Reading Time: 3 minutes

الأحفوريات الفطرية نادرة للغاية بسبب طبيعتها العضوية المتحللة، لدرجة أن اكتشافاً جديداً بيّن أن أول ظهور لهذه الفطريات يعود في الواقع إلى 500 مليون عام قبل التاريخ، والذي كان محدداً سلفاً. ترجع أقدم الأحفوريات الفطرية المؤكدة إلى 450 مليون سنة تقريباً، وهي المرحلة التي هاجرت فيها النباتات من البحر إلى اليابسة، ومن بين أشهر الفطريات خلال تلك الفترة البروتوتاكسايت، التي يمكن أن يصل طولها إلى 8 أمتار، الأمر الذي أدى إلى اعتبارها من الأشجار لسنوات عدة.

أظهرت الفحوص السابقة للساعة الجزيئية -تقنية تحليل وراثية- للفطريات باستخدام التشخيص المعتمد على الحمض النووي، أن الفطريات ربما تكون تطورت بين 760 مليون و1.06 مليار سنة، ولذلك سيسد اكتشاف الأبواغ والخيوط الفطرية (أنابيب رقيقة وطويلة) في القطب الشمالي الكندي، والتي يعود تاريخها إلى مليار سنة، الثغرة التي كانت في السجل الأحفوري، وهو ما يعني أن الفطريات ربما عمرت الأرض قبل النباتات.

عثر على هذه الأحفوريات في صخور ربما كانت ذات يوم جزء من مصب للمياه الضحلة، وهي بيئة عادة ما تكون غنية بمواد مغذية، ومواد عضوية متراكمة تسمح بانتشار الفطريات. كما أن الملوحة العالية، ونسبة المعادن المرتفعة، ومحتوى الأوكسجين المنخفض في المناطق الساحلية القديمة قد وفرت ظروفا ملائمة للحفاظ على جزيئات الكيتين القاسية داخل جدران الخلايا الفطرية، التي كان من الممكن أن تتحلل لو لم تتوافر هذه الظروف.

في حين أنه ليس من المؤكد ما إذا كانت الفطريات المكتشفة قد عاشت في هذا المصب، أم أنها ترسبت من اليابسة، إلا أنها تظهر العديد من الصفات المتوقعة في الفطريات الأرضية الحديثة، فالبويغات واضحة المعالم، وكذلك الأنابيب المتفرعة (الخيوط الفطرية) التي تساعد الفطريات على استكشاف بيئتها، وحتى جدران الخلايا المكونة من طبقتين صافيتين يبدو بجلاء أنها تعود لفطريات. في الواقع، من الصعب تمييزها عن الفطريات الحديثة دون علم مسبق بمدى قدمها.

أسلاف النباتات

لعبت الفطريات دوراً هاماً في تشكيل الغلاف الحيوي للأرض على مدار المليار عام الماضية، تمثل في تكوين شراكات وثيقة مع النباتات الأولى التي ظهرت على الأرض منذ 500 مليون سنة. فنظراً لغياب الجذور في هذه النباتات، اعتمدت هذه الأخيرة على الفطريات لتنمو داخلها وتمتد خارجاً نحو التربة المعدنية البدائية، بحيث تفرز الخيوط الفطرية أحماض عضوية لإذابة الصخور واستخراج العناصر الغذائية منها، في عملية تُعرف باسم التجوية الحيوية. وفي المقابل، تنقل النباتات العناصر الغذائية التي تنتج خلال عملية التمثيل الضوئي إلى الفطريات.

وقد أدى تبادل الموارد بين النباتات المبكرة والفطريات إلى نمو وتطور وتنوع الحياة النباتية على الأرض، وظهور أنواع ومجتمعات وأنظمة بيئية أكثر تعقيداً، وهذه العملية ما زالت سارية إلى اليوم، إذ إن أكثر من 90% من النباتات البرية ترتبط بشريك فطري من نوع أو آخر، وبعضها يعتمد كلياً على الفطريات من أجل البقاء.

كان لزيادة التكافل بين النباتات البرية والفطريات آثار مثيرة على الغلاف الجوي، فمع وفرة الوصول إلى المعادن، طورت النباتات آليات أكثر فعالية للتمثيل الضوئي من أجل التقاط هذه الطاقة. على سبيل المثال، من خلال تحسين التحكم في حركة ثاني أكسيد الكربون والماء من وإلى الأوراق. وأدى الامتصاص المتزايد لثاني أكسيد الكربون على مدى ملايين السنين إلى ارتفاع تركيز الأوكسجين في الغلاف الجوي، ما ساعد على ظهور حياة حيوانية أعقد من أشكال الحياة التي كانت مستويات الأكسجين السابقة تسمح بظهورها (مفصليات الأرجل).

تصبح قصة التطور واضحة منذ تلك النقطة، مع ذلك، يثير الدليل الأحفوري الجديد، الذي يوضح كيف أن الفطريات ظهرت على الأرض قبل 500 مليون سنة من النباتات، أسئلة جوهرية حول بدايات المسيرة التكافلية بين النباتات والفطريات.

كان يُعتقد سابقاً أن النباتات انتقلت إلى الحياة البرية في الوقت نفسه الذي انتقلت فيه الفطريات المائية، لكن يفتح الاكتشاف الجديد الباب أمام إمكانية أن الأرض كانت تعد لاستقبال الحياة النباتية منذ مئات الملايين من السنين. فدور الفطريات كان بالغ الأهمية في تحويل الأراضي القاحلة إلى التربة الخصبة الغنية بالكربون التي نعرفها اليوم، وذلك من خلال إذابة الصخور الغنية بالمعادن وإفراز الأحماض العضوية القائمة على الكربون. لذلك، فظهور الحياة النباتية ربما لم يكن ليكتب له النجاح لولا دهور من العمل التمهيدي الذي قامت به أسلافها من الفطريات.

إن التحدي البارز الذي يواجه العلماء الآن هو تحديد ما إذا كانت هذه الفطريات القديمة في الأصل برية، وتحديد مكانها في شجرة الحياة التطورية، وبما أن التركيز أصبح ينصب على العثور على مزيد من الأحفوريات الفطرية، فإن فهمنا لتطور الغلاف الحيوي في مراحله المبكرة لا شك سيحقق قفزات كبيرة.
ما هو واضح بالفعل هو أنه بدون الفطريات ما كنا لنوجد، فهي دعامة الحياة على الأرض اليوم، إذ إنها تلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على النظم الإيكولوجية السليمة في جميع أنحاء الكوكب، من صحاري أنتاركتيكا إلى الغابات المطيرة الاستوائية، وعلى ما يبدو فنحن بحاجة لشكرها على 500 مليون سنة إضافية.