Image

حان الوقت لوضع خطة جديدة.

Bread assortment لقطة للمريخ بالتلسكوب الفضائي هابل في 18 يوليو، 2018
مصدر الصورة: ناسا، إيسا، المعهد العلمي للتلسكوبات الفضائية

فكر بوصفة طعام مألوفة لديك، بل إنها محفورة في ذاكرتك المطبخية لدرجة أنك قادر على تطبيقها بعد يوم طويل من العمل بدون تفكير. لنفرض أنك وضعت الأطباق وأواني الطبخ على طاولة العمل، وسخنت الفرن، ولكن… تباً. يبدو أن أحد المقادير الهامة نفد تماماً، وأقرب متجر يقع على بعد ملايين الكيلومترات، هل حان وقت الخطة البديلة؟

بالنسبة لمن يحلمون بإجراء عملية تأهيل كوكبي على المريخ (تحويله إلى كوكب صالح للحياة) باستخدام غازات الدفيئة المحلية، فقد يجدون نفسهم في وضع مشابه، أي أنهم يمتلكون خطة مفصلة بدون ما يكفي من المواد الخام لتنفيذها. وقد نشر بحث مؤخراً في مجلة Nature Astronomy  حول نقص محتمل في كمية ثنائي أوكسيد الكربون على المريخ، بحيث لا يكفي لتحويله إلى نسخة ثانية من كوكبنا الجميل.

إن تأهيل كوكب المريخ في المستقبل ليس بالأمر البديهي أو المضمون، حيث توجد الكثير من المخاوف الأخلاقية القديمة حول تغيير كوكب آخر ليصبح مناسباً لنا، ولكن باعتبار النظرة الإيجابية إلى هذه الفكرة في الثقافة الشعبية، والتوجه نحو إرسال البشر إلى المريخ (وإن ببطء شديد)، فقد استمر إجراء الأبحاث حول مسألة التأهيل الكوكبي.

تقوم إحدى الأفكار –والتي لاقت قبولاً جيداً- لتحويل المريخ على استغلال الاحترار العالمي من أجل تدفئة كوكب آخر. وذلك عن طريق إطلاق غازات الدفيئة في الغلاف الجوي المريخي لاحتباس الحرارة الصادرة عن الشمس، وإذابة مخزونات الجليد وثنائي أوكسيد الكربون تحت السطح، وتشكيل غلاف جوي أقرب ما يكون إلى الغلاف الجوي الأرضي. غير أن هذه الفكرة تعتمد على وجود ما يكفي من ثنائي أوكسيد الكربون في مخزونات الجليد والصخور بحيث يحدث أثراً ملحوظاً عند إطلاقه في الهواء. ويؤكد هذا البحث الجديد أن الكمية الموجودة لا تكفي لتحقيق تغيير ملحوظ على هذا الكوكب.

استخدم الباحثون بيانات من البعثات المريخية الحالية، بما فيها بعثة “ميفن MAVEN” (بعثة الغلاف الجوي والتطور المتقلب للمريخ، والتي أطلقت في 2013)، وتمكنوا بفضلها من وضع تصور أولي حول تجمعات ثنائي أوكسيد الكربون على المريخ. يقول بروس جاكوسكي، جيولوجي في جامعة كولورادو، والمؤلف الأساسي للبحث: “من أهم الأسئلة العلمية المتعلقة بالمريخ: أين اختفى ثنائي أوكسيد الكربون، وأين اختفى الماء؟ ومن هذه الأسئلة تنتج أسئلة أخرى، مثل هذا السؤال الأساسي: كم بقي من ثنائي أوكسيد الكربون على الكوكب، وهل يمكن نقله إلى الغلاف الجوي؟”.

يعتقد علماء الكواكب أن الغلاف الجوي للمريخ كان أكثر كثافة مما هو عليه الآن، ما يقترح أن كمية ثنائي أوكسيد الكربون في السماء كانت أكبر بكثير من الكمية الحالية. ما زال هناك الكثير من هذه المادة على الأرض والزهرة. تتركز أغلب الكمية على الزهرة في الغلاف الجوي، أما على الأرض، فيوجد جزء في الغلاف الجوي، وجزء محتبس في الصخور والمواد المعدنية المسماة بالأملاح الكربونية. وبالنسبة للمريخ، فيتركز بعض منه مجمداً في المناطق القطبية، والبعض الآخر محتبساً في الصخور والرسوبيات، أما الباقي فقد تلاشى في الفضاء.

بما أن الغلاف الجوي للمريخ حالياً أقل كثافة بكثير من الغلاف الجوي للأرض، يجب أن نضيف مقداراً كبيراً من الغاز إلى الغلاف الجوي لإيصال ضغط الغلاف الجوي إلى حالة يمكن عندها أن يدعم وجود الماء السائل على السطح. يقول جاكوسكي أن تسخين الكوكب يتطلب حوالي بار واحد (واحدة للضغط الجوي) من ثنائي أوكسيد الكربون، على حين يعتقد آخرون أنه يمكن تأهيل الكوكب بمقدار أقل من ضغط الغلاف الجوي. ولكن حتى لو قمنا بإذابة مخزونات ثنائي أوكسيد الكربون في القطبين، فسوف لن تكون كافية، ولن تضيف إلى الغلاف الجوي أكثر من حوالي 6 ميلي بار.

يوجد المزيد من ثنائي أوكسيد الكربون في الصخور والرسوبيات، ولكن الوصول إليها بأساليب التعدين الحالية مستحيل عملياً. وفي البحث، يقول جاكوسكي والمؤلف المشارك كريستوفر إدواردز أن استخراج ما يكفي من ثنائي أوكسيد الكربون قد يتطلب ما يكافئ عمليات تعدين سطحي ضخمة قد تمتد على مناطق كاملة من الكوكب، ولكن التقنيات الحالية لا تبشر بالخير من هذه الناحية.

يقول جاكوسكي: “ما يزال تأهيل المريخ ممكناً. ونستطيع مثلاً تصنيع غازات دفيئة عالية الفعالية، مثل الكلوروفلوروكربون، وستكون قادرة على تسخين الكوكب، ولكن هذا يتطلب أنظمة تصنيع متقدمة تتجاوز بكثير ما هو موجود حالياً. وبالتالي، لن نتمكن من تحقيق هذا الأمر إلا في المستقبل البعيد في أحسن الأحوال”.

يعتمد البحث الجديد بالكامل على البيانات الحالية، ولكننا ما زلنا نكتشف المزيد عن المريخ يومياً، ويقول جاكوسكي أن السنوات القليلة المقبلة قد تحمل معها المزيد من النتائج المثيرة للاهتمام: “حالياً، هذا أفضل تخمين لدينا، ولكنه قد يتغير مع الحصول على المزيد من المعلومات. نرغب بطبيعة الحال بأن تزداد البعثات إلى هناك، وعلى وجه الخصوص، نرغب بتفحص بعض العينات بشكل مباشر”.

حالياً، يعمل المسبار المداري لتتبع آثار الغازات التابع لوكالة الفضاء الأوروبية على جمع المزيد من المعلومات حول الكوكب. كما أن العربة الجوالة مارس 2020 التابعة لناسا قد تفيد في الاستعداد لبعثة تعود ببعض العينات المريخية من الغلاف الجوي والتربة إلى العلماء على الأرض.

ولكن، حتى لو كانت البيانات الصادرة عن البعثات المستقبلية أكثر مدعاة للتفاؤل، أو حققنا قفزة تكنولوجية تمكننا من تغيير عالم آخر، يجب أن نسأل نفسنا إذا كان يجب أن نفعل هذا فعلاً.

يقول جاكوسكي: “لا أفهم لماذا نريد تأهيل المريخ للحياة. أعلم أن الكثير من الأشخاص يدعمون الفكرة بوصفها إجراء احتياطياً في حال أفسدنا الأرض تماماً، ولكن أعتقد أنه من الأسهل أن نحافظ على الأرض بحالة جيدة بدلاً من تغيير مناخ المريخ”.

error: Content is protected !!