Image

أوبورتيونيتي؛ نحن نثق بقدراتك.

Bread assortment تصور فني للعربة الجوالة أوبورتيونيتي على كوكب المريخ. مصدر الصورة: ناسا

عربة ناسا الجوالة “أوبورتيونيتي” هي العربة التي نجحت بالبقاء لأطول مدة على سطح المريخ. حيث شهدت يوم السبت في 17 فبراير، شروق الشمس للمرة 5,000 على سطح ذلك الكوكب البعيد، في حين لم يكن مقرراً لها أن تشهد ذلك سوى 90 مرة. ولكن رحلة أوبورتيونيتي الماراثونية انطلقت حقيقةً في مرحلة مبكرة جداً، وذلك عندما كان سباق الفضاء في ذروته على مستوى العالم. ومع الإقرار بالفضل لواتي بايبر ومحركه الصغير المحبوب، نبدأ حكايتنا في مطلع ستينيات القرن الماضي. حيث كانت ناسا تعمل على جبهات متعددة، فقد كانت تسعى لإرسال البشر إلى القمر للمرة الأولى، وفي نفس الوقت كانت تكافح أيضاً للوصول إلى المريخ والزهرة بمركبات فضائية غير مأهولة. كان الاتحاد السوفييتي هو الآخر يكثف من جهوده باتجاه كلا الكوكبين (المريخ والزهرة)، ولكن الفشل المتكرر الذي باءت به سلسلة من عمليات الإطلاق منح علماء ومهندسي ناسا فرصةً لالتقاط أنفاسهم. إلا أن العلماء لم يكونوا واثقين مما هو موجود على سطح المريخ؛ هل يحتوي على أحد أشكال الحياة؟ ما هي طبيعة الغلاف الجوي هناك؟ هل يوجد ماء هناك؟ لمعرفة ذلك، يتوجب عليهم أن يخوضوا مجازفات كبيرة ويحاولوا الوصول إلى هناك.

قرعت ناسا جرس الإنذار وتحولت إلى خلية من النحل حيث الجميع منهمك بالعمل من إجراء الأبحاث إلى ابتكار الحلول، لتبدأ وكالة الفضاء العملاقة شيئاً فشيئاً بشق طريقها نحو الكوكب الأحمر البعيد. لقد كانت الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء سعيدة لأن لديها مثل هذه الأهداف الطموحة للعمل على تحقيقها. فقد كانت المهمة مليئة بالأسئلة العلمية الكبيرة التي تحتاج للإجابة بشأن ذلك العالم البعيد.

كان هناك أماكن يمكن استكشافها تحتوي على كميات كبيرة من الماء، وأماكن أخرى قد لا نجد أي أثر للماء فيها، وربما نجد حتى بعض السحب. كما أن هناك تضاريس طبيعية، تتضمن الجبال والحفر والأودية والأخاديد وأضخم بركان لم يسبق لنا أن رأينا مثله. وكان هناك قوائم من المتطلبات تتعلق بعينات التربة، وقراءات التحليل الطيفي، وآلات الحفر بالليزر، وآلات الطحن ذات الرؤوس الماسية، وأجهزة التصوير المجهرية، والتجارب البيولوجية، وكل الأشياء التي يمكن للعالِم أن يحتاجها في عمله على كوكب الأرض.

ولكن ذلك لم يكن كل شيء، فهناك عدد هائل من الأشياء التي يمكن العثور عليها على سطح المريخ. ربما هناك حياة من نوع ما على سطح الكوكب، سواء كانت أدلة أحفورية لكائنات عاشت فيما مضى، أو حتى ربما ميكروبات لديها قدرة شديدة على البقاء في الوقت الحاضر. ربما يكون الكوكب قادراً حتى على توفير مقومات الحياة في المستقبل بوجود مناطق جليدية قطبية مليئة بالماء الذي يمكن للبعثات المستقبلية المأهولة أن تستفيد منه، إضافة إلى المعادن والموارد الأخرى التي تساعدنا على بناء مشاريع صناعية وتقدم لنا المزيد من المعلومات عن تاريخ الكوكب. علاوة على هذا، قد نتمكن بزيارتنا لهذا الكوكب من الحصول على صور خلابة لتكون مصدراً يبعث على المتعة المليئة بالإثارة والجاذبية.

كانت وكالة الفضاء العملاقة تحمل كل هذه الآمال الكبيرة التي يتطلع لها العلماء إلى الكوكب الأحمر القابع في مدار إهليلجي آخر. لقد بذلت جهداً كبيراً للمضي قدماً، ولكنها لم تتمكن من إحراز تقدم كبير على الصعيد العلمي في ظل حاجتها للمزيد من البيانات. لقد حاولت كثيراً، إلا أنه لم يكن بمقدور هذه الوكالة العملاقة أن تواصل استكشاف المزيد من أفكارها عن الكوكب الآخر ما لم تتمكن من زيارة المريخ بشكل فعلي.

ما الذي كان بمقدور جميع العلماء على كوكب الأرض أن يفعلوه من دون أدوات بارعة تساعدهم على إجراء الاختبارات وبيانات مفيدة ليقوموا بتحليلها؟

المركبة الفضائية “مارينر 4”.
مصدر الصورة: ناسا

وفي أحد الأيام، هتف بعض مدراء المشروع بصوت عالٍ: “ها قد حصلنا أخيراً على تمويل جديد واعد! لنر ما الذي يمكننا أن ننجز به!”. ليهتف جميع العلماء بدورهم معاً: “من فضلك أيها التمويل جديد! أرسل بعثاتنا إلى الكوكب الذي يقبع في المدار الإهليلجي الآخر. لقد وصلت أبحاثنا إلى طريق مسدود، وقد يسبقنا السوفييت إلى العوالم الأخرى، ولن يتمكن علماءنا من الحصول على أي بيانات ليعملوا عليها إن لم تساعدنا”.

ولكن التمويل الجديد الواعد لم يكن كافياً لإنجاز الكثير، فتقول بعثات مارينر بدورها وهي متذمرة: “هل سأكون أنا الوسيلة التي تنقلكم؟” وتضيف: “اسمعوني فإذاً، لا يزال علينا معرفة بعض الأساسيات المتعلقة بزيارة الكواكب، ناهيكم عن استكشافها. فالبعثة مارينر 3 لم تتمكن من التموضع بشكل صحيح، في حين نجحت البعثات مارينر 4، 6، و7 بالحصول على بعض الصور الجيدة للمريخ أثناء التحليق بجواره، أما البعثة مارينر 8 فلم تتمكن حتى من بلوغ مدار الأرض، ولكن مهلاً، قد تتمكن مارينر 9 على الأقل من الحصول على خريطة كاملة لسطح المريخ، وإلقاء نظرة خاطفة على أقماره”. وهكذا كان مصير بعثات مارينر، فمنها من حلق في مدار حول الشمس، أو ارتطم بكوكب ما، أو تاه في أعماق الفضاء الباردة والمظلمة.

يا للحزن الذي أصاب وكالة الفضاء العملاقة وجميع علماء الكواكب!

هناك دائماً فيض من المشاعر المتضاربة عند نهاية أية بعثة: الحزن الذي يرافق النهايات على الدوام، والحماسة لما حققته هذه البعثة. شكلت البيانات من بعثات مارينر إلى المريخ مفاجأة حقيقية. فقد بينت عدم وجود قنوات على السطح، كما كان الاعتقاد سائداً في القرن التاسع عشر، ولكنها كشفت وجود وديان وبراكين هائلة. إن هذا الكوكب أكثر تعقيداً مما كنا نظن، ما يعني أن الباحثين كانوا تواقين للعودة إليه لاكتشاف المزيد. ومن حسن الحظ، فقد بدأ التخطيط لبعثة أكثر تركيزاً على النواحي العلمية. وفي 1968، انطلقت بعثات فايكنج نحو المريخ، مزودة بأحدث المعدات العلمية. أما الهدف، فقد كان الهبوط بأمان على السطح، والتقاط الصور للكوكب، ومن ثم اختبار التربة بحثاً عن أشكال الحياة الميكروبية.

وعندها هتف العلماء: “ليست بعثات مارينر هي الوحيدة التي يمكن أن نطلقها! هناك بعثة جديدة مقبلة، وهي كبيرة وقوية. لنر ما إذا كانت مستعدة لمساعدتنا!”

لوح العلماء بقوائم طلباتهم، واتجهت بعثات فايكنج إلى منصة الإقلاع، وأخذ العلماء يذكّرونها: “نرجوك أيتها البعثة الكبيرة القوية! أجيبي عن أسئلتنا العلمية حول الكوكب في المدار الإهليلجي الآخر، فبدون مساعدتك، لن يكون لدينا أية بيانات لنعمل عليها”.

وأجابت بعثات فايكنج بصوت غاضب مرتفع: “رويدكم… أتريدون مني أنا أن أستخلص كل هذه البيانات؟ أنا عبارة عن زوجين من المسابر المدارية والسطحية المتطورة القادرة على الهبوط على سطح كوكب آخر. يمكن أن أرسل لكم أدق الخرائط على الإطلاق للسطح، ويمكن أن أرسل 1,400 صورة من السطح، وآخذ عينات من الصلصال الغني بالحديد، وأرى العواصف الغبارية عن كثب من السطح للمرة الأولى. ولكن مسابري السطحية لا تقدر على الحركة، وستتوقف عن الاتصال بعد 4 إلى 6 سنوات، وستخزن بياناتها على فيلم مصغر وتُهمل لعشرين سنة”. وهكذا فقدت بعثات فايكنج الاتصال مع الأرض تدريجياً.

خيم الحزن مرة أخرى على إدارة الوكالة العملاقة وعلماء الكواكب.

صورة التقطتها بعثة فايكنج 2 على المريخ
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث

لم تعثر بعثات فايكنج على أي أثر للحياة، وكانت ناسا قد بدأت تدخل مرحلة جديدة في عملها. وبدءاً من السبعينيات، تعرضت ميزانيتها لتخفيضات كبيرة، حتى أن بعثات أبولو توقفت. أما المريخ فقد بدا أبعد من الأحلام. وتعرض أحد المسابر المدارية (مراقب المريخ) للعطل، ونجح آخر (الماسح المريخي الشامل). ولكننا رغبنا بالعودة إلى سطح المريخ، مع إمكانية التنقل عليه لهذه المرة. غير أننا واجهنا مشكلة واحدة: لم يكن لدى ناسا تلة من الأموال لإنفاقها على بناء عربة جوالة روبوتية. وفي 1997، وصلت باثفايندر إلى المريخ.

“لا تحزنوا”، قالت إدارة الوكالة العملاقة، وتابعت: “ليست بعثات فايكنج هي الأخيرة في العالم. وها هي فرصة جديدة، ولكن يجب أن نقتصد كثيراً في التكاليف ولا نتجاوز الميزانية هذه المرة”.

وأخذت إدارة الوكالة العملاقة تلوح بتقديراتها المالية وتناجي بصوت مرتفع:

“نرجوكما أيتها الميزانية الشحيحة وأيها الجدول الزمني المحدود، احملا بعثاتنا إلى الكوكب القابع في المدار الإهليلجي الآخر. فقد وصلت أبحاثنا إلى طريق مسدود، وخرج السوفييت من سباق الفضاء. وبما أنه لم يعد لدينا من منافس، يجب أن نبرهن للجميع أننا ذوو جدوى اقتصادية جيدة. وبدون مساعدتكما، لن يكون لدى العلماء أية بيانات للعمل عليها”.

وصلت بعثة باثفايندر إلى المريخ مع العربة الجوالة سوجورنر، وأخيراً، تمكن البشر من التحكم بروبوت متحرك على سطح الكوكب الآخر. وقد بلغت حماسة علماء الكواكب حداً كاد يؤدي إلى تعطل الإنترنت في ذلك الوقت بسبب الضغط الهائل على الشبكة. غير أن العربة الجوالة الصغيرة بقيت تعمل لثلاثة أشهر فقط، وقالت في نهاية هذه الفترة: “أنا متعبة للغاية، ويجب أن أريح بطاريتي المنهكة. كما أنني لست مزودة بالكثير من المعدات العلمية، ولا أستطيع تقديم المزيد من المساعدة لتحقيق طموحاتكم الكبيرة على هذا الكوكب. لا أستطيع، لا أستطيع، لا أستطيع….” وهكذا، توقفت سوجورنر عن الاتصال مع الأرض.

عند هذا الحد، بلغ الحزن أشدّه بإدارة الوكالة العملاقة، وكان علماء الكواكب على وشك البكاء.

سوجورنر وباثفايندر على سطح المريخ
مصدر الصورة: ناسا

ولكن إدارة الوكالة العملاقة هتفت فجأة: “هناك بعثات أخرى قادمة، بعثات واعدة للغاية، قد تساعدنا!”

دام عمل العربة الجوالة الصغيرة في بعثة باثفايندر ثلاثة أضعاف المدة التي تم التخطيط لها، غير أن هذه المدة بقيت وجيزة للغاية. ولكن سوجورنر برهنت خلال حياتها القصيرة أنه من الممكن إرسال عربة جوالة إلى المريخ. وفي 2003، أطلقت ناسا إلى المريخ عربتين جوالتين، أكبر حجماً، وبتجهيزات علمية اختصاصية.

كانت البعثات الواعدة للغاية تتمشى عبر اجتماعات الميزانية ودراسات إمكانية التنفيذ. وعندما رأت أن إدارة الوكالة العملاقة بحاجة للمساعدة، قررت أن تتوقف لتلقي التحية.

قالت البعثات بلطف: “ما المشكلة أيها الأصدقاء؟”

وبدأ علماء الكواكب بالبكاء: “أيتها البعثات الواعدة! نرجوك أن تأخذينا إلى الكوكب في المدار الإهليلجي الآخر. نحن بحاجة المزيد من المعلومات، ومن دون مساعدتك، لن يكون لدينا أية بيانات للعمل عليها. نتوسل إليك أن تساعدينا”.

قالت البعثات الواعدة: “أنا لست كبيرة جداً. وقد تعرضت ميزانية إدارتكم لتخفيضات كبيرة، بما أنكم لم تعودوا مضطرين للتنافس مع السوفييت”.

وردّ العلماء مجتمعين: “ولكن يجب أن نصل إلى الكوكب الآخر مرة ثانية قبل أن نموت!”

ونظرت البعثات إلى الدموع المنهمرة من أعين العلماء المليئة بالأمل، وفكرت بالأبحاث التي دامت أجيالاً كاملة، والتي يمكن أن تضيع بدون المزيد من البيانات.

واتخذت البعثات قرارها: “أنا موافقة، لكم ما أردتم”، وهكذا علق علماء الكواكب آمالهم على سبيريت وأوبورتيونيتي، العربتين الجوالتين التوأمتين المتجهتين إلى المريخ.

زمجرت صواريخ دلتا 2 منطلقة نحو الفضاء بسرعة، وهي تحمل العربتين المزودتين بالأكياس الهوائية اللازمة لتحمل الهبوط، والمحملتين بمجموعة متكاملة من الأدوات العلمية، وعمت البهجة لدى مهندسي الرحلة في مركز التحكم بالبعثة، وبدأوا بالهتاف والتهليل.

إقلاع أوبورتيونيتي نحو المريخ
مصدر الصورة: ناسا

أخيراً، هبط كل من سبيريت وأوبورتيونيتي على سطح المريخ بأمان، وهما ترددان أناشيد الأمل: “أنا أستطيع… أنا أستطيع…”. وامتدت أمامهما كميات هائلة من المعلومات التي يجب الحصول عليها، وواصلتا ترديد هذه الأناشيد خلال الأيام التسعين الأولى من البعثة، وهما تعملان على جمع مئات الآلاف من الصور، وحفر الصخور والفلزات على السطح، والعثور على أدلة على أن المياه كانت فيما مضى تتدفق على سطح المريخ. وهكذا، ومع أناشيد الأمل، تابعت العربتان العنيدتان عملهما في مواجهة فصول الشتاء المتجمدة على المريخ بعد أن تمكنتا من اجتياز تخفيضات الميزانية على الأرض.

أرسلت سبيريت آخر بث إلى الأرض في 2010، وانتهت مهمتها في 2011، غير أن أوبورتيونيتي تابعت العمل، وأكملت مسافة سباق ماراثون على المريخ، وحصلت على تحديثات برمجية للتزود بذكاء اصطناعي، وراكمت كمية هائلة من المعلومات للباحثين على الأرض.

هتفت إدارة الوكالة العملاقة وجميع علماء الكواكب: “مرحى! مرحى! لقد ساعدتنا أيتها العربة الجوالة الصغيرة، ولهذا نحن نشعر بالسعادة الغامرة!” وابتسمت أوبورتيونيتي بعد أن استيقظت في فجر اليوم رقم 5,000 على سطح المريخ وقالت: “أنا أشعر بالفخر! لا شكر على واجب”.

أبورتيونيتي ليست وحيدة على سطح المريخ، حيث تشاركها في هذا الكوكب العربة الجوالة كيوريوسيتي التي انطلقت في 2012. وستنضم إليهما قريباً عربات أخرى، بما فيها مارس 2020 التي ما تزال في مرحلة التطوير.

error: Content is protected !!