطيور التي تموت بسبب الاصطدام بالسيارات على الطريق. إنّها مذهلة فعلاً».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.