Reading Time: 4 minutes

متصدراً عناوين الأخبار كاختراقٍ علمي كبير، نجح العلماء أخيراً بتخليق أول «روبوت حي» في العالم، وذلك من خلال تعاونٍ فريدٍ من نوعه بين الذكاء الصناعي والبيولوجيا.

فقد نشر فريقٌ بحثي من العلماء ومتخصصي الروبوت طريقةً مبتكرةً لصنع شكلٍ جديد من أشكال الحياة، أطلقوا عليه اسم «زينوبوتس – xenobots»، انطلاقاً من خلايا جذعية. يشير المصطلح في قسمه الأول «xeno» إلى الخلايا الجذعية المُستخدمة التي أُخذت من ضفدع «Xenopus laevis».

وقد وصف أحد الباحثين هذا الابتكار الجديد بأنه ليس «روبوتاً تقليدياً أو نوعاً معروفاً من الحيوانات، بل كائناتٌ غير مسبوقة، فئةٌ جديدة صنعها البشر، كائناتٌ حيّة قابلة للبرمجة». تبلغ أبعاد «زينوبوتس» أقل من 1 مم، ومصنوعاً من 500-1000 خليةٍ حية تمتلك أشكالاً مختلفةً بسيطة، بما فيها تلك التي تمتلك «أهداباً» تساعدها بدفع نفسها في اتجاهاتٍ خطيةٍ أو دائرية، وتمكنّها من الارتباط ببعضها البعض لكي تعمل بشكلٍ جماعي على إزاحة أجسامٍ صغيرةٍ مثلاً. يمكن لهذه المخلوقات العيش لمدة 10 أيام اعتماداً على طاقتها الخلوية الخاصة.

وبالرغم من أن احتمال أن تُسهم هذه «الآلات الأحيائية القابلة للبرمجة» في تقديم حلولٍ لأمراض البشر والحيوان والبيئة على حدّ سواء؛ إلا أنها تثير مخاوف قانونية وأخلاقية.

«المخلوق» الغريب الجديد

من أجل تخليق/ صناعة «زينوبوتس»؛ استخدم الفريق البحثي حاسوباً فائقاً لاختبار آلاف التصاميم العشوائية لتشكيلات الخلايا التي يمكنها القيام بمهامٍ معينة. وقد تمت برمجة الكمبيوتر باستخدام خوارزميةٍ متطورةٍ جداً من الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالكائنات الجديدة، والتي من المحتمل أن تكون مفيدةً في أداء مهام معينة، مثل التحرّك نحو هدفٍ معين وتدميره، أو إزاحته بطريقةٍ ما.

وبعد أن أُختيرت أفضل التصاميم الواعدة، حاول العلماء إكثار النماذج الافتراضية باستخدام خلايا مأخوذة من جلد أو قلب الضفدع، حيثُ أُدخلت يدوياً في النماذج باستخدام أدواتٍ جراحية مجهرية. تتقلّص خلايا القلب في التشكيلات الخلوية المبرمجة، وتسترخي مجدداً، مما يمنحها قدرةً على الحركة.

زينوبوتس: خطوة كبيرة

بالرغم من وصفها بأنها «روبوتاتٌ حيّة قابلة للبرمجة»، إلا أنها في الواقع عضويةٌ بالكامل، ومصنّعةٌ من الأنسجة الحية. لقد اُستخدم مُصطلح «روبوت» للإشارة إلى أنه يمكن التحكّم بأشكالها وأنماطها، ومصطلح «مبرمجة» للإشارة إلى أنها مبرمجة لاستهداف أجسامٍ معينة، وذلك دون إدراكٍ منها لذلك. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه الروبوتات إصلاح نفسها بعد تعرضّها للتلف.

التطبيقات الممكن استخدام «زينوبوتس» فيها

ربما يكون لهذه الروبوتات الحية فائدةٌ عظيمة في المستقبل. حيث يتكهّن البعض أنه قد تُستخدم لتنظيف محيطاتنا الملّوثة، من خلال استهداف وجمع القطع البلاستيكية الصغيرة فيه. أو يمكن استخدامها في المناطق المحظورة أو الخطرة لجمع المواد السامة، أو المشعّة.

وقد صُمم «زينوبوتس» ليحتوي على «حقائب، فراغات خلوية» يمكنها أن تحمل فيها الدواء، بالتالي نقله إلى المناطق المستهدفة في جسم الإنسان. كما يمكن لتطوير هذه الروبوتات البيولوجية أكثر في المستقبل؛ أن يزيد فهمنا للأنظمة الحية والروبوتية. الحياة معقدة جداً، لذا فإن التلاعب بالكائنات الحية لفائدة البشر يمكن أن يكشف عن بعض أسرار الحياة، ويمكن أن يحسّن استخدامنا للذكاء الاصطناعي.

أسئلة قانونية وأخلاقية

بالمقابل، تثير «زينوبوتس» مخاوف قانونية وأخلاقية. فبالرغم من إمكانية استخدامها في علاج مرض السرطان مثلاً، إلا أنه يمكن استخدامها أيضاً لأغراضٍ غير أخلاقية شريرة؛ مثل الاستخدامات العسكرية الفتّاكة.

ويجادل البعض بأن صنع الكائنات الحية مختبرياً هو أمرٌ مخالفٌ للطبيعة أو لا أخلاقي، ويخالف التعاليم «الدينية». ويعدّ الاستخدام الخبيث أو العواقب غير المقصودة لها مصدر قلقٍ كبير أيضاً، كما حدث في مجالاتٍ أخرى مثل الفيزياء النووية، الكيمياء، البيولوجيا، والذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، يمكن استخدام «زينوبوتس» كأسلحةٍ «بيولوجية» في الحروب، وهي محظورةٌ بموجب القانون الدولي.

وربما يخرج الـ «زينوبوتس» الأكثر تطوراً في المستقبل عن أداء وظيفته المصممة لأجله، ويتصرّف وحده، وقد ينافس الأنواع الأخرى؛ من يدري؟

بالنسبة للمهام المعقدة، قد يحتاج «زينوبوتس» إلى أنظمةٍ حسّية وعصبية، مما قد يجعلها قادرةً على الإدراك والوعي. وبذلك، سيثير الكائن المبرمج الواعي أسئلةً أخلاقيةً إضافية. على سبيل المثال، أثارت تجارب استعادة الحياة لأدمغة بعض الخنازير «المذبوحة» العام الماضي جدلاً كبيراً من الناحية الأخلاقية.

إدارة المخاطر

لقد أقرّ العاملون على مشروع «زينوبوتس» بمشروعية المخاوف، والحاجة إلى النقاش بشأن أخلاقية عملهم عموماً. قد توفّر فضيحة استخدام تقنية كريسبر عام 2018 (التي تسمح بتعديل جينات الكائن الحي) درساً مفيداً هنا. بالرغم من أن هدف التجربة كان تقليل احتمالية إصابة توأمٍ حديث الولادة من الإناث بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز)؛ إلا أن المخاطر المرتبطة بالتجربة تسببّت في مشكلةٍ أخلاقية كبيرةٍ حينها، ونتيجةً لذلك، أُودع العالم الذي قام بالتجربة في السجن فيما بعد.

ولكن عندما انتشر استخدام تقنية كريسبر على نطاقٍ واسع، دعا بعض الخبراء إلى تعليق الأبحاث التي تعمل على تحرير الجينوم الوراثي. بينما جادل آخرون بأن فوائد كريسبر تفوق مخاطره بكثير.

بالرغم من أنه ينبغي النظر إلى كل تكنولوجيا جديدة بنزاهة واستناداً إلى أسسها الأخلاقية، إلا أن إعطاء الحياة للزينوبوتس يثير بعض الأسئلة المهمة:

1. هل يجب أن تمتلك هذه الروبوتات آلياتٍ بيولوجية لإفناء نفسها في حال خرجت عن السيطرة؟

2. من الذي يجب أن يقرر من يمكنه الوصول إليها والتحكم فيها؟

3. ماذا لو أصبح بالإمكان تصنيع «زينوبوتس» محلياً بوسائل بسيطة؟ هل يجب تعليق التجارب حتى تُوضع الأطر التنظيمية القانونية لذلك؟ ما هو مقدار التنظيم المطلوب؟

في الواقع، يمكن الاستفادة من الدروس المُستقاة من الماضي من التطورات التي حدثت في مجلاتٍ أخرى من العلم في إدارة المخاطر المستقبلية، وجني الفوائد المحتملة في نفس الوقت أيضاً.

ما زال الطريق طويلاً

كانت هناك سوابق بيولوجية وروبوتية مماثلة قبل صنع الزينوبوتس، فقد تمكّن العلماء من خلال استخدام الهندسة الوراثية من إنتاج الفئران المعدّلة وراثياً لمراقبة الخلايا السرطانية، التي تتوهج عند تسليط الأشعة فوق البنفسجية عليها. كما بات بإمكان الميكروبات المعدّلة وراثياً إنتاج الأدوية والمكونات الغذائية، والتي قد تحلّ في النهاية مكان الإنتاج الحيواني. كما صنع العلماء عام 2012 قنديل بحر صناعي، حيث أطلقوا عليه اسم «medusoid»، وذلك انطلاقاً من خلايا الفئران.

صناعة الروبوتات الأحيائية تعد بمستقبلٍ زاهر

روبوت حي, روبوتات, برمجة, بيولوجي, كائنات حية

«النانوبوتس»، روبوتات مجهرية مصممة للقيام بمهامٍ محددة، مثل استهداف أماكن محددة في الجسم بالدواء

يمكن أن تقوم «النانوبوتس – Nanobots» بمراقبة مستويات السكر في الدم لدى الأشخاص، وقد تتمكن في النهاية من فتح الشرايين المسدودة.

كما يمكن للروبوتات أن تشتمل على المادّة الحية، كمثل قنديل البحر الروبوتي الذي ابتكره علماء الأحياء والمهندسون، والذي يتحرّك استجابةً للتحفيز الضوئي.

من المؤكد أننا سنرى المزيد من الابتكارات مثل «زينوبوتس» في السنوات القادمة، والتي ستثير المزيد من المخاوف والقلق. من المهم عند ذلك أن نتناول الأمر برويّةٍ ومنطقية وبعقلٍ منفتح.

تم نشر هذا المقال في موقع ذا كونفيرسيشن