Image

الوراثة ليست كل شيء

Bread assortment

حقوق الصورة: مراكز السيطرة على الأمراض / ويكيمديا كومونس
مجموعة من فيروسات روتا، وهي إحدى أنواع العدوى المرتبطة بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين


تتشابه مناطق كاريليا في كل من فنلندا وروسيا بشكل كبير. إذ أن لها أسلوب معماري متميز، وتشترك في التراث والجينات، وتتكلم بلهجات متماثلة. ولكن الشخص الذي يعيش في الجانب الفنلندي يكون محاطاً بحوالي عشرة أضعاف من الأشخاص المصابين بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين.

وذلك ليس لأن الفنلنديين يأكلون المزيد من الخبز. فالروس يأكلون الغلوتين بشكل أكثر من جيرانهم الإسكندنافيين، ولذلك يمكن التوقف على الفور عن عزْو ذلك إلى تناول مثل هذه المنتجات التي تحتوي على القمح المكرر! حيث لم يتضح بعد السبب الدقيق لهذا الفارق الكبير بين مجموعتين متشابهتين جداً من السكان. ويعدّ هذا المثال مفيداً، حتى وإن بقي دون إجابة.

ويُذكر بأن جميع الأشخاص المصابين بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين تقريباً لديهم واحد من اثنين من الشذوذات الوراثية. الأمر الذي يشير إلى أن هذا المرض سببه وراثي على الأغلب، وليس مشكلة بيئية. ولكن بالنظر إلى منطقة كاريليا، حيث تعيش مجموعتان من الأشخاص المتطابقين في الوراثة تقريباً، ولكنهم يختلفون إلى حد كبير في أنماط انتشار مرض حساسية الأمعاء للغلوتين. وفي الواقع، فإن الفرق الرئيسي بين السكان الفنلندين ونظرائهم الروس هو في أنماط حياتهم. ولا يقتصر الأمر على سكان منطقة كاريليا فقط. إذ أن هناك جزءاً كبيراً من الناس الذين لديهم نفس الشذوذات الوراثية الموجودة عند الأشخاص المصابين بهذا المرض، ولكن لا يصاب به سوى حوالي واحد في المئة من السكان. وفي نحو 15 في المئة من كافة التوائم المتماثلة التي تبدي علامات المرض، لا يصاب كلا التوأمين بالمرض. ويعني كل ذلك بأن مرض حساسية الأمعاء للغلوتين ليس مشكلة وراثية فقط، بل يرتبط بالبيئة أيضاً.

وعلى ما يبدو فإن هناك الكثير من العوامل التي تؤثر على احتمال الإصابة بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين. وتعد الإصابة بالعدوى هي أكثر النظريات انتشاراً. ومن الواضح بأن للعدوى آثار قصيرة الأمد على الجهاز المناعي، ولكن قد يكون لبعضها آثار أكثر دواماً. ففيروسات ريو على سبيل المثال، لا تجعل الشخص مريضاً، على عكس الفيروسات الأنفية (التي تسبب الزكام) أو فيروسات روتا (التي تسبب مشاكل الإسهال). أو بالأحرى، فإنها لا تجعل الشخص مريضاً بشكل واضح. وغالباً ما تسبب فيروسات ريو إصابات دون ظهور أعراض، مما يعني بأن الجسم يقوم بمقاومتها بشكل فعال ولكن لا تظهر الأعراض التي تدل على ذلك. وهذا ما يجعل كافة فيروسات ريو غير ضارة تقريباً، ما لم يكن لدى الشخص شذوذات وراثية تؤدي إلى الإصابة بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين.

ويشتبه الباحثون في جامعة شيكاغو، بالإضافة إلى العديد من المؤسسات الأخرى الرائدة، بأن فيروسات ريو يمكنها أن تغير الجهاز المناعي بشكل دائم بحيث يكون الشخص أكثر عرضة للإصابة بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين، على افتراض وجود العلامات الوراثية. وكان الباحثون على حق. حيث نشروا النتائج التي توصلوا إليها في مجلة سيانس يوم الخميس 6 أبريل 2017، والتي تظهر كيف يمكن لفيروسات ريو أن تؤثر على الأمعاء لفترة طويلة بعد مغادرتها الجسم.

فيروسات ريو + الغلوتين + الشذوذات الوراثية = مرض حساسية الأمعاء للغلوتين؟

وتقول بانا جبري – طبيبة أمراض الجهاز الهضمي وخبيرة في مرض حساسية الأمعاء للغلوتين – وهي الباحثة الرئيسية في الدراسة: “تعدّ الأمعاء مدخلاً ضخماً للبكتيريا والفيروسات.” وبما أن الأمعاء تشهد باستمرار بكتيريا وفيروسات جديدة، فقد تطوّر الجهاز المناعي بحيث يمكنه التمييز فيما إذا كانت البروتينات الجديدة تعود للعوامل الغازية أو هي عبارة عن مجرد مواد غذائية. وتضيف جبري: “إن الأمر أشبه بجهاز يفضل الدخول من مواقع معينة. وهو مصمم بحيث يدخل العدو من خلال باب معين، لأن تحته يوجد جيش من الخلايا المناعية التي تنتظر الهجوم.”

ويعمل ذلك الجهاز بشكل جيد في كافة الأوقات تقريباً. بل إنه يعمل بشكل جيد حتى وإن كان لدى الشخص أحد الشذوذين الوراثيين. وتدعى هاتان الطفرتان HLA-DQ2 وHLA-DQ8، وتمثل هذه الأحرف اختصارات لجزء من الجهاز المناعي الذي يميز بين الأجسام الذاتية وغير الذاتية ويسمى مستضد الكريات البيضاء البشري (HLA). ويمكن لوظيفة التمييز هذه أن تضطرب عند الأشخاص الذين يعانون من إحدى هاتين الطفرتين. فإذا حدثت – على سبيل المثال – عدوى بفيروس ريو بنفس الوقت مع تناول الطعام الذي يحتوي على الغلوتين، فقد يضطرب الجهاز المناعي. إذ تسبب بعض فيروسات ريو ردود أفعال التهابية في مكان مستقل عن مكان مواجهة الجهاز المناعي للغلوتين.

ولكن البعض لا يصاب بذلك. إذ تسبب بعض فيروسات ريو موجة من النشاط في المكان الذي يقوم فيه الجسم بتمييز الغلوتين، وإذا كان الشخص يملك إحدى الطفرتين، فمن الأسهل على الجهاز المناعي أن يجمع بين التفاعلين. حيث يعتقد بأن الالتهاب الذي يواجهه ناجم عن الغلوتين، وليس من فيروس ريو، ولذلك يبدأ بإنتاج خلايا مخصصة لمهاجمة الغلوتين.

وهذا هو أساساً مرض حساسية الأمعاء للغلوتين (وكذلك كافة اضطرابات المناعة الذاتية)، حيث يضطرب الجسم في التمييز بين ما يجب مهاجمته وما لا يجب مهاجمته.

وقامت بانا جبري وفريقها بإجراء هذه الدراسة على الفئران، لأنه يمكنهم تعديلها وراثياً لتصاب بطفرات شبيهة بطفرات المرض عند الإنسان، كما يمكنهم استخدام فيروسات ريو البشرية في التجربة. حيث قاموا بإعطاء الفئران هذه الشذوذات الوراثية، وتعريضها للغلوتين والفيروس، ومن ثم مراقبتها وهي تفقد القدرة على هضم الغلوتين. وكانوا بشكل أساسي يراقبون عملية الإصابة بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين بصورة مصغرة.

ومع ذلك، لم يقتصر الباحثون على الفئران. حيث توجهوا إلى الكشف عن إصابة مرضى حساسية الأمعاء للغلوتين بعدوى فيروسات ريو. والمفاجأة أنهم كانوا كذلك. ولم يكن لدى كافة الأشخاص مؤشرات تدل على إصابتهم السابقة بالفيروس، ولكن أظهرت مجموعة منهم علامات على شكل وجود الكثير من الأجسام المضادة للفيروس. وكان لدى هؤلاء المرضى أيضاً علامة مناعية مميزة – بعض التغييرات التي سببها فيروس ريو – والتي كانت مماثلة لما لاحظه الباحثون عند الفئران. وذلك ليس من باب الصدفة.

سبب أهمية ذلك

من المحتمل ألا يساعد ذلك الأشخاص الذي أصيبوا بالفعل بمرض حساسية الأمعاء للغلوتين، ولكنه قد يساعد الأجيال المقبلة. ويقول بيتر غرين – طبيب أمراض الجهاز الهضمي والمتخصص بمرض حساسية الغلوتين في جامعة كولومبيا – والذي لم يشارك في الدراسة: “إن هذه الدراسة مثيرة، لأنها تقدم بعض التفسيرات المادية للدراسات الوبائية. وعندما نعرف الآلية، يمكننا البدء بالتفكير بالعلاجات الممكنة.”

ويمكن للأشخاص الذين يرثون الطفرة DQ2 أو DQ8 أن يتم تطعيمهم تجاه فيروسات ريو المحرضة للمرض، مما يجعلهم أقل عرضة للإصابة بالمرض الكامل. ويقول غرين بأن الدراسات الوبائية تشير إلى نجاح ذلك. حيث يبدو بأن اللقاحات تجاه فيروسات روتا – والتي ترتبط بالمرض أيضاً – تحمي من الإصابة بالمرض.

وقد لا تكون الإصابة لمرة واحدة بالعدوى كافية لإثارة المرض، ولكن تتراكم عوامل مختلفة مع مرور الوقت حتى تصبح سيئة بما يكفي لظهور الأعراض. أو قد لا يحدث ذلك. ومن المعروف بأن هناك نقصاً في تمييز وتشخيص مرض حساسية الأمعاء للغلوتين، وخاصة في الولايات المتحدة، كما أن هناك الكثير من المرضى الذين ليس لديهم أي أعراض ومع ذلك ينتهي بهم الأمر بتلف الأمعاء.

وكما هو الحال دائماً في عالم العلم، فإن الأمر ليس ببساطة عامل واحد فقط. حيث يشير غرين إلى أن تناول المضادات الحيوية والولادة القيصرية يزيدان من خطر الإصابة بالمرض، مما يشير إلى أن الميكروبات المتعايشة تلعب دوراً في ذلك. وهناك تباين في مدى الانتشار في أنحاء الولايات المتحدة، إذ أن الناس في الولايات الشمالية أكثر عرضة لخطر الإصابة. وهذا قد يعني وجود تأثير لفيتامين (د).

والمهم هو أنه ما يزال هناك الكثير لاكتشافه حول المرض. فكلما عرفنا المزيد عن أسبابه، كلما كان بإمكاننا تطوير علاجات أكثر. وهذا قد يهم واحد في المئة فقط من السكان، ولكن تخيل مجرد محاولة إخبار شخص مصاب بالمرض بأنه يمكنه أن يأكل كرواسون الشوكولا أو قطعة من البيتزا مرة أخرى. ومن الجدير بالذكر بأن مجموعة من المرضى الأستراليين المصابين بالمرض والذين خضعوا لعلاج تجريبي بالديدان الخطافية اختاروا إبقاء هذه الطفيليات داخل أمعائهم بدلاً من العودة لتجنب الغلوتين. وسيتمكن اللقاح من التغلب على الديدان المعوية قريباً.

error: Content is protected !!