Image

تريفور باور ومجموعة من الفيزيائيين يتحدَّثون عن كيفية اختراع رمية منزلقة جديدة.

Bread assortment تريفور باور يُطلق الرمية الأولى لفريق كليفلاند إنديانز.
مصدر الصورة: صور جيتي

عندما يقف رامي البيسبول في الدوري الرئيسي على مرتفع الرمي، فأمامه مسافة 18.4 متر تقريباً حتى يجعل الكرة تلتهب في مسارها قبل أن تتجاوز القاعدة النهائية، غير أن ترسانة الرميات هي التي تميِّز الرامي الجيد عن الرامي الرائع، وهي: رمية سريعة بإصبعين، رمية سريعة بأربعة أصابع، رمية منزلقة، رمية منحنية، رمية قاطعة، رمية البراجم… كلٌّ من هذه الخيارات يجعل الكرة تدور بشكل مختلف لتحقيق حركة مميزة.

يقول تريفور باور (الرامي الأول لفريق كليفلاند إنديانز): “يوجد الكثير من الأشياء المختلفة التي تعتمد على الفيزياء في لعبة البيسبول، فهي ليست لعبة قوة بقدر ما هي لعبة مهارة”. ويتميز باور بمعرفته الواسعة عن فيزياء البيسبول، حيث إنه درس الهندسة في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، غير أنه يعزو حبه للعلوم إلى والده -وهو مهندس كيميائي- الذي علمه المنهج العلمي.

والرماة في هذه اللعبة يتلاعبون بالتوقيت وطريقة إمساك الكرة حتى يجعلوها تنخفض وتلتف عابرة للقاعدة النهائية، وعلى الرغم من أن الكثير منهم لا يفكر كثيراً في الفيزياء التي تحكم رمياته -كما يقول باور- إلا أن طريقة حركة الهواء حول الكرة الدوَّارة هي التي تتحكم في حركتها ومسارها. صحيح أن اللاعبين الآخرين يطبقون مبادئ معقدة في ديناميكا الموائع دون قصد، لكن باور قرَّر أن يدرسها حتى يتمكن من إضافة رميات جديدة إلى مجموعته. وخلال الاستراحة ما بين موسمي 2017 و2018، تمكن باور -وبشكل علمي- من تطوير رمية منزلقة جديدة بالنسبة إليه، ولتحقيق هذا كان عليه أن يفهم ما يحدث فعلاً أثناء الرمية.

يقول ألان ناثان (فيزيائي متقاعد كان يعمل في جامعة إيلينويس، وهو يدرس فيزياء البيسبول): “يوجد لدى الرامي الكثير من الأدوات التي يمكن أن يستخدمهان وأعتقد أن الأشياء الأساسية هي السرعة، وسرعة الدوران، ومحور الدوران”.

تؤثر سرعة الكرة وسرعة الدوران على مقدار حركة الكرة في الهواء، فمع دورانها يتحرك الهواء حولها، ويرتدُّ عن أحد جانبي الكرة، كما يحدد محور الدوران وسرعة الدوران اتجاه اندفاع الهواء وقوته. وإذا دارت الكرة عكس عقارب الساعة (أي باتجاه اليسار) حول محور عمودي، فسوف تتحرك نحو اليسار، لأن الدوران يدفع بالهواء إلى اليمين، فيؤدي هذا التدفق إلى ظهور منطقة ضغط منخفض على الجانب الأيسر، مما يؤدي إلى تحرك الكرة نحو منطقة الخلاء تلك، وفقاً لباور. وتسمى هذه القوة المؤثرة على الكرة بقوة ماجنوس، وهي التي تؤدي إلى أثر انحناء مسار الكرة غير المباشرة أثناء اندفاعها نحو الضارب.

غير أن قوة ماجنوس لا تستخدم دائماً بهدف أن ينحني مسار الكرة كثيراً، فمثلاً تعتمد الرمية السريعة رباعية الخطوط على قوة ماجنوس حتى تقاوم قوة الجاذبية، حيث يقول إيريك جوف (بروفسور فيزياء في جامعة لينشبيرج): “حتى ترمي الكرة بأسرع ما يمكن، يجب أن تكون أصابعك ويدك خلف الكرة عند إطلاقها، وحينئذ ستتدحرج أصابعك على الجهة الخلفية من الكرة بحيث تدور نحو الأعلى”. ويقول جوف إن قوة ماجنوس الناتجة عن هذا الدوران تساوي تقريباً ربع وزن الكرة، وبطبيعة الحال لا تلغي قوة ماجنوس أثر الجاذبية بشكل كامل، ولكنها تعطي الرمية دفعة إضافية نحو الأعلى، أو “قفزة” بلغة البيسبول.

تريفور باور يمسك بالكرة أثناء الرمي.
مصدر الصورة: صور جيتي

أما الدور الحقيقي لقوة ماجنوس فهو في الرمية غير المباشرة، ففي هذه الرمية تظهر الكرة وكأنها في نفس المستوى مع أعلى منطقة الإصابة (تقريباً عند منتصف بطن الضارب)، ومن ثم تنخفض إلى مستوى ركبتي الضارب عند عبورها القاعدة. يقول جوف: “عادة ما تترافق الرمية غير المباشرة بخداع بصري غريب، حيث تبدو الكرة كأنها تتحرك على خط مستقيم تماماً، ولكنها تتجه نحو الأسفل في الثانية الأخيرة”، وتلعب الجاذبية دوراً هاماً هنا، كما يقول جوف: “تحدث نسبة ثلاثة أرباع من هبوط الكرة في النصف الثاني من تحليقها نحو القاعدة”. ويمكن للرامي أن يجعل الكرة تدور نحو الأسفل عن طريق تحريك أصابعه إلى الأسفل أمام الكرة، وهو ما يضاف إلى تأثير الجاذبية ويزيد من حركة الرمية نحو الأسفل.

ولكن قد تكمن أحياناً قيمة الرمية في نقص التدفق، حيث يتدفق الهواء حول كرة البيسبول على شكل شرائح انسيابية (ويسمى: التدفق الصفيحي)، أو على شكل جيوب هوائية مضطربة، وينشأ هذا الفرق في التدفق عن كيفية دوران خطوط الكرة (أي خطوط قطب الخياطة التي تجمع نصفي الكرة) في الهواء وتأثيرها على حركة الكرة، وذلك كما يقول باور.

كما تعتمد رمية البراجم على جيوب الهواء المضطرب، حيث يقول جوف: “في رمية براجم ممتازة، قد تتقلَّب الكرة بمقدار ما بين نصف دورة إلى دورة كاملة أثناء طريقها نحو القاعدة”، حيث يختفي أثر قوة ماجنوس بسبب ضعف دوران الكرة أو انعدامه، ويبقى فقط أثرا التدفق الصفيحي والمضطرب الناتجَين عن اصطدام خطوط الكرة بالهواء في مسارها، مما يجعل الكرة تغير حركتها باستمرار مع تغير التدفق في أماكن مختلفة حولها، ويؤدي هذا إلى رمية عشوائية لا يمكن توقُّع مسارها بدقة.

يقول ناثان: “تعتبر الحركة الفوضوية لرمية البراجم مثالاً على ما يطلق عليه الفيزيائيون اسم تابع عشوائي، وقد يؤدي أي تغير بسيط في ظروف إطلاق الكرة إلى تغيرات كبيرة جداً فيما يحدث لاحقاً”، كما يمكن لإضافة دوران إلى الكرة بالخطأ أن يؤدي إلى رمية بطيئة وواسعة. ويقول جوف إن الإمساك بالكرة أثناء رمية البراجم يشبه محاولة عصر بذرة بطيخ بأصابعك، وذلك من أجل تقليل دوران الكرة إلى أقصى حد ممكن.

كما يقول باور إن تشكيل جيوب هواء مضطرب في مكان واحد على الكرة يمكنه أن يضيف المزيد من الحركة إلى الحركة الناتجة عن قوة ماجنوس، وعندما تؤدي أماكن الخطوط إلى ظهور منطقة خشنة غير منتظمة على الكرة، فإن الهواء المضطرب يقوم بسحبها إلى هذا الاتجاه. يقول باور: “هذه المنطقة الخشنة تشبه عجلة سيارة تسرَّب منها الهواء، وإذا حصل الجانب الأيمن على نسبة أكبر من الهواء المضطرب، فسوف تتجه الكرة نحو اليمين”. ويمكنك أن ترى التطبيق العملي لهذا في الرمية الغارقة لباور، حيث تعتمد على تركيبة من قوة ماجنوس والهواء المضطرب حتى تهبط إلى الأسفل وتتجه يميناً بسبب توضع خطوط الكرة.

وقد اعتمد باور في ذلك على معلوماته عن قوة ماجنوس وأثر تدفق الهواء، وقبل موسم 2018، قرَّر أنه يستطيع أن يضيف إلى مجموعته رمية منزلقة بدون حركة عمودية ناتجة عن الدوران (فقط الجاذبية)، مع حركة أفقية بمجال يتراوح ما بين 17.8 سنتمتر و 25.4 سنتمتر. وعادة ما تقع الرمية المنزلقة ما بين الرمية السريعة والرمية المنحنية من حيث السرعة ومقدار الحركة، يقول باور: “أصبح تصنيف الرميات صعباً لأنها تتوزع ما بين فئات لا تختلف عن بعضها بشكل فعلي، ويمكنك الآن أن تحدِّد مواصفات الرمية كمياً، مما يجعل التصنيفات عديمة الجدوى نوعاً ما لأنها تعتمد على وجهة نظر الشخص نفسه”. ومهما كان تعريفك للرمية المنزلقة، فقد اعتبر باور أن ترسانة رمياته ستصبح أشد خطورة بإضافة رمية تتمتع بهذه الحركة تحديداً.

بدأ باور بدراسة الدوران الجيروسكوبي لكرة القدم (أي بدون حركة أفقية أو عمودية)، ويقول: “كنت في حاجة إلى رمية جيروسكوبية بشكل كامل، ولكن بمحور مائل نحو الأعلى قدر الإمكان. وكلما تمكَّنت من إمالة المحور نحو الأعلى، حصلت على حركة جانبية أكبر”، حيث تؤدي زيادة الإمالة إلى زيادة قوة ماجنوس التي تؤثر على الكرة جانبياً. وباستخدام الدبابيس في تحديد محور الدوران، أمضى باور ووالده ست ساعات وهما يعملان على طريقة إمساك الكرة للحصول على تدفق صفائحي يضيف الحركة الجانبية الناتجة عن قوة ماجنوس.


وما أن أتقن باور طريقة الإمساك حتى بدأ يشاهد صوراً ومقاطع فيديو لرماة آخرين ينفِّذون رميات مشابهة، مثل ستيفن ستراسبورج من فريق واشنطن ناشيونالز وماركوس سترومان من فريق تورنتو بلو جايز. يقول باور: “تبين لنا أن طريقة الإمساك التي صممناها بمفردنا تماماً -وبالاعتماد فقط على قوانين ومبادئ الفيزياء- مطابقة لطريقة الإمساك التي يستخدمها ستراسبورج وسترومان. الفرق الوحيد أنني استغرقت مع والدي ست ساعات لتطويرها، بدلاً من عشرين سنة من التجارب والأخطاء”.

كما استغرق باور ست ساعات أخرى من الرمي وتجريب طريقة الإمساك قبل أن يحقِّق الرمية التي يريد، إضافة إلى رمية مقوَّسة بطيئة صممها بطريقة مماثلة. ويقول: “ولكنني أثبتُّ أنني قادر على تنفيذها بنفسي”. وقد جرَّب باور رميته المنزلقة في التدريبات الربيعية محققاً نتائج رائعة، قائلاً: “لقد كنت متشجعاً للغاية، ومن ثم بدأ الموسم، وخلال الأسبوع الثاني فقدتُ القدرة على تنفيذها تماماً”.

يقول باور إن فقدان القدرة على تنفيذ رمية جديدة أمر عادي: “ستختفي الرمية بدون شك، وبالتالي فإن الاختبار الحقيقي لإتقانك لها هو قدرتك على استعادتها بعد خسارتها”.

 

باور مرة أخرى… لا داعي لمزيد من الشرح.
مصدر الصورة: صور جيتي

يحتاج الرماة إلى مجموعة منوعة وكبيرة من الحركات؛ لأن الرمي يعتمد على تشويش توقيت الضارب، ووفقاً لباور فقد تمر فترة عشر ثوانٍ تقريباً بعد إطلاق الكرة قبل أن يقرِّر الضارب أن يلوِّح بالمضرب. يقول جوف: “يؤدي تغيير سرعات الرميات إلى بلبلة توقيت الضارب، ويؤدي تغيير موقع الرمية إلى وضع الضارب في موضع التخمين”، وكلما زاد التنوع، سجَّلَ الرامي مزيداً من الأهداف، وهو ما كان يأمل باور أن يحققه برميته المنزلقة.

وقد حاول باور خلال الشهر الأول من الموسم استعادة رميته المنزلقة، مستخدماً رمياته الأخرى في المباريات، كما أنه درس مقاطع فيديو بالحركة البطيئة لزملائه في الفريق ممن يستخدمون رميات منزلقة مشابهة، مثل كوري كلوبر وماك كليفينجر، إضافة إلى سترومان، وقارن ما بين طرقهم في إمساك الكرة وطريقته، ويقول: “لقد تبيَّن لي أن أصابعي كانت تمتد إلى أمام الكرة أكثر من اللازم، مما أدى إلى حركة عمودية تتجاوز المقدار المرغوب، مع تناقص الحركة الأفقية”.

وكانت المشكلة هي بقاء الكرة في يده لوقت أطول من اللازم، وهو يقول: “يمكنك أن تتلاعب بطريقة الإمساك بحيث تؤخِّر أو تقدِّم لحظة إطلاق الكرة قليلاً”، ولهذا -ومن أجل تقديم لحظة إطلاق الكرة بمقدار 2 ميلي ثانية- طوى باور إبهامه تحت الكرة بدلاً من موضعه المعتاد، فاستقرَّ مجال الحركة الأفقية لرميته ما بين 17.8 سنتمتر و25.4 سنتمتر.

يقول باور: “هذه هي القوة الحقيقية لفهم مبادئ الفيزياء وما يحدث فعلياً في تلك اللحظة الحاسمة، فقد كان من السهل عليَّ أن أطبِّق التعديلات اللازمة؛ لأنني أعرف جميع المعاملات اللازمة للتحكم، وهذا يعود إلى دراسة الموضوع بالتفصيل وفهمه وتصميم الرمية بشكل شخصي”.

ووفقاً لناثان فإن باور يعد من الشخصيات المميزة في الدوري الرئيسي للبيسبول، وذلك بسبب معلوماته الفيزيائية حول رمياته، في حين أن معظم اللاعبين الآخرين لا يفكرون في هذه المسائل، ويعتقد باور أن هذا يعود لسبب وجيه، وهو أن تحليل فيزياء اللعبة يصعِّب من اللعب إذا لم تستطع الانتقال إلى عقلية الأداء السريعة. ويقول إنه محظوظ لأنه حظي بوقت كاف في دوري الناشئين حتى يدرس الموضوع بدقة، وهي رفاهية لا تٌتاح لأغلب اللاعبين، كما أنه لا يعتقد أنه يجب على الرماة الطموحين محاكاة أساليبه، وفي الواقع فهو يرى أن على اللاعبين الصغار أن يعتمدوا على مدربين جيدين بدلاً من دراسة الفيزياء.

وبينما يستمر باور في الرمي في الدوري الرئيسي، تمتد الفيزياء إلى خارج حدود الملعب. يقول جوف: “تكمن روعة العلم في أنه لا ينطبق على البيسبول وحسب، بل على أي شيء يتحرك في الهواء”.

error: Content is protected !!