Reading Time: 4 minutes

بمناسبة الاحتفال بالعام العالمي لجدول التصنيف الدوري للعناصر الكيميائية الذي اختير ليكون عام 2019، نلقي نظرةً على بعض العناصر التي يستخدمها الباحثون في أعمالهم.

سنتناول اليوم عنصر الفضة، وهو عنصرٌ لطالما كان يُنظر إليه بوصفه علامةً على «المركز الثاني» بعد الذهب، لكنه ظُلم بهذا الوصف.

احتل الفضة مركز الوصيف دائماً بالنسبة لعناصر أخرى. فهو يمثل المركز الثاني في المنافسات الرياضية تاركاً المركز الأول للذهب. كما يحتل المركز الثالث (برمزيته) بعد البلاتين والذهب بالنسبة للمجوهرات وبطاقات الإئتمان، وعروض السفر بالطائرات وغيرها.

الفضة, عناصر, فائزون, ميداليات فضية

الفائزون بالميداليات الفخرية الفضية في أولمبياد سوتشي الشتوية عام 2014
— حقوق الصورة: Andy Miah/ فليكر

في عالم العناصر المفيدة، يجب أن يحتل الفضة الصدارة

بدأ اهتمامي بالفضة في صغري عندما كنت أعيش في كندا، كنت حينها مهتماً بجمع القطع النقدية من فئة ربع دولار، والتي كانت متداولةً قبل عام 1968، حيث تدخل الفضة في صناعتها بنسبة 80% (تبلغ قيمة القطعة الواحدة نحو 2.24 دولار هذه الأيام).

لكن مؤخراً، وفي مجال عملي في الأبحاث العلمية المتعلقة بمقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، أصبح اهتمامي منصباً بقدرة الفضة على قتل البكتيريا.

دور الفضة الطبي

للفضة تاريخ قديم في استخدامها طبياً لما لها من دور مطهر للبكتيريا. فقد استخدم الفينيقيون الفضة لتزخيف الأواني الفخارية لتعقيم المياه والسوائل (حوالي عام 1300 قبل الميلاد)، كما استخدم الفرس واليونانيون الأواني الفضية لتخزين مياه الشرب (5000-300 قبل الميلاد)، واستخدم الأميركيون الذين كانوا يسافرون لغرب أمريكا خلال فترة الثمانينيات من القرن التاسع عشر؛ العملات الفضية لتعقيم براميل المياه بوضعها فيها.

ومؤخراً، تستخدم برامج الفضاء الروسية والأميركية أيونات الفضة لتعقيم المياه، خاصة على متن محطة الفضاء الدولية.

وقد كانت تُستخدم الفضة الغروانية (معلّق يحوي حبيبات نانوية من مركبات الفضة) كعلاجٍ منزلي شائع للعديد من الأمراض، إلا أن المجمع العلمي لم يعترف بفوائدها المزعومة على الرغم من تسويقها وبيعها على هذا الأساس.

وتزعم بعض المواقع الإلكترونية أن استخدام الأثرياء في أوروبا لأدوات المائدة الفضية في العصور الوسطى، ربما كان له دور في نجاتهم من مرض الطاعون الدبلي الذي انتشر آنذاك، لكن الأدلة التي تدعم هذا الزعم قليلةٌ وضعيفة.

وفي موضوعٍ متصل، يُقال أن مصطلح «ذوي الدم الأزرق» الذي كان مستخدماً سابقاً في أوروبا، والذي كان يُقصد به الانتماء للعائلات الراقية الثرية عند وصف أحدهم به، مرتبط باستخدام تلك العائلات لأواني وأدوات المائدة الفضية. فالاستخدام المفرط لتلك الأدوات يؤدي إلى تسرب أيونات الفضة إلى الجسم مسببة مرض الأرجيريا، حيث يصبح لون الجلد مائلاً للزرقة.

وعلى الرغم من المزاعم السابقة التي لم تكن تستند إلى أي أساسٍ علمي، فقد استخدمت الفضة على نطاقٍ واسع في الطب بسبب خصائصها المقاومة للبكتيريا.

الفضة لمعالجة الحروق

اكتشف دور نترات الفضة في الوقاية من التهابات العين عند الأطفال الرضع عام 1880، وبقي يُستخدم لهذا الغرض حتى سبعينيات القرن الماضي. كما استخدمت محاليل الفضة لعلاج الحروق أيضاً، حيث نشرت العديد من الدراسات العلمية حول هذا الموضوع في ستينيات القرن الماضي، وقد أشارت إحدى تلك الدراسات إلى أن استخدام محلول نترات الفضة 5% لمعالجة الحروق الشديدة؛ قد أدى لتخفيض نسبة الوفيات المصابين بتلك الحروق.

ولا يزال محلول نترات الفضة 5% وكريم سلفاديازين الفضة 1% يستخدمان حتى الآن لمعالجة الحروق، بالإضافة لاستخدام ضمادات للجروح مشبعة بالفضة أيضاً. وقد أصبحت مركبات الفضة تستخدم في المنتجات التجارية مثل الضمادات المضادة للبكتريا، والجوارب، ومزيلات العرق، وحتى الطلاء المقاوم للبكتيريا الذي يُستخدم في عددٍ من المنتجات مثل الثلاجات.

قد تبدو فكرة استخدام الفضة على هذا النحو جيدةً إلى حدٍ ما، إلا أن هناك مخاوف متزايدة من أن الاستخدام الواسع للفضة كمضادٍ للبكتيريا قد يؤدي لظهور سلالاتٍ بكتيرية مقاومة ليس للفضة وحسب، بل للمضادات الحيوية التي يستخدمها البشر.

في الواقع، من غير المعلوم للآن كيف تقتل الفضة البكتيريا، ولكن يبدو أنها تعمل من خلال آلياتٍ متعددة، بما فيها تحطيم الجدار الخلوي، وتوليد الجذور الحرّة.

ينظر البحث الذي أعمل عليه في إمكانية استخدام الفضة مع المضادات الحيوية لدفعها للعمل بفعاليةٍ أكبر، خاصةً على البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. وقد توصل هذا البحث -الذي استمر لمدة 5 سنوات- إلى نتيجة بوجود تآزر أفضل بين الفضة وبين بعض أنواع المضادات الحيوية أكثر من غيرها، إلا أننا لا نعرف سبب ذلك حتى الآن.

ختاماً، يمكن أن يساعد هذا البحث في التوصل إلى صنع مضادات حيوية جديدة تكتسب فعالية أفضل، حيث يبقى تركيب المضاد الحيوي كما هو، ولكن يتم توصيله للجسم بواسطة محلول يحتوي الفضة بدلاً أيونات الصوديوم شائعة الاستخدام.

معلومات عن عنصر الفضة

أرجنتيت, الفضة, بكتيريا, جيولوجيا, عناصر, أحجار

حجر الأرجنتيت/ Robert M. Lavinsky/wikimedia commons

يعود أصل كلمة الفضة «Silver» إلى الاسم الأنجلوساكسوني (الإنجليزية القديمة) «Siofur»، بينما يعو د الرمز الكيميائي لها «Ag» إلى الاسم اللاتيني «Argentum».

يوجد الفضة في الطبيعة بعدة أشكال، قد يوجد بحالته النقية الخام على شكل تجمعاتٍ صغيرة (لكن هذا الشكل نادر أكثر من الذهب)، أو بشكله المتحد مع العناصر الأخرى كما هو الحال في الكبريت في حجر «أرجنتيت»، أو مع الرصاص في حجر «الجالينا».

يتم استخرج الفضة عن طريق الصهر وفصلها (تسخين يترافق مع بعض التفاعلات الكيميائية)، ويُعتقد أن هذه التقنية تعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد.

وقد كانت الفضة تُستخدم في السابق في صك العملات المعدنية والمجوهرات، واستخدمت حتى الأمس القريب في تقنيات التصوير التقليدي، من خلال عنصر الأفلام الحساسة التي تحتوي هاليدات الفضة. ولا تزال تُستخدم في صناعة المرايا والزجاج المزخرف والمستخدم في زينة أعياد الميلاد.

تقع الفضة في منتصف الجدول الدوري. وهي محاطة بمعادن أخرى مفيدة ومعروفة (في اتجاه عقارب الساعة من أعلى) مثل؛ النحاس والزنك والكادميوم والزئبق والذهب والبلاتين والبلاديوم والنيكل.

الفضة تعطي بريقاً أكثر من جيرانها، لأنها تتمتع بأعلى درجة انعكاسية من أي معدن آخر، كما تُعد الأفضل في التوصيل الكهربائي والحراري أيضاً.

الفضة تستحق أن تحتل المركز الأول بجدارة.

تم نشر هذه المقال بواسطة «مارك بلاسكوفيتش» في موقع ذا كونفيرسيشن