Reading Time: 4 minutes

تم تداول المياه لأول مرة في بورصة «وول ستريت» بجانب النفط والذهب في أوائل ديسمبر/ كانون الأول عام 2020. قد يبدو ذلك غريباً، لكن هناك حقيقة محزنة خلف هذه الأخبار. تتقلّص المصادر الآمنة للمياه؛ التي ساهمت بنشوء الحضارات وازدهارها عبر التاريخ؛ مثل الأنهار الجليدية وحزم جليد القطب الشمالي؛ التي تتدفّق منها الأنهار كل ربيع، يوماً بعد يوم. يكشف بحث جديد أن العالم الآن يخسر الجليد أسرع بنسبة 65% مما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي، وبمعدّل 1.3 تريليون طن سنوياً.

في أعمال «الخيال المناخي» الأدبية غالباً ما تركّز صور الكارثة البيئية على خاصية المياه ذاتها؛ التي لفتت انتباه تجار العقود الآجلة، فألهمت الكتّاب عبر التاريخ قصصاً مخيفة عن عوالم مستقبلية تغمرها المياه، ولكن مع ذوبان الصفائح الجليدية في العالم فعلياً كما توقّع العلماء في أسوأ السيناريوهات، لم تعد تلك القصص ضرباً من الخيال؛ فوفقاً لتوقعات الإدارة الوطنية لعلوم المحيطات والغلاف الجوي، من المحتمل أن يرتفع مستوى سطح البحر بمقدار مترين ونصف بحلول عام 2100.

يتردد صدى هذه التوقعات العلمية مع النبوءات التي تملأ مختلف الثقافات منذ فجر التاريخ؛ كيف ستختلف الحياة في عوالم تغمرها المياه؟ ومن سيكون مسؤولاً عن الطوفان؟ وكيف يمكن للناس اليوم أن يواجهوا هذا المستقبل الغارق؟ لا شكّ في أننا قد نجد إجابات كثيرة حول ذلك في الأعمال الأدبية.

1. استحضار الطوفان

تعود قصة الطوفان الذي دمّر العالم في التقاليد اليهودية والمسيحية إلى سفينة نوح وما قبلها؛ إلى قصة الطوفان السومري؛ الذي تعود سرديته التاريخية إلى حوالي عام 2000 قبل الميلاد. كان الناس حينها يتناقلون هذه الرواية إلى أن سُطرت على اللوح الحادي عشر من ملحمة «جلجامش».

تتكرر قصة الطوفان في أساطير معظم الثقافات؛ فنجد في أساطير قبائل «أوجيبوي»؛ التي عاشت في أميركا الشمالية، قصصاً عن الثعبان العظيم والطوفان العظيم، وقصّة مانو وماتسيا ما هي إلا أسطورة هندوسية عن الطوفان، ونجد أيضاً الحكاية الويلزية لدويفان ودويفاش؛ التي تحاكي الأسطورة اليونانية القديمة حول ديوكاليون، ابن بروميثيوس؛ والذي نجا من الطوفان بعد أن بنى قارباً كبيراً أنقذه منه.

يجسّد الطوفان في معظم هذه القصص غضب الآلهة على المجتمع المنغمس في الملذّات أو المجتمع الكافر. مع ذلك، ينجو الأشخاص الأخيار في النهاية فقط. يرسل الإله زيوس طوفاناً لمعاقبة البيلاسجيانس (الشعوب اليونانية القديمة) المتكبرين؛ يأمر نوح ببناء الفلك، بينما يحذّر الإله فيشنو؛ والمتجسّد في جسد ماتسيا الذي يشبه السمكة، مانو الفاني طيب القلب من الطوفان القادم. يشبه حديثنا اليوم عن ارتفاع مستوى سطح البحر تلك القصص القديمة، مع إلقائنا اللوم على الاحتباس الحراري في ذوبان الجليد.

2. محيطٌ من الوحدة

كثرت الروايات المروعة لعدة قرون، لكن رواية «العالم الغارق» عام 1962 للكاتب الإنجليزي «جيمس جراهام بالارد» كانت من أوائل الروايات التي عرضت رؤية حديثة لكوكبٍ غارقٍ في مياه البحر. يتخيل بالارد مدينة لندن الهادئة عام 2145 وقد غمرتها المياه تماماً؛ مليئة بالتماسيح العملاقة، ويغزوها غواصو السكوبا المرتزقة؛ الذين نهبوا متاحف وكاتدرائيات المدينة.

مدن المستقبل, مدن غارقة, روايات خيال علمي

غلاف الطبعة الأولى من العالم الغارق – الصورة: دار بيركلي

تستكشف رواية «العالم الغارق» آثار العزلة البشرية؛ حيث تصبح لندن خالية إلا من بعض الناجين والجنود وجامعي القمامة. تعاني شخصيات الرواية من الوحدة في جزرٍ منفصلةٍ كما يعانى الكثير منا الآن منها أثناء الإغلاق؛ إذ يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى إغراق وتدمير المدن الساحلية، ويحدّ من الروابط العاطفية بين مَن بقِي هناك، وهكذا؛ ومع أرضٍ مقطّعة الأوصال، يتوقّع بالارد عالَماً أكثر وحدةً وعنفاً.

3. العمل سوياً

تعرض رواية «نيويورك 2140» للكاتب «كيم ستانلي روبنسون» مدينةً غارقة تحت الماء عام 2140؛ أي قبل غرق مدينة لندن الذي تنبأت به رواية بالارد بخمس سنوات، ولكن بغض النظر عن تصوير المدن الغارقة، فإن وصف الكاتبين لها مختلف تماماً. نقرأ في أحد المراجعات حول الرواية في صحيفة «ذا نيويوركر»: «قد تكون نيويورك غارقةً تحت الماء، لكنها أفضل من المدينة السابقة».

يتنقل روبنسون في السرد بضمير المتكلم الأول والثالث، مع إعطاء السرد في عدة أقسامٍ إلى راوٍ مؤرّخٍ حضري عالِم ببواطن الأمور؛ يُدعى «المدينة» أو «تلك المدينة سمارتاس». تصف هذه الأقسام التغيرات في منطقة خليج هدسون خلال الألفية الماضية؛ منذ أيام ما قبل الاستعمار، مروراً بكارثة عام 2008، وصولاً إلى ارتفاع منسوب البحار والكوارث العالمية، وحتى حدوث الطوفان في «الوقت الحاضر» للقصة.

يشير هذا الاستشراف المستقبلي لقصص الخيال المناخي أن العمل الفردي لإصلاح البيئة لن يكون مجدياً، ولكنه ضروري كشكلٍ من أشكال الإصلاح؛ وذلك نوعٌ من التشاؤل (أي بين المتفائل والمتشائم) الذي يشيع في الروايات الخيالية التأملية. يجب على الفرد إما اتخاذ إجراءات سياسية لمواجهة كارثة المناخ المتوقعة، أو مواجهة عالمٍ غارق بمفرده كما كان مصير «كيرانس»؛ بطل رواية بالارد؛ الذي كان مفتقراً لصفات الشجاعة والنخوة.

بينما كان بطلتَا رواية روبنسون (شارلوت والمفتّشة جِن)؛ سيدتان في منتصف العمر تعملان في إعادة توطين اللاجئين، وفي مجال الشرطة على التوالي، وتعيشان في نفس مشروع الإسكان التعاوني في «ماديسون سكوير بارك» مع فرانكلين؛ تاجر العقود الآجلة الشاب الذي يتلاعب بالسلع المائية. نجح جيران هذا التاجر الشاب؛ الذين اتصفوا بعقلية مجتمعية، بتغيير نهجه المتلاعب في التجارة ودفعه إلى التمرّد؛ هذا يعني -بالنسبة لروبنسون- أن الأفراد يمكنهم التغلّب على الصعوبات إذا نظموا أنفسهم.

تحتاج مواجهة مشكلة ارتفاع منسوب البحار أكثر من مجرّد محاولة التكيف مع العيش على السواحل التي غمرتها المياه. تعرض بعض الأعمال الخيالية كيف سيحدّ ارتفاع مستوى سطح البحر من إنتاج الغذاء؛ كما في رواية «The Windup Girl» للكاتب «باولو باسيغالوبي»، بينما تصوّر أعمالٌ أخرى عواقب الهجرة الجماعية إلى الأجزاء الصالحة للسكن المتبقية من الكوكب؛ كما في رواية «مشروع أوزوريس» للكاتبة «إي جي سويفت».

تعرض هذه القصص ارتفاع مستوى سطح البحر باعتباره تهديداً وجودياً لحياة الإنسان؛ والذي يتفاقم بسبب عجز وتقاعس الأفراد في المجتمع، بينما تذهب روايات الخيال العلمي المناخي الحديثة؛ مثل رواية نيويورك 2140، إلى أبعد من ذلك، وتعمل عند مستوى الخيال الطوباوي (غير العلمي) المُضمن في رؤية بالارد البائسة في روايته؛ متسائلةً في النهاية: «ماذا لو فعلنا شيئاً حيال ذلك؟»