Reading Time: 5 minutes

تحتل في كثير من الأحيان أخبار ظروف العمل القاسية التي يعانيها مشرفو المحتوى على فيسبوك؛ عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم. حيث يقول العاملون في الشركة أنهم يبذلون جهوداً مرهقة لمراقبة المحتوى العنيف على صفحات فيسبوك، والحدّ منه متبعين معايير مبهمة ومتغيرةً باستمرار لتطبيقها. ويصف العاملون بيئة عملهم بالسيئة والخطرة، كما يواجهون مخاطر الاكتئاب والإدمان، وحتّى اضطراب ما بعد الصدمة من هول من يشاهدونه من محتوى مخيف وعنيف على الصفحات التي يراقبونها.

ومع ذلك، فقد خرج إلى العلن تسجيلٌ مسرّب نشره موقع «ذا فيرج» يخبر فيه رئيس شركة -مارك زوكربيرج- موظفيه أنّ هذه الأخبار والتقارير مُبالغ فيها نوعاً ما.

بعيداً عن الأضواء

ورغم أن زوكربيرج يقرّ بأن مشرفي فيسبوك بحاجةٍ إلى نوعٍ من المعاملة الإنسانية الخاصة؛ نظراً لما يتعرضون له، إلا أنه يظهر في التسجيل وكأنه يعتبر أنّ المعاناة البشرية «مشكلةٌ رياضية»، يمكن حلّها وفق معادلات أو خوارزمياتٍ معينة، وذلك وفق ما ذكره «نيل باتيل» رئيس تحرير موقع ذا فيرج، في تغريدةٍ له على تويتر.

         احصل على أعداد مجلتنا المطبوعة إلى باب منزلك أو عملك بالبريد السريع عند صدور العدد

أثارت ردة فعل زوكربيرج الكثير من القلق على أصعدة عدة، ليس أقلها الأثر الذي تركته تصريحاته على مشرفي فيسبوك الذين يقومون بهذا العمل الصعب. كما عملت ردة فعله على إظهار هؤلاء العاملين كـ «منافقين» فيما يقولونه عن ظروف عملهم السيئة.

في الحقيقة، وبغض النظر عن هذا العمل الذي يقوم به مشرفو فيسبوك الذي يتقاضون عليه أجراً قليلاً، وإدعاء زوكربيرج أن ما يقوله العاملون مبالغ فيه، فإن زوكربيرج يخاطر بتفاقم مشكلة هؤلاء، وصدمتهم الشديدة مما يقوله عنهم.

وذلك التأثير سببه ما يدعوه عالما النفس الأمريكيان «كارلي سميث» و«جينفر فريد» بـ «خيانة مؤسسية»، حيث تدفع العاملين إلى عدم الثقة في أنّ المؤسسة التي يعملون فيها؛ ستقف في صفهم وتدعمهم، والأسوأ من ذلك هو أن ذلك التصرف الذي بدر عن زوكربيرج قد جعل الناس يضعون في الحسبان الكثير من الاعتبارات قبل أن يعبروا عن معاناتهم.

قمنا [مؤلف النسخة الإنجليزية] بالإتصال بإدارة فيسبوك للإدلاء بتعليقٍ حول التسريب الصوتي لزوكربيرج، وطلبنا منهم تأكيد أو نفي ما يدعيه العاملون لديها من معاناتهم من ظروف العمل الصعبة، فكان ردهم التالي:

«نحن ملتزمون بتقديم الدعم للعاملين في مراجعة المحتوى في فيسبوك، لأننا ندرك أن مراجعة أنواع المحتوى قد يكون صعباً. لذلك يخضع المراجعون لدينا لبرنامجٍ تدريبي معمّق لعدة أسابيع؛ للتدرب على المعايير المجتمعية التي نتبعها، كما أن له الحق في الحصول على دعمٍ مكثّف لضمان سلامتهم النفسية والإنسانية، حيث قد يشمل دعماً مباشراً على الموقع، وعلى الهاتف أيضاً من المتمرسين في هذا المجال، بالإضافة لمزايا الرعاية الصحية من أول يوم عملٍ لهم. كما أن الشركة تستخدم حلولاً تقنية برمجية للحد من تعرّضهم للمحتوى السيء قدر الإمكان، هذه قضيةٌ مهمة، ونحن ملتزمون بتحسين شروط عملهم لتصبح مثاليةً قدر الإمكان».

وعلى الرغم من أن زوكربيرج وفيسبوك يقرّان بأن المشرفين يحتاجون بالفعل للرعاية الصحية النفسية، إلا أن هناك مشكلاتٌ هيكلية كبيرة في الشركة تحول دون الحصول عليها.

أسوأ مكانٍ للعمل في فيسبوك

إذا كان هناك تصنيفٌ للأعمال على الإنترنت، فبلا شكّ سيقبع مشرفو المحتوى على فيسبوك أسفل القائمة، فهم يعملون «مستهلكون رقميون» في العصر الحالي، حيث يتعرضون لمواد عنيفة، ومختلف الصدمات التي تسببها المواد المنشورة على فيسبوك، من أجل عدم تعريض المستخدمين العاديين لمقل هذا النوع من المحتوى العنيف، الصادم.

وفقاً لم تقوله «سارة روبرتس» في كتابها «خلف الشاشة»  الذي تركز فيه على ظروف هؤلاء العاملين في فلترة المحتوى من أجل حماية العامة من رؤية أسوأ ما أنتجته الإنسانية في عالم الإنترنت اليوم؛ فإن معظم من يعمل في هذه المجال هم غالباً متعاقدون مؤقتون، حيث تبقى فرصة حصولهم على عملٍ دائم واستقلالٍ مهني ضئيلةً جداً. ونتيجةً لذلك، تُطرد أعداد كبيرة منهم من مثل هذه الشركات التقنية الكبرى المشهورة، رغم أن العديد منهم يحملون شهاداتٍ جامعية عليا من أفضل الجامعات.

ونظراً لقلقهم وخوفهم الدائمين من فقدان وظائفهم وضعف مدخولهم، يتردد هؤلاء العاملون في أخذ إجازات لبعض الوقت للترويح عن أنفسهم، أو للحصول على الرعاية الصحية، أو الاعتراض على تغيير نوبات عملهم، رغم أنهم غير قادرين على التكيف مع هذا الواقع أحياناً، حيث يُطردون من عملهم في نهاية المطاف. كما تُعتبر تكاليف الرعاية الصحية عاملاً محبطاً لهؤلاء، لأن العاملين المؤقتين غالباً لا يكونون مشمولين بالتأمين الصحي، وغير قادرين على تحمّل تكاليف العلاج الباهظة أحياناً. يؤثر هذا العجز الوظيفي الهيكلي على الصحة العقلية للعاملين مسبقاً، وقبل البدء في عملهم في إزالة المحتوى العنيف من على الفيسبوك.

يُوظّف معظم العاملون المشرفون على المحتوى من خلال شركات خارجية غير مؤهلة بما فيه الكفاية لفهم المتطلبات الدقيقة للوظيفة. يُقال أن إحدى هذه الشركات، لا تمنح المشرفين سوى 9 دقائق كلّ يومٍ كفرصةٍ لإستعادة «عافيتهم الإنسانية»؛ لمعالجة آثار ما يقومون به من معالجة للمحتوى العنيف على فيسبوك، بل وتفرض عليهم عقوبات في حال استخدموا هذا الوقت لدخول الحمّام أو للصلاة مثلاً.

تكشف الأفلام الوثائقية مثل «ذا موديراتورز» و«ذا كلينرز» عن ظروف العاملين في مراكز تعديل المحتوى في دول مثل الهند، بنغلاديش والفلبين، حيث يعاني معظمهم من ظروفٍ سيئة جداً. «لقد أصبحوا كالزومبي الخاضعين لسطوة أهواء وادي السيليكون».

التنظيم من أجل التغيير

بالرغم من ظروف المشرفين القاسية، ورفض زوكربيرج -وغيره ممن هم في قمة التسلسل الهرمي لشركات التكنولوجيا-؛ الاعتراف بواقعهم المُزري، ظهرت مؤخراً بعض الإشارات التي تدل على أن الأمور بدأت تتغير للأفضل بالنسبة لهؤلاء العاملين.

في أستراليا مثلاً، انضم مديرو مجتمعات الإنترنت -مجموعة تضم المهنيين المحترفين، الذين استأجرتهم المنظمات لبناء تجمعات لمن يعملون على مختلف المنصات، بما فيها فيسبوك، ومن يقومون أيضاً بوضع معايير وضوابط المحتوى على الإنترنت عموماً- انضموا إلى إتحاد نقابي يُطلق عليه «تحالف وسائل الإعلام والترفيه والفنون»، وذلك بهدف التفاوض على حقوق العاملين، وحمايتهم من استغلال الشركات التكنولوجية الكبرى.

وقم أقيم هذا التجمع برعاية شبكة مديري المجتمعات على الإنترنت الأسترالية، والتي توفّر التدريب ودعم الأقران، كما تعمل هذه الشبكة مع منظماتٍ أخرى مشابهةٍ لها في طريقة تفكيرها، وآلية عملها عبر العالم، مثل منظمة «الرابطة الفيدرالية لإدارة المجتمع» في ألمانيا، ومنظمة «الجمعية الرئيسية لإدارة المجتمع» في هولندا، ومنظمة «دائرة إدراة المجتمع» في الولايات المتحدة، وبعض المجموعات الناشئة في الهند وفيتنام.

تُعد هذه المجموعات مجتمعاتٍ مهنية محترفة شبيهة بالنقابات التي تدافع عن الأشخاص المنضمين لها، وعن آرائهم ووجهات نظرهم.

ومع نمو هذه الحركة، قد تقوم بتحدي القائمين على صناعة التكنولوجيا ومطالبتهم بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل غير المحمية، والتي تتجاوز مهنة فلترة المحتوى إلى مجالاتٍ أخرى لا حصر لها، بما في ذلك العاملون في إنتاج وتطوير ألعاب الفيديو الرقمية.

اتحاد مستخدمي يوتيوب وغيرهم

بدأ العاملون في مجال صناعة الألعاب الرقمية أيضاً بانتقاد شروط العمل، والقوانين التي تستغل وقتهم ومواهبهم وإنسانيتهم أيضاً (كما يشير المذيع الأمريكي المشهور «حسن منهاج» في إحدى حلقات برنامجه على نتفلكس إلى ظروف عملهم الصعبة). ففي أستراليا، يقوم اتحاد مبرمجي الألعاب بجمع العاملين في مجال الألعاب، من أجل إيجاد حلول لمواجهة قضاياهم الملحّة التي يعانون منها.

وفي أوروبا، انضم العديد من مستخدمي يوتيوب (يوتيوبرز) إلى أكبر نقابةٍ عمالية «نقابة عمال المعادن الألمانية» للضغط على شركة يوتيوب، ومطالبتها بالمزيد من الشفافية والعدالة؛ خاصة فيما يتعلق بقواعد نشر المحتوى على منصتها، وتحقيق الدخل من الفيديوهات.

وعلى الرغم من أن مارك زوكربيرج لا يبدو أنه يفهم التحديات الإنسانية التي يواجهها المبدعون على الإنترنت، أو تقدير الجهد المبذول لجعل منصته تعمل بشكلٍ أفضل، إلا أنه ينبغي إفهامه وإعلامه بشتى الوسائل. إن تعليقاته المذكورة آنفاً تزيد من حجم المعاناة التي يتعرض لها العاملون في مراقبة المحتوى العنيف في فيسبوك، وتنفي صعوبة عملهم وتعقيداته، والأهم من ذلك، تمنعهم من تنظيم أنفسهم والمطالبة بحقوقهم والتهديد بطردهم.

         احصل على أعداد مجلتنا المطبوعة إلى باب منزلك أو عملك بالبريد السريع عند صدور العدد

على مدراء المنصات التنفيذيين أن يتوقعوا ردود فعل عنيفةٍ من العاملين عندهم من الآن فصاعداً في جميع أنحاء العالم. فالآثار النفسية والجسدية لما يقوم به العاملون في مراقبة المحتوى على الإنترنت؛ صعبة للغاية بالفعل، وهناك ما هو أسوأ بكثيرٍ من ذلك في هذه الصناعة، لقد حان الوقت لوقف معاناتهم فوراً.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن