Image

خبراء ديناميكا الموائع يفسرون كيف ينجح رونالدو وبافارد بتسجيل أهداف تبدو مستحيلة.

Bread assortment لاعب منتخب ألمانيا ماريو جوتزه وهو يسجل هدف الفوز في مباراتهم ضد منتخب الأرجنتين في نهائي كأس العالم 2014.
مصدر الصورة: دانيلو بورجس

الأهداف المستحيلة هي بمثابة الأحجار الكريمة التي تزين كل نسخة من كأس العالم. نتذكر كيف سجل رونالدو هدفاً من كرة مقوسة سددها فوق جدار الصد نحو المرمى الإسباني في مرحلة المجموعات. وكيف سدد بنيامين بافارد كرة عرضية مقوسة لتؤهل المنتخب الفرنسي على حساب المنتخب الأرجنتيني في دور الستة عشر. كما نتذكر الهدف الساحق الذي سجله تاكاشي إينوي عندما سدد كرة مستقيمة رائعة غير ملتفة ليجعل المنتخب الياباني يتقدم على نظيره البلجيكي، وإن كان لفترة مؤقتة من المباراة قبل أن يتمكن الأخير من قلب النتيجة في الشوط الثاني.

لا شك أنها أهداف تحبس الأنفاس عند مشاهدتها. فكل لفة للكرة تقوم بتحريك الهواء حول سطحها الخارجي، مما يدفعها للانعطاف أثناء حركتها. بالنسبة للاعب بهذا المستوى من الاحتراف، يعد منح الكرة مساراً مقوساً حركة بديهية، فهي ليست سوى توجيه ركلة إلى حافة الكرة لجعل مسارها مقوساً في الاتجاه الصحيح. بالنسبة للفيزيائي، فإن نمذجة تدفق الهواء حول كرة قدم تسير بشكل منحن، تعد مزيجاً معقداً من القوى المؤثرة التي ترتبط جميعها بالطريقة التي يتحرك بها الهواء حول سطح الكرة.

يقول جون بوش، عالم الرياضيات التطبيقية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي): “في الحقيقة، الظواهر الفيزيائية معقدة إلى حد ما، ولكن هناك طرق بسيطة لتفسيرها”. ويضيف: “إن ما يجعلها تبدو غامضة هو عدم قدرتك على رؤية ما الذي يفعله المائع المحيط بالكرة، وهو الهواء في هذه الحالة”.

عندما تحلق كرة القدم في الهواء، يشكل الهواء طبقة حول سطحها. وفقاً لبوش، عندما تدور الكرة حول نفسها، فإنها تعكس اتجاه الهواء نحو أحد جانبيها. وهذا الانحراف في اتجاه الهواء يدفع الكرة في الاتجاه المعاكس.

تبدأ تسديدة بنيامين بافارد (في الأعلى) العرضية بركلة استخدم فيها الجانب الخارجي لقدمه اليمنى، والتي تضرب الجانب الأيسر للكرة، متسببة بدورانها حول نفسها باتجاه عقارب الساعة. يشرح بوش الأمر بأن هذا الدوران يقذف الهواء نحو الجهة اليسرى، والقوة التي تنشأ نتيجة ابتعاد الهواء عن الكرة تدفعها نحو الجهة اليمنى. وهكذا، فإن الكرة التي تدور حول نفسها باتجاه اليمين (أي في اتجاه عقارب الساعة) سوف تتخذ مساراً مقوساً أيضاً باتجاه اليمين. تسمى هذه القوة “تأثير ماجنوس”.

يقول توم بينسون، وهو مهندس الطيران والفضاء الجوي المتقاعد من ناسا الذي صمم برنامجاً حاسوبياً لنمذجة هذه المشكلة: “في حالة كرة القدم، هذه هي الطريقة التي يسدد فيها بيكهام كرة مقوسة”. إحدى الحيل التي تحدث في كأس العالم، هو أن تأثير ماجنوس يمكن التنبؤ به. فركل كرة القدم بحيث تدور عكس عقارب الساعة سوف يجعل مسارها مقوساً دائماً باتجاه اليسار، وإذا تعرضت لركلة من أسفلها (ضرب جزئها السفلي بحركة أمامية بمنحى مماس لسطحها الخارجي) بحيث تدور حول نفسها إلى الخلف؛ سيمنحها ذلك مزيداً من الارتقاء إلى الأعلى، في حين يؤدي ركلها من الأعلى بحيث تدور حول نفسها باتجاه الأمام إلى اتخاذها مساراً ساقطاً.

يقول بينسون: “هذا الأمر يساعد حراس المرمى، لأنهم بذلك يرون نموذجاً موحداً لانحناء مسار الكرة عندما يحاول اللاعبون تنفيذ كرات مقوسة أثناء تسديدها باتجاههم”. ويتابع: “إذا تمكن حارس المرمى من إدراك كيفية استدارة الكرة بالشكل الصحيح في كل مرة، فسيكون مقدار تقوسها هو نفسه في كل مرة أيضاً، وسيعلم عندها أين يتوجب عليه وضع يديه”.

يقول بوش؛ إن هذا يفسر جزئياً النزعة الكبيرة لدى اللاعبين لتسديد الكرات المقوسة أثناء تنفيذ الركلات الحرة، وذلك عندما يتعذر على حراس المرمى أيضاً أن يروا بدقة كيفية ركلهم للكرة بسبب الجدار الدفاعي. في هذه الحالة، يحاول اللاعب منفذ الركلة الحرة إرسال الكرة من فوق الجدار الدفاعي ثم جعلها تنخفض بعد ذلك، مثل التسديدة الرائعة التي نفذها كريستيانو رونالدو خلال مباراة البرتغال ضد إسبانيا في مرحلة المجموعات ضمن الدور الأول لنهائيات كأس العالم.

يقول بوش إنه يمكن للاعب أن يغير الكيفية التي تدور بها الكرة حول نفسها عبر ركلها باستخدام الحافة الداخلة أو الخارجية لأقدامهم لتطبيق الحركة الدورانية.

في التسديدة المصورة أعلاه، يركل رونالدو الكرة بمشط قدمه اليمنى، وتبدأ الكرة بالالتفاف نحو الخلف باتجاه قدمه اليسرى، وذلك نتيجة الحركة الدورانية التي طبقها على الكرة بعكس اتجاه عقارب الساعة. وبين قوة الرفع التي طبقها على الكرة، وهي ضرورية لكي ترتفع فوق حائط الصد، والمنحني الواسع الذي سلكته الكرة، لم يكن لدى حارس المرمى أي فرصة حتى لكي يتحرك قبل أن تعانق الكرة الشباك في الزاوية العليا منها.

إن تركيب السطح الخارجي لكرة القدم وتصميمها هو ما يبقي الهواء متحركاً حول سطح الكرة بطريقة يمكن التنبؤ بها، ويحول دون انعكاس تأثير ماجنوس. يقول بوش: “إن كان لديك كرة ناعمة الملمس تماماً، يمكن لها عندئذ أن تنحرف بطريقة خاطئة إذا جاز التعبير”. يتابع: “كنت ألعب كرة القدم على شاطئ البحر في نيس، وكنا نلعب بالكرة الشاطئية، حيث كانت تنحرف بطريقة خاطئة. كنت عندها على وشك أن أقول: يا إلهي، إن عالمي ينهار هنا!”.

خلال بطولة كأس العالم التي أقيمت في جنوب أفريقيا في العام 2010، كانت الكرة بشكل أساسي ناعمة للغاية، وكان تأثير ماجنوس معرضاً للانقلاب، حيث كان مسار الكرة ينحني بشكل معاكس للاتجاه الذي كان يتوقعه اللاعبون. يقول بوش، الذي قدم توضيحاً عملياً لهذه الظاهرة في رقة بحثية صدرت عام 2013: “إن ضربت كرتين متماثلتين تماماً، حيث إحداهما خشنة والأخرى ناعمة، فسينحني مسارهما بطريقتين متعاكستين”. هذا التقلب في تأثير ماجنوس يفسر جزئياً لماذا كأس العالم لا تزال من أكثر المسابقات البارزة في عالم الرياضة.

بالعودة إلى نهائيات كأس العالم في 2010، كانت ملاعب البطولة العشرة متوزعة على ارتفاعات مختلفة للغاية، من مستوى سطح البحر في كيب تاون إلى ما يتعدى 1,600 متر بقليل فوق سطح البحر في جوهانسبرج. هذا يعني أن المباريات كانت تشهد في تلك البطولة كثافات مختلفة من الهواء. هذا يفسر جزئياً ما الذي جعل ناسا وبينسون يشتركان في نمذجة سلوك الكرة في ذلك العام. ففي كثافات الهواء المختلفة كانت الكرة تسير بسرعات مختلفة للغاية وفقاً لما يقوله بينسون. من الصعب جداً تسديد الكرة بشكل مقوس إن كان الهواء أقل كثافة، لأن الضغط اللازم لدفع الكرة في اتجاه معين يصبح أقل.

نظراً لأن جميع مباريات كأس العالم 2018 لُعبت على نفس الارتفاع فقضية كثافة الهواء لم تؤثر على سلوك الكرة في مجريات البطولة، ولكن بينسون يقول إنه يمكنك رؤية هذا التأثير في ملاعب البيسبول على ارتفاعات عالية. يوضح بينسون: “ترتفع دنفر ما يقرب من 1,600 متر عن سطح البحر، وعلى ارتفاع كهذا فإنك تخسر من 25 إلى 30% من كثافة الهواء. وبالتالي فإنك تخسر حوالي 2.5 سنتيمتر أو 5 سنتيمترات من نصف قطر المسار المنحني لكرتك”.

وفق رأي تاكيتو ميتزوتا، مهندس الموائع في معهد فوكويوكا للتكنولوجيا في اليابان؛ إذا لم تلتف الكرة حول نفسها، فإنها تقوم بشيء يسمى “الفرملة الزاويّة“، حيث ينحرف الهواء عن الكرة وفق اتجاهات عشوائية، ما يجعلها تتراقص وتتلوى في الهواء بشكل لا يمكن التنبؤ به. فلم يعد هناك دور لتأثير ماجنوس الثابت، وبدلاً من ذلك تتحرك دوامات الهواء حول سطح الكرة.

يقول ميتزوتا إن هذه الحركة تدفع الكرة في مسار غير منتظم، مشكلة بذلك الفقاعات. ووفقاً لبوش؛ فإن حركة الفرملة الزاويّة هذه تحدث فقط عندما تتحرك الكرة دون أن تلتف حول نفسها، وعادة ما تتحقق عندما ينجح اللاعب بتطبيق تلامس متقن وسريع على الكرة، ويكون موقعه في العادة فوق الصمام الهوائي لها حيث تكون الكرة أكثر صلابة. من شأن ذلك أن يحول قدر الإمكان دون تحول قدر كبير من طاقة الركل إلى حركة دورانة.

وقد نجح تاكاشي إينوي من تسجيل هدف رائع من كرة “مفرملة” (غير ملتفة) عندما واجه اليابان المنتخب البلجيكي في دور الستة عشر في الثاني من يونيو من هذا العام. عندما تشاهد هذه التسديدة بالعرض البطيء، يمكنك ملاحظة أن الأشكال المطبوعة على الكرة تكاد لا تتحرك أبداً بينما تندفع الكرة في الهواء داخل المرمى. عدم دوران الكرة حول نفسها حال دون قدرة حارس المرمى البلجيكي تيبو كورتوا على التنبؤ بوجهة الكرة إلى أن كان قد فات الأوان.

يقول ميتزوتا: “يرتعش جميع حراس المرمى أمام اللاعب الذي يمكنه تسديد هذه الكرات التي تلتف ببطء أثناء انطلاقها باتجاه المرمى”. (على الرغم من أن هذا الهدف الياباني لهذا العام لم يكن كافياً لتأهيل المنتخب الياباني إلى الدور ربع النهائي)

ولكن لاعبي كرة القدم في كأس العالم لا يتريثون بغية التفكير بشأن ميكانيكا الموائع قبل القيام بهذه اللمسات الأنيقة. يقول بوش وهو يضحك: “هناك علم الفيزياء، وهناك مهارة التسديد. لن تر مهندساً أو فيزيائياً يطأ أرض الملعب ويبهرك بتسديداته. فالمهارات يتم تطويرها من خلال الممارسة، وليس من خلال معرفة المبادئ الفيزيائية”.

error: Content is protected !!