Reading Time: 2 minutes

تزخر بعثات ناسا بالابتكارات والاختراعات على أنواعها، وسواء كنت تهبط على المريخ أو تدخل مداراً حول كوكب بعيد، فإن البعثات الفضائية تتطلب تحقيق تطورات وإنجازات تقنية خارقة. وفي هذه السنة، فإن وسام أروع المركبات الفضائية، وجائزة أفضل ابتكار لهذا العام، هما من نصيب المسبار الشمسي باركر؛ حيث إنه ذاهب إلى أخطر مكان في النظام الشمسي، وهو الشمس نفسها. ولن يكتفي بالاقتراب منها إلى مسافة معقولة وحسب، بل “سيطبع قبلة” على وجنة نجمتنا الجحيمية الملتهبة، على حد تعبير ناسا.

ولم يسبق لأية وكالة فضائية أن أرسلت بمركبة فضائية إلى هذه المسافة القريبة من الشمس من قبل، وقد وصلت المحاولات السابقة إلى مسافة 40 مليون كيلومتر تقريباً عن السطح، ولكن المسبار الشمسي باركر سيدور حول الشمس على مسافة وسطية تساوي حوالي 6.4 مليون كيلومتر. وحتى يتمكن من تحقيق هذا دون أن يتحول إلى كتلة ذائبة من الخردة المعدنية، فهو مزود بدرع حراري ثوري. ورغم أن حرارة سطح الشمس تبلغ وسطياً 5,500 درجة مئوية، إلا أن المسبار الشمسي باركر لن يقترب إلى هذا الحد؛ حيث يتوقع الفريق أن تصل حرارة المركبة كحد أقصى إلى 1,370 درجة مئوية خلال معظم فترة البعثة البالغة ست سنوات ونصف، وهو مبنيٌّ حتى يتحمل هذه الحرارة دون مشاكل.

ويتألف الدرع الحراري من مواد كربونية-كربونية (أي مادة كربونية مدعمة بالألياف الكربونية)، تشبه ما يستخدم لتصنيع بعض أنواع مضارب الغولف، غير أن هذه المادة تعرَّضت لحرارة مرتفعة، كما يتضمن أيضاً رغوة كربونية خاصة تحتوي على الهواء بنسبة 97%. وبإضافة طبقة جميلة من الطلاء الأبيض على المقدمة لعكس أشعة الشمس، فإن هذه المركبة الفضائية تصبح جاهزة لاقتحام هذه البيئة القاتلة. ويبلغ قطر نظام الحماية هذا 2.4 متر، وسماكته 11.4 سنتيمتر، ووزنه 72.5 كيلوغرام.

وقد اضطر مصممو البعثة إلى الانتظار لعقود كاملة حتى تصبح هذه التقنيات متاحة، فإذا كنت ستقترب من الشمس إلى هذا الحد، ولم يكن الدرع الحراري قادراً على التحمل، فإن بقية المركبة ليس لديها أدنى أمل.

ولم يحز المسبار الشمسي باركر على هذا الشرف من بوبساي بسبب طبيعة البعثة أو نظام الحماية الحراري وحسب، بل إنه أيضاً مزوَّد ببرمجيات جديدة ذاتية التحكم. ونظراً للرحلة الطويلة للمسبار -التي تبلغ ست سنوات ونصف للوصول إلى المدار الصحيح- فقد كان يجب على الفريق أن يحرص على تزويد باركر بالقدرة على تصحيح موضعه، أو “سلوكه” إذا انحرف في أي اتجاه؛ حيث إن الدرع الحراري سيكون عديم الفائدة إذا لم يكون موجهاً نحو الشمس بشكل مباشر، مهما بلغت روعة تصميمه، ولهذا أضاف المهندسون مجموعة من الحساسات لكشف ارتفاع الحرارة في الأماكن غير المناسبة وتصحيح زوايا الحركة عند الحاجة.

ومنذ إطلاقه في 12 أغسطس، عبر المسبار الشمسي باركر قرب الشمس على مسافة 24 مليون كيلومتر، محطماً جميع الأرقام القياسية السابقة. كما كان في ذلك الوقت يتحرك بسرعة 343,000 كيلومتر في الساعة تقريباً، مما يجعله أسرع مركبة فضائية على الإطلاق. ويبدو أن باركر لن يتخلى عن الصدارة قريباً، فعندما يقترب من الشمس في 2025، ستصل سرعة دورانه حول الشمس إلى مقدار يثير الدوخة ويساوي 692,000 كيلومتر في الساعة.

إن فهم الطقس الشمسي وسلوك الشمس مسألة هامة؛ لأن الأحداث الشمسية تؤثر بشكل مباشر على الأرض، إضافة إلى الأقمار الاصطناعية المحيطة بها. وقد تم إطلاق هذه البعثة الثورية لحل بعض من أكبر الألغاز التي تحيط بهذا المفاعل الاندماجي الهائل الذي ينير السماء. ولا شك في أن باركر يعتبر الأبرز في قائمة (أفضل ما هو جديد) لمجلة بوبساي في 2018؛ فهو مركبة فضائية ستستمر في تحطيم الأرقام القياسية، وإحداث تغييرات كبيرة في مجالات بحثية كاملة، لسنوات وسنوات.