Reading Time: 9 minutes

كيف كان أفلاطون يعالج الصداع؟

كان بكل بساطةٍ يعطي المريض عشبة ليتناولها، ولكن عليه قراءة تعويذةٍ يلقنها للمريض عند تناولها، وبدون قراءة التعويذة، لن تكون للعشبة أية فائدة.

يمكننا الآن أن نطلق على تعويذة أفلاطون اسم «العلاج الوهمي»، أو ما يُعرف بـِ «البلاسيبو». في الواقع، عُرف استخدام العلاج الوهمي منذ آلاف السنين، وهو من العلاجات التي دُرست على نطاقٍ واسع خلال تاريخ الطب. عليك أن تعلم أنه في كل مرةٍ يخبرك طبيبك أن الدواء الذي تتناوله أثبت فعاليته، فهو يقصد أنه ثبت أنه يعمل بشكلٍ أفضل من العلاج الوهمي، وأن أي ضرائب أو تأمين أنفقت على علاجٍ «ثبتت» فعاليته، فذلك لأنه ثبت بأنه (من المفترض ذلك) يعمل بشكلٍ أفضل من العلاج الوهمي.

بالرغم من أهمية الأدوية الوهمية، لا يُسمح للأطباء باستخدامها لعلاج المرضى (رسمياً على الأقل)، وما يزال هناك جدل حول إذا ما كنا ما نزال بحاجةٍ لاستخدام العلاج الوهمي في التجارب السريرية أم لا. مع ذلك، فقد تطور علم الأدوية الوهمية إلى درجةٍ يجب أن نغير فيها آرائنا -ولكنها لم تتغير- ضد استخدام هذه الأدوية في الممارسة العملية، وضد فائدتها المهمة لعناصر التحكم في التجارب السرية.

في هذه الجولة السريعة حول تاريخ العلاج الوهمي، أستعرض التقدم الحاصل في مجال استخدامها، وأتنبّأ إلى أين يمكن أن يصل هذا العلم في المستقبل القريب.

من الصلوات إلى العلاج

اشتُقت كلمة «بلاسيبو – placebo» من اللاتينية «placēbō»، وتعني «سوف أُرضي – I will please)؛ كما يشير معنى الكلمة في ترجمة القديس جيروم للكتاب المقدس في القرن الرابع من اللاتينية. لكن ما يزال الجدل قائماً بين المؤرخين حول أصل الكلمة حتى الآن.

العلاج الوهمي , تاريخ العلاج الوهمي

القديس «جيروم كارافاجيو» – مصدر الصورة: ويكيميديا كومنز

في ذلك الوقت، وحتى اليوم، كانت العائلات التي تقيم حداداً على الميت تقدم وليمة مجانية لمن يحضر الجنازة، ولذلك كان يحضرها حتى الأقارب البعيدون -والأهم- كان يحضرها أشخاصٌ يتظاهرون بأنهم من أقارب المتوفى، ويقومون بترتيل كلمة «بلاسيبو» ( بمعناها الديني طبعاً) للحصول على الطعام. دفعت هذه الممارسة الخادعة الشاعر الإنجليزي «جيفري تشوسر»؛ الذي عاش في القرن الرابع عشر، إلى وصف هؤلاء في كتاباته بقوله: « المتملقون هم قساوسة الشيطان، يغنون دائماً بلاسيبو».

وقد أطلق «تشوسر» على أحد الشخصيات في روايته «The Merchant’s Tale» اسم بلاسيبو أيضاً. كان بطل الرواية؛ الذي يُدعى «جانواري»، فارساً عجوزاً ثرياً، وأراد الزواج من امرأة تصغره بكثير تُدعى «ماي»، ولإضفاء الشرعية على هذا الزواج، استشار صديقيه؛ بلاسيبو وجوستينيوس.

حرص بلاسيبو على نيل رضا الفارس وشرّع له الزواج من ماي، بينما كان جوستينيوس أكثر حذراً ورفض هذا الزواج مستشهداً بما قاله الفيلسوفان سينيكا وكاتو؛ بوجوب تفضيل الفضيلة والأخلاق على الجمال عند اختيار الزوجة، إلا أن جانواري، وبعد الاستماع لرأي صديقيه، أخبر جوستينيوس أن حكمة سينيكا لا تعنيه، وتزوج ماي بالفعل، ثم يظهر موضوع الخداع في القصة؛ حيث تخون ماي زوجها أمامه بعد أن أصيب بالعمى وهو لا يعلم.

في القرن الثامن عشر، انتقل مُصطلح «بلاسيبو» إلى المجال الطبي عندما استُخدم لوصف أحد الأطباء. في كتابه المنشور عام 1763، يصف الدكتور بيرس زيارته لصديقته الطريحة الفراش من المرض بقوله: «وجدت الدكتور بلاسيبو جالساً بجانب سريرها».

كان شعر الدكتور بلاسيبو طويلاً ومجعداً، وكان أنيقاً ويعد الدواء بعناية بجانب سرير المريض. عندما سأل الدكتور بيرس صديقته عن حالها، أجابت: «نقية وبصحة جيدة، كان صديقي الطبيب القديم يعالجني ببعضٍ من قطرات دوائه الجيد». يبدو أن بيرس كان يشير إلى أي تأثيرٍ للدكتور بلاسيبو يعود إلى أسلوبه الرائع في التعامل مع مرضاه بجانب السرير، وليس بسبب محتوى الدواء الذي يحضره.

في النهاية، بدأ استخدام كلمة «الدواء الوهمي» لوصف العلاجات؛ حيث كان طبيب التوليد الاسكتلندي «ويليام سميلي» أول شخصٍ يستخدم مُصطلح «الدواء الوهمي» حسب علمي لوصف العلاجات الطبية في عام 1752، فقد كتب في أحد وصفاته لإحدى مريضاته: «سيكون من المفيد وصف بعض البلاسيموس لتأخذها بين الحين والآخر لتمرير الوقت، وإيهامها بأنها تأخذ دواءً حقيقياً». كلمة بلاسيموس هنا هي شكلٌ آخر لكلمة بلاسيبو.

العلاج الوهمي في التجارب السريرية

استُخدم العلاج الوهمي لأول مرة في التجارب السريرية في القرن الثامن عشر، لفضح ما يسمى بالعلاجات المزيفة (الشعوذة)؛ التي كانت شائعة في ذلك الوقت. كان ذلك غريباً إلى حدٍ ما حينها، لأن العلاجات «غير المزيفة» كانت تنطوي على إحداث جرح وخروج كميات من دم المريض، وتغذيته بمواد غريبة من قبيل مواد مُستخرجة من أمعاء الماعز وما إلى ذلك؛ حيث اُعتبرت هذه العلاجات فعّالةً جداً ولا حاجة إلى تقييمها من خلال التجارب السريرية.

أقرب مثالٍ أعرفه عن تجربة العلاج الوهمي هو تجربة «جرّارات بيركنز». في أواخر القرن الثامن عشر، طوّر طبيب أميركي يُدعى «إليشا بيركنز» قضيبين معدنيين؛ زعم أنهما صُنعا من معادن غير عادية، ولها أثر كبير في علاج آلام المفاصل الناتجة عن الالتهابات المزمنة، وأنها قادرة على امتصاص الألم عن طريق إخراج السوائل المسببة له من الجسم، وقد حصل بالفعل على براءة اختراعٍ لهذا الجهاز عام 1796 بموجب دستور الولايات المتحدة، وقد راج جهازه هذا إلى درجة أن جورج واشنطن قد اشترى مجموعة بغرض العلاج.

العلاج الوهمي, الدواء الوهمي, طرق العلاج الوهمي

مشعوذ يعالج مريضاً باستخدام قضبان بيركينز – مصدر الصورة: جيمس جيلراي/ ويكيميديا كومنز

وصل اختراع بيرنز إلى بريطانيا عام 1799، وراج استعمال تلك الأجهزة في مدينة باث؛ التي تُشتهر منذ العصر الروماني بأنها كانت مركزاً للاستشفاء، نتيجة وجود ينابيع المياه المعدنية الطبيعية، لكن الطبيب البريطاني «جون هيجارث» شكك بنجاعة هذا العلاج، واقترح اختبار آثارها تجريبياً؛ حيث استخدم قضباناً شبيهة بقضبان بيرنز، ولكنها من الخشب لتكون غير قادرةٍ على التوصيل الكهربائي.

بعد أن اختبر هيجارث القضبان على 10 مرضى (عالج 5 منهم بقضبان بيركنز، والخمسة الآخرين بالقضبان الخشبية الوهمية)، نجحت القضبان الوهمية بتخفيف الألم مثل القضبان الحقيقية تماماً. استنتج هيجارث أن الفضل في الشفاء يعود لإيهام المريض بفعالية الأداة، لا إلى اختراع بيرنز نفسه.

من الأمثلة المبكرة الأخرى على التجارب التي استخدمت شواهد العلاج الوهمي كان اختبار أقراص «الهوميوباثي»؛ أو ما يعرف بـ «العلاج التجانسي»، مقارنةً بحبوب الخبز (الدواء الوهمي). كشفت إحدى هذه التجارب المبكرة أن عدم تناول أي علاج كان أفضل من تناول أدوية الهوميوباثي أو الأدوية التقليدية (الأليلوباثي).

بحلول منتصف القرن العشرين، كانت التجارب التي تنطوي على استخدام العلاج الوهمي منتشرة بما يكفي لكي يطرح طبيب التخدير الأميريكي «هنري نولز بيتشر» أول «مراجعة منهجية» حول أهمية العلاج الوهمي. كان بيتشر يعمل على خط المواجهة جنوب إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث بدأت إمدادات المورفين بالنفاذ تدريجياً، وبحسب ما يروي بيتشر، رأى ممرضة تقوم بحقن جندي جريح بالمياه المالحة بدلاً من المورفين قبل إجراء عمليةٍ جراحية له، واعتقد الجندي أنه مورفين حقيقي ولم يشعر بأي ألم فعلاً؛ الأمر الذي فاجأ بيتشر كثيراً.

راجع بيتشر بعد الحرب 15 تجربة انطوت على استخدام العلاج الوهمي لعلاج الآلام وعدد من الأمراض الأخرى، وشملت 1082 مشاركاً، وقد وجد أن العلاج الوهمي قد نجح بتخفيف الآلام لوحده لدى 35% من المرضى، وفي عام 1955، نشر دراسته في مقالته الشهيرة «قوة العلاج الوهمي».

في التسعينيات، شكك الباحثون في تقديرات بيتشر اعتماداً على حقيقة أن المرضى الذين تحسنوا بعد تناول الدواء الوهمي؛ ربما كانوا ليتعافوا في النهاية حتى لو لم يأخذوا الدواء الوهمي. من الناحية الفلسفية، يُطلق على الاستنتاج الخاطئ المحتمل بأن الدواء الوهمي تسبب في العلاج اسم «المغالطة اللاحقة» (بمعنى إن حدثاً ما هو سبب حدث لاحق لمجرد أنه حدث في وقتٍ سابق).

لاختبار ما إذا كان العلاج الوهمي يجعل الناس أفضل حقاً، علينا مقارنة مجموعتين من الناس؛ الأولى تُعطى العلاج الوهمي، والثانية لا تتلقى أي علاج على الإطلاق؛ وذلك ما قام به الضبط الطبيبان الدنماركيان «أسبيورن هروبجارتسون» و«بيتر جوتزشي»، حيث راجعوا التجارب التي انطوت على إشراك 3 مجموعاتٍ مختلفة من المشتركين؛ الأولى أُعطيت الدواء الفعال، والثانية أُعطيت الدواء الوهمي، والثالثة لم تتلقَ أي دواء، ثم يقومون برؤية ما إذا كان الدواء الوهمي أفضل من عدم تلقّي أي دواء. وجد الطبيبان أثراً ضئيلاً للعلاج  الوهمي رجحاً أن يكون عائداً للتحيز في الإبلاغ، واستنتجا أن «الأدلة التي تدعم فرضية التأثيرات السريرية القوية للعلاج الوهمي قليلة بشكلٍ عام»، ونشروا نتائج دراستهم في مقالٍ حمل عنوان «هل العلاج الوهمي بلا فائدة؟»؛ والذي ينقض بشكلٍ مباشر عنوان ورقة بيتشر التي ذكرناها منذ قليل.

ومع ذلك، فقد صحح الطبيبان الدنماركيان خطأ بيتشر بارتكابٍ خطاً آخر؛ حيث قاما بتضمين أي شيء يمكن وسمه بأنه علاج وهمي لعلاج أية حالة، كأنك تقارن بين التفاح والبرتقال، فهما شيئين مختلفين تماماً وليس من المنطقي مقارنتهما، فإذا نظرنا إلى تأثير أي علاجٍ لأي حالة، ووجدنا أن تأثيره متوسط أو ضئيل؛ لا يمكننا الاستنتاج بأن العلاجات لم تكن فعّالة. لقد كشفت عن هذا الخطأ في مراجعةٍ منهجية، وأصبح الآن من المقبول على نطاق واسع أنه مثلما تكون بعض العلاجات فعالة لبعض الحالات وليس كلها، فإن بعض الأدوية الوهمية فعالة في علاج بعض الحالات؛ خصوصاً الألم.

الجراحة الوهمية

استُخدمت الجراحات الوهمية في الآونة الأخيرة؛ كان أشهرها حين وجد الجراح الأميركي «بروس موسلي» 180 مريضاً يعانون من آلامٍ شديدة في الركبة، لم تنفع في علاجها أفضل الأدوية، فأجرى لنصفهم تنظيراً حقيقياً للمفاصل، بينما أجرى النصف الآخر تنظير مفصلٍ وهمي.

خضع المرضى في تجربة تنظير المفصل الوهمي للتخدير، وتم فتح شقّ صغيرٍ بالفعل في ركبتهم، ولكن لم يُدخل منظار المفصل فيه، ولم يكن هناك إصلاحٌ للغضروف التالف، ولا تنظيف لشظايا العظام المتفتتة، وحرصاً منهم على عدم معرفة المرضى إلى أية مجموعةٍ كانوا ينتمون؛ كان الأطباء والممرضات يتحدثون أثناء العمل الجراحي الوهمي كما لو كانوا يجرونها بالفعل.

نجحت الجراحة الوهمية مثل الجراحة الحقيقية. لقد وجد الباحثون؛ وبعد مراجعة أكثر من 50 تجربة علاج جراحي وهمي، أن الجراحة الوهمية كانت بفعالية الجراحية الحقيقية في أكثر من نصف التجارب.

العلاج الوهمي «الصادق»

يمكن أن ينجح الدواء الوهمي حتى لو كان المريض لا يعتقد أنه علاج «حقيقي». من الدراسات الأولى التي أعرفها؛ والتي أجريت على الأدوية الوهمية مفتوحة التسمية (التي يعرف المرضى بأنها وهمية)، أعطى طبيبان من بالتيمور؛ «لي بارك» و«أونو كوفي»، أدوية وهمية مفتوحة التسمية إلى 15 مريضاً عصابياً؛ حيث قدموا أقراص الدواء الوهمية للمرضى وقالو لهم: «لقد ساعدنا العديد من الحالات التي تشبه حالتك بإعطائهم حبوب السكّر، ونعتقد أنها قد تساعدك أيضاً».

تناول المرضى العلاج الوهمي، وتحسن الكثير منهم بعد ذلك رغم معرفتهم بذلك، ومن المفارقات؛ ونظراً لأن هؤلاء كانوا مرضى عصابيين، فقد ظنوا أن الأطباء كذبوا عليهم وأعطوهم عقاقير حقيقية.

وقد أكدت العديد من الدراسات عالية الجودة مؤخراً أن العلاجات الوهمية مفتوحة التسمية؛ يمكن أن تنجح في علاج المرضى لأن لديهم استجابة مشروطة بلقاء الطبيب؛ حيث يمكن لأي شخصٍ أن يتفاعل بشكلٍ إيجابي مع علاج الطبيب الذي يثق به حتى لو كان يعلم أن الطبيب يعطيه قطعةً من السكر وليس دواءً؛ أي على غرار تفاعل جسم المصاب برهاب العناكب السلبي من العناكب حتّى لو كان يعلم أنها ليست سامة.

تاريخ معرفة كيفية عمل العلاج الوهمي

في عام 1978، أجرى «جون ليفنين» و«نيوتون جوردون» دراسة بحثت في آلية تأثير العلاج الوهمي الدوائية في تخفيف الآلام بعد إجراء جراحة خلع الأضراس لدى 51 مريضاً. تلقى المرضى مسكنّاً يُدعى «ميبيفاكائين» لإجراء العملية الجراحية، ثم بعد 3 إلى 4 ساعات من الجراحة، أُعطوا إما «المورفين» أو دواء وهمي أو «النالوكسون»؛ بحيث لم يعلم المرضى أي دواء تلقوه.

النالوكسون دواء يُستخدم لحجب تأثيرات أشباه الأفيونات؛ أي يمنع أثر المورفين والأندروفين، حيث يمنعها من الارتباط بمستقبلات الخلية وإحداث الأثر المخدر، ويُستخدم لعلاج الأعراض الناجمة عن تناول جرعاتٍ زائدة من المورفين.

وجد الباحثون أن النالوكسون يمنع التأثير المسكن للعلاج الوهمي؛ مما يدل على أن الأدوية الوهمية تحفّز إفراز الإندروفين المسكن للألم، ومنذ ذلك الحين، دعمت نتائج العديد من التجارب هذه الفرضية، وأظهرت المئات من التجارب الأخرى أن علاجات الدواء الوهمي تؤثر على الدماغ والجسم بعدة طرق.

يُعتقد أن الآليات الرئيسية التي تعمل من خلالها الأدوية الوهمية هي التوقع والارتباط الشرطي (الاستجابة المشروطة). في دراسة شاملة نُشرت نتائجها عام 1999 حول آليات الارتباط الشرطي والتوقع، قسم الطبيبان «مارتينا أمانزيو» و«فابريزيو بينيديتي»، 229 مشاركاً إلى 12 مجموعة، وأعطيت هذه المجموعات أدوية متنوعة تم تكييفها بعدة طرق وربطت برسائل مختلفة (لتحفيز توقّع منخفض أو مرتفع لأثرها لدى المرضى). وجدت الدراسة أن تأثير العلاج الوهمي ناجمٌ عن كل من مستوى التوقّع والاستجابة الشرطية معاً.

بالرغم من التقدم في فهم آلية عمل العلاج الوهمي، يجادل بعض الباحثين -وأنا أوافقهم أيضاً- بأن هناك شيئاً غامضاً حول آلية عمل العلاج الوهمي. في اتصالٍ شخصي، يشرح «دان مورمان» -عالم الأنثروبولوجيا الطبية والنباتات الشعبية- الأمر بشكلٍ أفضل مني؛ قائلاً: «نعلم من مختصي التصوير بالرنين المغناطيسي أنه من السهل ملاحظة أي تغيّر في اللوزة الدماغية مثلاً، ولكن ما الذي أدى إلى هذا التغير، حسناً، يتطلّب ذلك إجراء المزيد من البحث».

تاريخ أخلاقيات العلاج الوهمي

تنص وجهة نظر الممارسة السريرية حول العلاج الوهمي على أنها لا أخلاقية؛ لأنها تنطوي على الخداع. لكن وجهة النظر هذه لا تأخذ في الحسبان فكرة أننا بتنا غير مضطرين إلى خداع المرضى لكي يعمل العلاج الوهمي.

في الواقع، إن تاريخ أخلاقيات ضوابط العلاج الوهمي أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. لقد أصبح لدينا الآن العديد من العلاجات الفعّالة المثبتة، ويمكننا مقارنة العلاجات الجديدة بالعلاجات المثبتة. إذاً، لماذا قد يوافق المريض على الاشتراك في تجربةٍ تقارن علاجاً جديداً بعلاج وهمي؛ في الوقت الذي يمكنه التسجيل بتجربةٍ تنطوي على مقارنة علاجٍ جديد مع علاجٍ مثبت؟

قد ينتهك الأطباء الذين يجرون مثل هذه التجارب أخلاقيات المهنة؛ التي تنص على المساعدة وتجنب الأذى. في الواقع، لقد حظرت الجمعية الطبية العالمية في البداية التجارب التي تنطوي على العلاج الوهمي إذا كان العلاج المثبت متاحاً، لكنها تراجعت عن موقفها هذا في عام 2010، وقالت إننا نحتاج في بعض الأحيان إلى تجارب مضبوطة بالعلاج الوهمي؛ حتى ولو كان هناك علاجٌ مثبت، مبررة ذلك بأسباب «علمية».

قُدمت هذه الأسباب «العلمية» باستخدام مفاهيم غامضة (بالنسبة لمعظم الناس)؛ مثل «حساسية المقايسة» و«حجم التأثير المطلق»، ولكي أشرح الأمر بلغةٍ مبسطة، يتلخص الأمر في ادعاءين خاطئين:

  • يزعمون أنه لا يمكننا الوثوق إلا بضوابط العلاج الوهمي. كان ذلك ليصحّ في الماضي، فلقد اُستخدمت سابقاً علاجات لعدد من الأمراض؛ مثل جرح المرضى وإخراج كمية دماء منهم (إراقة الدماء) والكوكايين، لكنها كانت ضارة غالباً. لنفترض أننا أجرينا تجربة مقارنة بين علاج إراقة الدماء والكوكايين أيهما أفضل في علاج القلق، واتضح أن إراقة الدماء أفضل. هنا لا يمكننا الاستنتاج بأن إراقة الدماء كانت فعّالة؛ إذ كان من الممكن أن تكون أسوأ من العلاج الوهمي، أو عدم تقديم أي علاج. في مثل هذه الحالات، كان من الأفضل مقارنة تلك العلاجات بالعلاج الوهمي بالفعل، لكن الآن لدينا علاجات فعالة يمكن استخدامها كضوابط، لذلك إذا ظهر دواء جديد للقلق، يمكننا مقارنته بالعلاج الفعّال المثبت، فإذا تبين أن العلاج الجديد بنفس فعالية العلاج القديم، يمكننا القول بأنه فعّال.
  • يزعمون أن ضوابط العلاج الوهمي لها خطّ أساسٍ ثابت. يعتمد ذلك على وجهة النظر الخاطئة التي تقول أن علاجات الدواء الوهمي «خاملة»؛ وبالتالي لها تأثيرٌ ثابت لا يتغير، وذلك خاطئ أيضاً. في مراجعةٍ منهجية لأثر حبوب العلاج الوهمي في تجارب القرحة، تراوحت الاستجابة للعلاج الوهمي من 0% (أي ليس لها تأثير) إلى 100% (أي تشفي تماماً).

مع التشكيك في مبررات إجراء التجارب المضبوطة بالدواء الوهمي، هناك الآن حركة تطالب الجمعية الطبية العالمية على التراجع عن قرارها الأخير والعودة إلى الوضع ما قبل عام 2010.

ما مصير العلاج الوهمي؟

لقد ارتبط العلاج الوهمي بشكلٍ وثيق بخداع الناس لقرونٍ عديدة، لكن الأبحاث الحديثة المفتوحة عن العلاج الوهمي لا تنطوي على خداع الناس كي تُحدث تأثيرها المفيد، كما تُظهر دراسات العلاج الوهمي أنها ليست خاملة أو ثابتة، وقد ثبت عدم صحة موقف الجمعية الطبية العالمية الحالي. يبدو أن التاريخ الحديث للعلاجات الوهمية يمهد الطريق لتنامي دورها في الممارسة السريرية، وإلى تضاؤل دورها في التجارب السريرية.