Image

وسيستمر في تحطيم هذه الأرقام القياسية.

Bread assortment

في حوالي الساعة 11 مساء يوم الاثنين 29 أكتوبر، تمكنت بعثة ناسا التي تهدف إلى “ملامسة الشمس” رسمياً من تحطيم الرقم القياسي لأسرع مركبة فضائية متحركة، أي أنها أصبحت أسرع شيء صنعه الإنسان على الإطلاق، وذلك من حيث السرعة بالنسبة للشمس. غير أن تحقيق لحظة تاريخية واحدة لم يكن كافياً بالنسبة للمسبار المقدام على ما يبدو، ففي نفس اليوم وصل إلى مسافة أقرب إلى الشمس من أي مسبار آخر قبله.

يقول آندي دريسمان (مدير المشروع) في بيان صحفي: “لقد مضى 78 يوماً فقط منذ إطلاق المسبار الشمسي باركر، وقد اقتربنا الآن من نجمنا أكثر من أية مركبة فضائية أخرى في التاريخ”.

ووفقاً لحسابات الفريق، فقد بلغت السرعة القصوى التي حققها المسبار -التي تمثل الرقم القياسي الجديد- 246,960 كيلومتراً في الساعة، وذلك عند قياسها من الشمس الساكنة. وهي أكثر من 90 ضعفاً من سرعة الرصاصة العادية، وحوالي ضعف سرعة الأرض في مدارها حول الشمس، وهي أقصى سرعة سيصل إليها معظمنا في حياته. كما أن هذا المقدار يتجاوز قليلاً جزأين من عشرة آلاف جزء من سرعة الضوء، أو 230 “ميكروضوء” وفقاً لوصف الفيزيائي الفلكي جوناثان ماكدويل على تويتر. وفي نفس اليوم، وصل المسبار بفضل هذه السرعة المهولة إلى مسافة 42.72 مليون كيلومتر عن سطح الشمس، أو حوالي ثلث بُعد مدار الأرض عن الشمس.

وليس من قبيل الصدفة أن باركر كسر الرقمين القياسيين اللذين حققهما المسبار هيليوس 2 -الذي أطلقه الأميركيون في أبريل 1976 بعد أن صنعه الألمان- في نفس اليوم، حيث إن حركة المسبار في أغلبها لا تعزى إلى محركاته أو صواريخ الإقلاع، بل إلى كونه من الناحية العملية يهوي في سقوط مستمر نحو مركز النظام الشمسي.

وإذا اعتبرنا أن اتجاه الأشياء التي تتحرك بتأثير قوة الثقالة هو “الأسفل”، فهذا يعني أن الشمس -من وجهة نظر ثقالية- تقع في أسفل قمع مفتوح نحو الأعلى، حيث تدور الكواكب ضمن هذا القمع بسرعة كبيرة، مثل الأرض التي تتدحرج ضمن هذا البئر الثقالي بسرعة 30 كيلومتراً في الثانية (كما يفضل الفلكيون التعبير عن السرعة). وإذا زادت السرعة عن هذا الحد فسيرتفع الجسم خارجياً من البئر، كما فعل المسباران فوياجر ونيو هورايزنز للوصول إلى أقاصي النظام الشمسي، أما إذا تناقصت السرعة فسوف يتحرك الجسم في مسار حلزوني مقترباً من الشمس.

ويعمل ماكدويل في مركز هارفارد – سميثسونيان للفيزياء الفلكية، وهو يشبِّه مكان الأرض في البئر الثقالي بالمنطقة الضحلة عند الشاطئ، قائلاً: “يجب أن نبتعد لمسافة طويلة حتى نخرج من النظام الشمسي، ولكننا لسنا في حاجة إلى الارتفاع كثيراً؛ حيث إن الجاذبية تتحرك قرب كواحل أقدامنا”. وعلى سبيل المثال، فقد أقلعت المركبة نيو هورايزنز عن الأرض بسرعة 16 كيلومتراً في الثانية بالنسبة للكوكب، وهي تمثل الرقم القياسي لأعلى سرعة إطلاق، ولكن هذا الإطلاق تم في نفس اتجاه حركتنا المدارية، مما أدى إلى إضافة سرعة الأرض إلى سرعة الإطلاق نفسها، ودفع المركبة نحو بلوتو.

أما باركر فقد اعتمد على الطريقة المعاكسة؛ قد يكون الوقوع نحو الشمس سهلاً لو كان المسبار ساكناً، ولكن مجرد وجوده على الأرض يُكسبه نفس السرعة الهائلة التي تتحرك بها الأرض، ولهذا توجب على علماء الصواريخ في ناسا إبطاؤه أولاً، وذلك عن طريق إجراء عملية الإطلاق بشكل معاكس تماماً للحركة المدارية للأرض، مما أدى إلى تخفيض السرعة بمقدار النصف تقريباً، فأصبح المسبار حراً للبدء بالسقوط نحو الداخل. يقول ماكدويل: “لهذا السبب يوجد ترابط بين الرقمين القياسيين للبعد عن الشمس والسرعة، فكلما اقتربت أكثر توغَّلتَ في البئر الثقالي وزادت سرعة سقوطك أكثر”.

وهذا ما حدث بالضبط؛ فقد وصل المسبار إلى سرعة حوالي 70 كيلومتراً في الثانية، واستمر في تحطيم الأرقام القياسية بشكل متواصل حتى مرحلة الاقتراب النهائي من الشمس في 6 نوفمبر، حيث وصل إلى 95 كيلومتراً في الثانية مع عبوره نقطة تبعد عن الشمس بمقدار خُمس أقرب مسافة للأرض من الشمس. وبعد ذلك، بدأ يلتفُّ حول الشمس بهذه السرعة الكبيرة التي سمحت له بالخروج من البئر الثقالي تدريجياً، مكملاً أول نصف من دوراته الكثيرة التي ستقرِّبه من سطح الشمس تدريجياً.

وستؤدي هذه الدورات بباركر في نهاية المطاف إلى أن يغطس مباشرة في البلازما المحيطة بالشمس، وهي التي لا نعرف عنها الكثير. ومن التناقضات الغريبة أن الهالة الشمسية تلتهب بحرارة أعلى بملايين الدرجات من سطح الشمس نفسها، على الرغم من امتدادها لملايين الكيلومترات في الفضاء. وتتوقع ناسا أن باركر سيأخذ عينات مباشرة من هذه المنطقة المجهولة في دورته الثانية والعشرين، التي قد تحدث بعد حوالي ست سنوات.

وحتى ذلك الحين، سيواصل باركر تحطيمَ أرقامه القياسية السابقة للسرعة ومدى الاقتراب من الشمس، وهو ما يصفه ماكدويل بأنه إحياء مناسب للإرث المهمل لهيليوس 1 و2، حيث يقول: “إن المسابر الفضائية الرائعة من فترة السبعينيات -التي كانت تتسم بالطموح الكبير- كانت عبارة عن ثلاثة أزواج: فايكنج وفوياجر وهيليوس. وإذا كنت قد سمعت بفايكنج وفوياجر، فمن المرجح أنك لم تسمع قط عن هيليوس”. ويشير ماكدويل إلى أن هذا قد يعود إلى أن قياساته للرياح الشمسية والحقول المغناطيسية الشمسية لم تجذب اهتمام العامة كما فعل أنسباؤه من حملة الكاميرات، غير أن رقمه القياسي للسرعة صمد لمدة 42 سنة على أي حال.

وكان هيليوس 1 يحمل الرقم القياسي لأسرع مركبة فضائية متحركة بالنسبة للأرض، بقيمة تساوي تقريباً 96 كيلومتراً في الثانية، ولكن باركر لم يترك هذا الرقم القياسي وشأنه. ووفقاً لماكدويل، فقد تجاوز هذه السرعة في 5 نوفمبر، محقِّقاً رقماً قياسياً جديداً يساوي 110 كيلومتر في الثانية بعد يومين.

error: Content is protected !!