Reading Time: 3 minutes

مندفعاً عبر الفضاء بينجمي، وعلى بعد نحو 7 مليار كم من الأرض؛ ابتعد مسبار ناسا «نيو هورايزونز» لدرجة أنه أصبح يملك منظوراً فريداً للنجوم.

في الـ 22 و 23 من أبريل/ نيسان الماضي، استخدم المسبار كاميرا التلسكوب بعيدة المدى خاصته لالتقاط صور لنجمين: «بروكسيما سينتوري»، و«وولف 359». تشير الصور التي استغرق إرسالها للأرض حوالي 6 ساعات ونصف، إلى أن هذين النجمين يبدوان وكأنهما موجودين في موقعين مختلفين في السماء عما نراه من الأرض.

مسبار ناسا, نيو هورايزونز, فضاء, النجوم

يمكن عرض هذه الصور باستخدام نظارات ثلاثية الأبعاد حمراء وزرقاء للكشف عن مسافة النجوم من خلفياتها. على اليسار النجم «بروكسيما سينتوري»، وعلى اليمين النجم «وولف 359». — مصدر الصورة: ناسا / مختبر جونز هوبكنز للفيزياء التطبيقية / معهد البحوث الجنوبي الغربي

يقول «آلان ستيرن»، الباحث الرئيسي من معهد «ساوثويست ريسيرتش» في تصريح عن ناسا: «من الواضح أن مسبار نيو هورايزونز يرى سماءً مختلفة عن تلك التي نراها من الأرض». ويضيف: «سمح لنا ذلك بأن نفعل شيئاً لم يفعله أحد من قبل، وهو أن نرى أن مواقع أقرب النجوم إلينا في السماء وقد انحرفت عن مواقعها التي نراها من الأرض».

تدعى ظاهرة اختلاف المواقع هذه بالتزيّح (اختلاف المنظر). وهي ببساطة اختلاف موقع جسم ما تبعاً لاختلاف منظور المراقِب الذي يرصده. يمكنك أن تلاحظ هذه الظاهرة بوضع إحدى أصابعك أمام وجهك، ثم إغلاق عينيك بالتناوب. وكما بيّن مسبار نيو هورايزونز، فإن هذه الظاهرة تحدث أيضاً على مسافات كبيرة في الفضاء.

في عام 189 قبل الميلاد، استخدم الفلكي اليوناني «هيبارخوس» أرصاداً لكسوف شمسي أُخذت من موقعين مختلفين لحساب المسافة بين الأرض والقمر. ما قاسه هيبارخوس كان «تزيّحاً نجمياً،» وهو ضروري في علم الفلك اليوم لتقدير المسافات بين الأرض ونجوم عدة. وبدلاً من مقارنة كسوفات للشمس، يرصد الباحثون اليوم حركة النجوم بالمقارنة مع مواقع نجوم أخرى بعيدة جداً بينما تدور الأرض حول الشمس، إذ تمثّل مواقع الأرض المختلفة حول الشمس مواضع رؤى مختلفة. ثم يستخدم الباحثون التزيّح لحساب المسافات عن هذه النجوم. إن أقرب النجوم إلى الأرض هما «بروكسيما سينتوري» الذي يقع على بعد يتراوح بين 4.24 و 4.37 سنة ضوئية، والنجم «بيرنارد» الذي يقع على بعد 5.96 سنة ضوئية.

لكن هذه المسافات ليست سهلة القياس دائماً، إذ بينما تدور الأرض حول الشمس، فإن مواقع النجوم تنحرف قليلاً، لكن بشكل غير محسوس تقريباً (وذلك لأن مسافاتها عن الأرض تبقى أكبر بكثير من قطر دوران الأرض حول الشمس). لا يمكن قياس هذه التزيّحات إلا بأكثر الأجهزة دقة.

في هذه المرة، فإن العين المجردة قادرة بسهولة على تمييز التزيّح. يقول «تود لاور» عضو في فريق نيو هورايزونز العلمي: «يقدم لنا المسبار أكبر خط تزيّح تم قياسه في التاريخ، إذا يزيد طوله عن 6.4 مليار كم، كما أنه يمثل أول توضيح لتزيح نجمي سهل الرصد».

لتمثيل هذا التزيّح الهائل صورياً، عَمِل لاور مع «براين ماي»، وهو فيزيائي فلكي -وعازف جيتار في فرقة كوين- لخلق صور متحركة. عمل العالمان على تركيب صورة للسماء مأخوذة من الأرض مع صورة أخرى مأخوذة بوساطة المسبار نيو هورايزونز؛ صانعين بذلك ما يدعى بالصور الاستريوسكوبيّة (التجسيمية، ثلاثية الأبعاد). يقول ماي: «هذه الصور لنجميّ بروكسيما سينتوري، ووولف 359، والمعروفة بشكل جيد بالنسبة للفلكيين المبتدئين وهواة علم الفلك على حد سواء، تبيّن أكبر مسافة بين منظورين مُثّلت بالصور خلال 180 سنة من ممارسة الاستريوسكوبية».

استكشف مسبار نيو هورايزونز -منذ إطلاقه عام 2006- كوكب بلوتو وأقماره عام 2015، ثم مر بمحاذاة حزام كايبر عام 2019. والآن، يكمل هذا المسبار رحلته إلى الفضاء العميق. وفي النهاية، سيخرج من المجموعة الشمسية وينضم إلى مركبتي فوياجر وبايونير اللتين سبقتاه إلى المجهول.