Image

العلماء يتفحصون مياه الصرف الصحي في المدينة لدراسة صحتنا

إنها ليست مجرد فضلاتٍ عديمة الجدوى

Bread assortment معالجة مياه الصرف الصحي بالميكروبات.

في كل يوم، يتدفق أكثر من 110 مليار لتر من مياه الصرف الصحي إلى محطات المعالجة في الولايات المتحدة الأميركية. قد يبدو كل ذلك البراز والبول والمياه الرغوية والفضلات الأخرى مواد مزعجةٍ كريهة الرائحة، لكنها تعتبر كنزاً من المعلومات. فالأدوية التي نتناولها، والجراثيم التي نتعرض لها، والهرمونات التي تفرزها أجسامنا تذهب في النهاية إلى المجارير.

يقول رولف هالدن، مهندس البيئة والباحث في مجال الاستدامة في جامعة أريزونا في مدينة تمب: “إن محطة معالجة مياه الصرف الصحي هي نقطة تجمع كل تلك الفضلات، وتعتبر المكان المناسب لمراقبة ما نفعله بالبيئة وبأجسامنا”.

هذا يعني بأن المخلفات السائلة للمدينة تكشف الكثير من المعلومات حول صحة وسلوك السكان فيها. لقد بدأ العلماء بتفحص مياه الصرف الصحي بحثاً عن إدمان المخدرات، مسبّبات الأمراض، المواد الكيميائية، وعلاماتٍ لبعض الأمراض المحددة. يمكن للعلماء اختبار مياه الصرف الصحي خلال دخولها إلى محطة المعالجة، أو تفحص الرواسب المتبقية بعد عمليات المعالجة.

إن المجال المتنامي المعروف باسم “علم أوبئة المجاري” أو “علم الأوبئة المعتمد على مياه الصرف الصحي”، يمكن أن يقدّم مساراً فعالاً نحو تحسين الصحة العامة.

يقول هالدن: “أنا أطلق على المجاري اسم الطريق السريع للمعلومات غير المكتشفة. بالطبع هي مليئةٌ بالروائح الكريهة، لكننا بالفعل نقوم بتحليل البراز والبول من أجل الأغراض الطبية. ونحن هاهنا ننقل ذلك إلى مستوى أكبر”.

مياه الفضلات في كل مكان

تعتبر المجاري حوضاً كبيراً من المعلومات، وهي توفر عدداً من الفوائد. أولاً، هي مجهولة المصدر، لكنها تحوي شيئاً صغيراً عن الجميع. يقول دان برجارد، الكيميائي المتخصّص بالتحليل البيئي في جامعة بوجيت ساوند في تاكوما، واشنطن: “نحن متأكدون جداً بأن الجميع يستخدم نظام المجاري”.

عادةً، يعتمد الباحثون على التقارير والبيانات المُجمّعة في المشافي أو خلال عمليات الاعتقال من أجل اكتشاف الحالة الصحية وتعاطي المخدرات. يقول كيفن بيسيجليا، الكيميائي البيئي في جامعة هوفسترا في هامبستيد، نيويورك: “هناك فترة تأخيرٍ كبيرةٍ قبل أن تصبح هذه المعلومات متاحةً للدراسة، إذ يمكن أن يستغرق ذلك سنتين أو ثلاثة. إضافةً إلى ذلك، إذا سألت شخصاً ما عن سلوكه غير القانوني، فليس بالضرورة أن تحصل منه على إجاباتٍ دقيقة”.

تقدم المجاري أيضاً لمحةً آنيةً وصادقةً عمّا تحتويه المدينة. يقول هالدن: “أحياناً، يمكن أن تشمل عينة يومٍ واحدٍ معلوماتٍ عن مليون شخصٍ أو أكثر”.

عمل هالدن وزملاؤه على دراسة إمكانيات تسرب المواد الكيميائية الموجودة في الفضلات إلى البيئة. في عام 2002، وجد الفريق بأن مركب تريكلوكاربان، الموجود في الصابون المضاد للبكتيريا، لا يتفكك خلال معالجة مياه الصرف. وقد ظهر في رواسب المجاري المتبقية بعد عملية المعالجة، والتي تُستخدم أحياناً كسمادٍ للتربة الزراعية. يقول هالدن: “أدى هذا الأمر إلى عودة تلك المواد الكيميائية في النهاية إلى طعامنا”.

يجب علينا القلق حول المواد الكيميائية التي لا تتفكك خلال عمليات المعالجة ويمكن أن تعود إلينا. يضيف هالدن: “إن هذه المواد الكيميائية ستستقر في أجسامنا حين التعرض لها، وستبقى على شكل دهونٍ داخل الجسم”.

اكتشف هالدن وزملاؤه بأن مركب تريكلوكاربان، والمركب المشابه له تريكلوسان موجودان في رواسب المجاري ضمن محطات المعالجة عبر البلاد، وهي تلوّث بحيرات المياه العذبة في مينيسوتا. هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن هذه المواد الكيميائية قد تؤدي إلى خللٍ في النشاط الهرموني لأجسامنا. كما أنها لا تبدو أكثر فاعليةً في منع الأمراض من الماء والصابون العادي. نقل هالدن وزملاؤه مخاوفهم إلى عدة وكالاتٍ فدراليةٍ وإلى لجنةٍ من أعضاء الكونجرس.

في عام 2016، حظرت إدارة الطعام والدواء في الولايات المتحدة بيع سوائل الغسيل والصابون المضادة للبكتيريا والحاوية على المواد الكيماوية.

يقول هالدن: “كنا نستخدم ملايين الكيلوجرامات من المواد الكيميائية سنوياً في الولايات المتحدة، لكننا لم نكن نعلم ماذا يجري لها بعد طرحها في المجاري. لسوء الحظ، ليست هذه مسألةً معزولةً، فهناك الكثير من المواد الكيميائية التي تحتاج إلى دراسة مآلها أيضاً”.

يمكن للمجارير أن تكشف لنا ما هي الجراثيم التي تتكاثر في المدينة. يقول هالدن: “عندما يمرض أحدهم، فإنه يطرح الكثير من البكتيريا والفيروسات. يمكن لعدد قليلٍ من المرضى أن يعطوا إشارةً تحذيريةً ضمن مياه الصرف الصحي، ويمكننا قياسها”. يمكن أن تعمل مسببات الأمراض تلك كتحذيرٍ مبكرٍ لآفةٍ محتملةٍ. تستخدم إسرائيل (إحدى الدول) مجاريها لمراقبة فيروس بوليو منذ عدة عقود.

عينة من رواسب المجاري المحفوظة في أرشيف مركز مراقبة الصحة الإنسانية في جامعة ولاية أريزونا.

مع ازدياد درجات الحرارة والتغير المناخي، من المتوقع انتقال مسبّبات الأمراض المختلفة بعيداً عن المناطق الاستوائية. يقول هالدن: “يمكننا فعلاً تتبع هجمات فيروس زيكا وغيره من الفيروسات من خلال تفحص مياه الصرف الصحي”. يمكن للعلماء أيضاً مراقبة الجراثيم بشكلٍ مستمرٍ لاكتشاف قدرتها على تطوير مقاومة المضادات الحيوية.

يمكن أن تقدم الفضلات صورةً حقيقيةً عن صحة المجتمع بشكلٍ عام. يقول هالدن: “عندما تذهب إلى عيادة الطبيب، فإنك لن تتردد في إعطائه عينةً من فضلاتك”. تعتبر عملية مراقبة مياه الصرف الصحي بمثابة أخذ عيناتٍ من البول والبراز للمدينة بأكملها. يمكن للعلماء تفحّصُ عدد مرات وصف أدويةٍ معينةٍ، أو البحث عن الهرمونات والمواد الكيميائية التي تفرزها أجسامنا في حالات التوتر أو الإصابة بأمراضٍ معينة. قام بيسيجليا وفريقه بقياس نسبة الكوتينين، وهو أحد نواتج تفكك النيكوتين، في مياه الصرف الصحي لمدينة بوسطن، وذلك من أجل حساب عدد السجائر التي يستهلكها المدخنون يومياً.

تترك العقاقير الممنوعة والمخدرات أثرها أيضاً في مياه الصرف الصحي. يمكن تتبُّع هذا الأثر لاكتشاف أنماط استخدامها، أو ظهور مخدراتٍ جديدةٍ، أو جدوى استراتيجيات تطبيق القانون. يقول بيسيجليا: “إذا استطاعت المدينة حجز جزءٍ كبيرٍ من المخدرات ضمن مجتمعٍ معين، فهل سيؤدي ذلك فعلاً إلى انخفاض كميات استخدامها؟”.

عملت أوروبا ولعدة سنواتٍ على مراقبة المخدرات مثل الكوكايين وحبوب الهلوسة من خلال مياه الصرف الصحي. حيث يتم أخذ عيناتٍ من البول والبراز من أكثر من 60 مدينةٍ وبلدةٍ على مستوى القارة. وقد تم اكتشاف أنماطٍ إقليميةٍ محددة، مثل: كون الكوكايين أكثر شعبيةً في جنوب وغرب أوروبا، وأن الكوكايين وحبوب الهلوسة مخدراتٌ مدنية.

ما زالت عملية مراقبة مياه الصرف الصحي في الولايات المتحدة في مراحلها الأولى. لاحظ برجارد ارتفاع نسب استخدام الآديرال في الجامعات عند اقتراب موعد الامتحانات النهائية. وهو يحقّق حالياً في مسألة إباحة القنب (الحشيش)، وفيما إذا كانت ستؤدي إلى زيادة أو نقصان استهلاك الماريجوانا. وهو مهتمٌ بمعرفة فيما إذا كانت محلات الأعشاب ستحل مكان السوق السوداء. ومن خلال تتبع عمليات بيع الحشيش قانونياً، يمكن التنبؤ بكمياته في مياه الصرف. يقول برجارد: “يمكننا معرفة الفرق بين كميات الحشيش المباعة ومخلفاتها في مياه الصرف الصحي، وبذلك سنكتشف حجم الاستخدام غير القانوني”. لقد انتهى برجارد مؤخراً من أخذ عيناتٍ من محطتي معالجةٍ في غربي واشنطن.

يدرس باحثون فيما إذا كانت مياه الصرف الصحي ستعطي معلوماتٍ عن الوباء الأفيوني. لسوء الحظ، سيكون هذا الأمر صعباً. إذ يتحول الهيروين إلى مورفين بسرعة، ويمكن أن ينتج المورفين عن المصادر القانونية كالمشافي. يقول برجارد: “بإمكاني تحديد كمية المورفين بدقة في العينات التي لدينا، لكن من الصعب تحديد مصدره”.

وهناك أيضاً الفينتانيل، وهو أفيونٌ صناعيٌ فعّالٌ بشكلٍ أكبر من المورفين ب 50 إلى 100 مرة. هذا يعني بأن الشخص يحتاج إلى القليل منه ليحصل على النشوة المطلوبة، وبالتالي سيصبح من الصعب اكتشافه في مياه الصرف بسبب تركيزه المنخفض. ومن الصعب اكتشاف المواد الأفيونية الأخرى أيضاً. يقول بيسيجليا: “على الرغم من ازدياد استخدام المواد الأفيونية، إلا أن نسبة استهلاكها لا تزال صغيرة، أقل بكثيرٍ من استهلاك الماريجوانا والكوكايين”.

القيام بالعمل القذر

هناك عددٌ من المساوئ للعمل في مياه الصرف الصحي.

أولاً، هناك مخاوفٌ بشأن الخصوصية الشخصية. طبعاً، لن يتم استخراج البراز لأحدهم وتفحصه بشكلٍ فردي. لكن ستقلق المدن حول سمعتها فيما إذا اكتُشف وجود المخدرات في مجاريها. يقول برجارد: “على سبيل المثال، سيُقال بأن لدى المدينة الفلانية مشكلةً في الكوكايين أو الميثامفيتامين. توجد محطةٌ لمعالجة مياه الصرف الصحي في كل مدينة، لكن قد لا ترغب كل مدينةٍ بوجود شخصٍ يتفحص مياه الصرف الصحي لديها”.

يمكن للباحثين أيضاً أخذ العينات من المجاري قبل وصولها إلى محطة المعالجة المحلية. لكن كلما اقترب مكان أخذ العينات من حيٍ أو مسكنٍ أو مركزٍ صحي، كلما ازدادت خصوصية هذه العينات. يقول برجارد: “يمكنك بهذا الفعل أن تحرّض الأحياء ضد بعضها البعض. هل يعني ذلك المزيد من حملات الشرطة؟ أم يعني مزيداً من التمويل لتوفير برامج رعاية الصحة العامة؟ ليس القلق حول الخصوصية الفردية، إنما القلق حول تأثير العملية على كل منطقةٍ في المدينة”.

كما أن مياه الصرف الصحي مليئةٌ بالفضلات التي قد تحجب المواد الكيميائية التي يبحث عنها العلماء. الأمر هاهنا مختلفٌ عن حالة تسليم عينات البول أو البراز إلى المختبر من أجل تحليلها. إذ تقطع هذه المياه مسافات كبيرة عبر الأنابيب، وتختلط بمخلفات المصانع ومياه الأمطار. يقول هالدن: “تصبح مهمة اكتشاف مادةٍ كيميائيةٍ محددةٍ كالبحث عن الإبرة في كومة القش”.

قام هالدن وزملاؤه حتى الآن بتحليل أكثر من 250 مادةٍ كيميائيةٍ، وهم يديرون حالياً المستودع الوطني لرواسب مياه الصرف الصحي، حيث قاموا بجمع العينات من أكثر من 200 محطة معالجة أميركية، وهي مرتبطةٌ بأكثر من 32 مليون شخص.

بالمجمل، يقوم هالدن وعلماء آخرون بجمع العينات من محطات المعالجة، فهم لا ينزلون إلى داخل المجاري هنا وهناك. يقول هالدن: “بالطبع لن تذهب إلى طريقٍ مزدحمٍ، لتقوم برفع الغطاء الثقيل، ثم تنزل إلى المجاري من أجل أخذ العينات”.

في العادة، يتم جمع عينات رواسب مياه الصرف الصحي من محطات المعالجة.

إنهم يعتمدون على العينات المأخوذة خلال يومٍ كامل. يقول هالدن: “إذا اعتمدت على عينةٍ مأخوذةٍ في وقتٍ محدد، فستحصل على تمثيلٍ للأشخاص الذين طرحوا فضلاتهم خلال ذلك الوقت فقط”.

تبدو عينات الرواسب داكنةً وقاتمة، بينما تكون مياه الصرف الصحي ضبابية اللون. يقول بيسيجليا: “ليس الأمر مقززاً كما تظن، إذ لا يوجد شكلٌ محددٌ عند هذه النقطة. إنها مجرد مياهٍ رماديةٍ ضبابية”. قد تحوي العينات المأخوذة قرب بناءٍ سكنيٍ قطعاً من ورق الحمام، أو الشعر، أو قطعاً من الطعام الممضوغ.

رائحة مياه الصرف الصحي بعيدةٌ تماماً عن رائحة البراز الخام. يدرس برجارد حالياً كيفية قيام الجسم بتفكيك وإفراز مركبات رباعي الهيدرو كانابينول (THC)، وهو العنصر الفعّال في الماريجوانا، وهو يطلب من الأشخاص إرسال عيناتٍ من البول والبراز لدراستها. يقول برجارد: “اعتقدت بأن مياه الصرف الصحي سيئةٌ للغاية، لكنني وجدت بأن عينات الفضلات التي يرسلها الأشخاص أسوأ بكثير”.

مع ذلك، يقول بيسيجليا بأن مياه الصرف الصحي تحوي على رائحة كبريتٍ قوية. كما يجب التعامل مع العينات بحذرٍ، حتى يتم التخلص من أي مسبباتٍ للأمراض فيها. يقول هالدن: “علينا أن نفترض وجود أي شيءٍ داخل تلك العينات، كفيروس الإيدز وفيروسات التهابات الكبد، وأي شيءٍ يمكن تواجده ضمن مدينةٍ كبيرة”.

لكن هالدن وزملاؤه مصرون على أخذ هذه العينات وتفحصها، بحثاً عن الجراثيم والمواد الكيميائية الموجودة بداخلها. إننا نتخلص من الفضلات والمياه القذرة بمجرد طرحها في المجاري، لكنها قد تفيدنا بشكلٍ أو بآخر.

يقول هالدن: “بإنفاق القليل من المال، نستطيع جمع قدرٍ كبيرٍ من المعلومات حول الصحة العامة، والتي يمكن أن تساعدنا في منع الأمراض والمخاطر الصحية المحتملة”.

error: Content is protected !!