Reading Time: 4 minutes

وضعت ناسا خططاً كبيرة لأحدث عرباتها الجوالة، مارس 2020، التي ستنطلق في صيف العام 2020 (وضوحاً) وستصل إلى الكوكب الأحمر بعد ذلك بعدة أشهر في فبراير. ويعتمد اختيار موقع الهبوط لبعثة كهذه بشكل مباشر على الدراسات التي ستحتل مراتب عليا على سلم الأولوية للبعثة. ولهذا فإن اختيار حفرة جيزيرو لهذا الغرض -الذي أعلنت عنه ناسا مؤخراً- يؤكد رغبتها وشركائها في معرفة إذا كان المريخ (أو ما زال) موطناً لحياة فضائية من نوع ما.

وهذا ليس تقديراً وحسب، بل هو أمر عبر عنه العلماء أنفسهم بصراحة. يقول تيموثي جاوج (عالم كواكب في جامعة تكساس بأوستن): “هناك تنوع كبير في التفجرات الأرضية (بروز الطبقات الصخرية السفلى فوق سطح الأرض) وأنواع الصخور التي يمكن الوصول إليها في هذا الموقع، التي يمكن لمارس 2020 تفحُّصها بدقة لتحسين صورتنا عن البيئة القديمة على سطح المريخ إلى حد كبير، ودراسة احتمال حفظها لأي دليل حول وجود الحياة فيما مضى”. ويصف جاوج حفرة جيزيرو بأنها “موقع هبوط رائع سيتيح لنا فرصة كبيرة لإجراء دراسات علمية معمَّقة ومثيرة للاهتمام”.

وقد اختيرت الحفرة -التي يبلغ عرضها حوالي 45 كيلومتراً- من مجموعة نهائية من ثلاثة مواقع مرشحة، وهي تتضمن نورث إيست سيرتيس (وهو موطن أنظمة مائية حرارية مدفونة تحت السطح) وكولومبيا هيلز (المعروفة بأنها كانت موطناً للعديد من الينابيع الساخنة)، إضافة إلى مرشح احتياطي من مرتبة أقل، وهو موقع ميدواي (وهو أيضاً موطن نشاط مائي حراري قديم). وكانت حفرة جيزيرو ونورث إيست سيرتيس في المقدمة، ولكن لم يتفوق أحد الخيارين على الآخر بشكل واضح من حيث الدعم. وفي النهاية قام توماس زوربوكين (المدير المساعد لإدارة البعثات العلمية في ناسا) باختيار جيزيرو.

وفي الواقع فإن مكان جيزيرو يبرِّر اختيارها بوضوح، حيث تقول بريوني هورجان (البروفسورة المساعدة في علوم الكواكب في جامعة بوردو، والتي ساهمت في تقييم المواقع المرشحة): “نعتقد أنه يمكن أن نخرج لاحقاً من جيزيرو إلى المناطق السهلية المحيطة، ومنها إلى ميدواي -أحد المواقع الأخرى- حيث توجد بيئة جيولوجية مختلفة تماماً. كما أعتقد أن الفريق بأسره يشعر بحماس شديد حول هذه المسألة بالتحديد؛ حيث إن العينات التي يمكن أن نحصل عليها من كلا الموقعين تعتبر ثمينة للغاية، ولن تكون مهمة لدراسة المريخ وحسب، بل لدراسة النظام الشمسي بأسره”.

غير أن جيزيرو كانت من الخيارات المفضلة من قبل، ويعود هذا على الأرجح إلى أنها تعتبر من أقدم أحواض البحيرات المحفوظة على سطح المريخ. وتعتقد بريوني وزملاؤها أنها كانت بحيرة نشطة متصلة بنظام نهري خلال الحقبة النوشية (الحقبة الجيولوجية المريخية التي تعود إلى ما بين 4.1 و3.7 مليار سنة)، عندما كان النشاط المائي على سطح المريخ في ذروته، حيث كان واديان رئيسيان من وديان الأنهار يصبان في حوض البحيرة، وكان الماء يخرج من وادٍ ثالث.

يقول جاوج: “عندما كانت البحيرة موجودة، فمن المرجح أنها كانت تشكل بيئة صالحة للحياة كما نعرفها؛ أما السؤال الحقيقي فهو إذا ما كانت تحتفظ فعلياً بأدلة على هذه الحياة الماضية، وهو سؤال ما زال بلا إجابة حتى الآن، وهو أساس أغلب الدراسات التي ستجريها بعثة مارس 2020”.

وعلى الرغم من أن الماء اختفى منذ زمن، فإن جيزيرو تتميز بتفجرات أرضية محفوظة حتى الآن لدلتا نهرية تدخل إلى البحيرة السابقة، التي كانت تحوي على الأرجح كميات هائلة من الرواسب التي كانت تحمل المواد المعدنية والعناصر القديمة إلى قعر البحيرة السابقة. يقول جاوج: “تلعب هذه الخزانات من الرواسب دور سجل لظروف التشكل والتغيرات على مدى فترة نشاطها، وإذا تحركت العربة الجوالة فوق طبقات مختلفة، فسوف تتمكن من قراءة السجل المعبر عن طبيعة الموقع منذ عدة ملايين من السنوات. وعندما تقوم الدلتا بجمع المواد من المياه التي تمر فيها، فإن عملية نقل هذه المواد من النهر إلى بحيرة جيزيرو كانت ستؤدي إلى تركيز أية مواد عضوية موجودة ضمن طبقات محدَّدة من خزان الرواسب، أي أنه لدينا فكرة جيدة عن المكان الذي يجب أن نتوجه نحوه لدراسته بحثاً عن الآثار البيولوجية المحتملة فور هبوطنا”.

ولكن من أكثر صفات جيزيرو إثارة للاهتمام هي أنها موطن للأملاح الكربونية، التي يمكن أن تقود إلى دلالات أقوى على وجود الحياة على المريخ؛ حيث يحيط بالمريخ غلاف جوي مليء بثنائي أكسيد الكربون، وعندما يهطل المطر يتحول إلى حمض الكربونيك، الذي يؤدي إلى تشكيل أملاح الكربون -أو الكربونات- على السطح.

ولكن على المريخ، يندر وجود أملاح الكربون بشكل غامض، بل الأكثر غموضاً أنها متوافرة في حفرة جيزيرو. ووفقاً لهورجان، فمن الممكن أنها ترسبت من المياه نفسها، وهي تقول: “إن الترسب السريع للمواد المعدنية في المياه بهذه الطريقة يحتبس أية كائنات تعيش في المياه بشكل جيد”، ومن المحتمل -ببساطة- أن خزانات الكربونات قامت بحفظ أية ميكروبات مريخية كانت تعيش في قعر البحيرة أو قرب الشاطئ، أو أية آثار عضوية أنتجتها هذه الكائنات، كما تشرح هورجان: “من المحتمل أن نتمكن من كشف هذه الأشياء مباشرة بالأجهزة التي تحملها العربة الجوالة. إنه احتمال يُشعرنا بالحماس”.

فوق كل هذا، قد يكون هناك تدفق للحمم فوق رواسب البحيرة. ويمكن -بأخذ عينة من هذه الحمم- أن نفهم التاريخ الجيولوجي للمريخ بشكل أفضل، كما يمكن أن نحدد عمر جيزيرو وغيرها من الحفر على سطح المريخ بدقة أكبر.

تقول هورجان: “إن اجتماع هذه العوامل يجعل من جيزيرو مكاناً غنياً ومثيراً للاهتمام، ولطالما كانت من الخيارات المفضلة لهذه الأسباب”. وبفضل التقنيات التي تحملها مارس 2020، يمكن أن ندرس هذه المكونات بشكل تفصيلي.

إن المعلومات التي سنحصل عليها من جيزيرو ستُسهم في تعزيز صورتنا عن المريخ ككل؛ حيث إن التاريخ المائي في جيزيرو يتوافق مع النشاط المائي في أماكن أخرى على سطح الكوكب، وقد تمكنت الدلتا على وجه الخصوص من تجميع مواد من منطقة كبيرة وتركيزها في مكان واحد، مما يعني أن هذه العربة الروبوتية ستجد أمامها مجموعة هائلة التنوع من المواد التي يمكن أن تشبعها دراسة وتحليلاً. كما سنتمكن أيضاً من معرفة مدى مواءمة مناخ الحقبة النوشية للحياة المنتشرة على سطح الكوكب؛ تقول هورجان: “هذه أسئلة كبيرة، ولا تتعلق بجيزيرو وحسب، بل بالمريخ عموماً”.

ولكن ما الذي يميز مارس 2020؟ في وقت سابق من هذه السنة، تمكنت العربة الجوالة كيوريوسيتي من اكتشاف دليل على وجود مادة عضوية قديمة ضمن صخور الكوكب الأحمر. وتحمل مارس 2020 مجموعة من التجهيزات والأدوات المخبرية القادرة على التوسع في هذه الاكتشافات بتفصيل غير مسبوق. تقول هورجان: “تتميز هذه العربة بقدرات غير مسبوقة لإجراء دراسات عالية الدقة في الجيولوجيا والبيولوجيا الكونية”، وتشعر هورجان بالحماس لرؤية أدوات مثل “شيرلوك SHERLOC” (وهو مطياف أوَّلي لاكتشاف وجود المواد العضوية في الصخور) و”بكسل PIXL” (مطياف يستخدم الأشعة السينية لكشف العناصر المنفردة في العينات)، التي لن تستخدم للبحث عن آثار عضوية ودلائل على وجود الحياة القديمة وحسب، بل أيضاً لمعرفة أماكن توضُّع هذه الأشياء ضمن الصخور نفسها.

وهناك الكثير من الدراسات العلمية التي يمكننا إجراؤها باستخدام العربة الجوالة، وهو سبب آخر يفسر الحماس الذي يحيط بهذه البعثة، حيث تقول هورجان: “نحن نحاول إجراء دراسات بيولوجية كونية على السطح، وهو الهدف الأساسي من بعثة مارس 2020، ولكننا أيضاً سنتمكن من جمع عينات يمكننا أن نحضرها إلى الأرض في نهاية المطاف مع بعثة أخرى. وهو ما يجعل من هذه البعثة مثيرة للاهتمام، حيث ستكون لدينا العديد من الأولويات المتضاربة. هل سنحصر دراسة الصخور في بضعة أماكن فقط، أم سنتحرك بسرعة هنا وهناك لجمع أكبر عدد ممكن من العينات؟ أشعر بإعجاب شديد إزاء تقنيات هذه العربة الجوالة، وأعتقد أننا سنتمكن من تحقيق جميع هذه المهام المتضاربة”.