Reading Time: 4 minutes

يمكن لأشياء في الفضاء أن يكون لها تأثير كبير على أشكال الحياة التي تحاول العيش هنا على الأرض، وأبرز مثال على ذلك، هو سقوط النيزك الذي قضى على ثلاثة أرباع حياة الكوكب النباتية والحيوانية. يمكن في الأحيان أن يؤدي كل هذا الفضاء الفسيح إلى شيء أكثر غرابة من ذلك؛ ففي ورقة بحثية نشرت في مجلة «الجيولوجيا»، يقترح العلماء أنه ربما ساعدت سلسلة من المُستَعِرات العظمى البعيدة -النجوم التي انفجرت قبل ملايين السنين-، في تشجيع الأسلاف الأوائل للإنسان على تعلم كيفية السير في وضع مستقيم، أو منتصبين على قدمين.

يمكنك أن تقرأ الجزء السابق مرة أخرى إذا كنت ترغب في ذلك، لكنه لن يصبح أقل غرابة؛ فكيف لحفنة من النجوم التي تنفجر في مكان آخر، أن تؤدي إلى سير الإنسان العاقل على ساقيه؟

كان «أدريان ميلوت»، عالم الفيزياء الفلكية من جامعة كنساس، والباحث الرئيس بالدراسة، يدرس المستعرات العظمى طوال معظم حياته المهنية. وجد الباحثون قبل بضع سنوات رواسب حديدية حول العالم، تشير إلى أن مجموعة معينة من المستعرات العظمى قد انفجرت من مسافة مشتركة خلال إطار زمني مشترك.

يمكننا استخدام الرواسب لمعرفة أن أشعة هذه المستعرات الأعظمية بدأت في ضرب الأرض منذ 8 ملايين عام، وبلغت تلك الطاقة ذروتها مؤخراً عند 2.6 مليون سنة. تتوافق مسافة الإطار الزمني هذه -وفق ما يراه ميلوت وزملاؤه- مع نشاط بدأ من 123 سنة ضوئية تقريباً في منطقة تسمى «الفقاعة المحلية»، والتي تحتوي على غاز ساخن. يبدو أنه تولّد من سلسلة من المستعرات العظمى. وقد تكون النجوم الأصلية التي انفجرت 9 أضعاف كتلة الشمس، يقول ميلوت: «ما النتائج أو العواقب المحتملة لهذه المستعرات العظمى؟»

فضاء, مستعرات, المستعر الأعظم, الكون, البشر, نظريات

مستعر أعظم — حقوق الصورة: ناسا

لم تتم دراسة آثار انفجارات المستعرات العظمى على الأرض نفسها على نطاق واسع؛ فقد كانت أولى الأوراق التي تناولت هذه المسألة قد نُشِرَت في الخمسينيات. كانت الدراسة تركز على ما إذا كانت الانفجارات القريبة قد تسببت، أو شجعت على إحداث الانقراض الجماعي على هذا الكوكب. ومع ذلك فإن الجديد في ورقة ميلوت هو التركيز على ما إذا كان للمستعرات العظمى البعيدة تأثيرات بيئية تؤثر في الحياة على الكوكب أم لا؟ يجب أن يكون هناك بعض التأثير، أليس كذلك؟

تبعث الأشعة الكونية من المستعرات العظمى تماماً مثل أي انفجار سماوي آخر، وهذه الطاقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير وملموس للغاية؛ مثل إحداث تقلبات في درجة الحرارة.

يرى العلماء، علاوة على ذلك، أن المستعرات العظمى تبعث أشعة كونية، تبلغ طاقتها كوادريليون فولت (أي واحد و 15 صفراً). لكن المستعرات الكونية لا تُظِهر في العادة أشعة كونية تتجاوز طاقتها المليار فولت، يقول ميلوت: «هذه الأشعة أقوى بنحو مليون مرة من نوع الأشعة التي نتعرض لها عادة»، وهذا ما أثار شكوك ميلوت وباحثه المشارك «برايان توماس» -من جامعة «واشبورن» في توبيكا بولاية كنساس- في أن هذه الأشعة الكونية ربما كانت قوية بما يكفي لتأيين (الشحن الكهربائي) جزيئات الغلاف الجوي للأرض وصولاً إلى سطحها. يقول ميلوت إن: «هذا ليس طبيعياً؛ فعادة تتلاشى الأشعة على ارتفاعات الستراتوسفير، وبما أن هذه الأشعة تمضي مباشرة إلى الأرض، فهذا يعني أنها تؤين الجسيمات بالكامل، وينتج عن هذا مزيد من البرق المُمتَدِّ من الأرض إلى السحاب».

إن تأيّن الغلاف الجوي يوفر مزيداً من الإلكترونات والأيونات الحرة التي تخلق مساراً موصلاً لبدء البرق، ويمكن -نتيجة لذلك- أن تصبح قوة الصواعق أكبر بنحو 50 مرة بوصف هذا نتيجةً مباشرة لهذه المستعرات العظمى. أجرى الباحثان بعض النماذج الحسابية لسبر أغوار هذا السلوك، وهو ما يقودنا إلى النظرية الغريبة التي تطرحها الورقة البحثية. يعتقد الباحثان أن الزيادة في ضربات الصواعق التي تسببها هذه المستعرات العظمى؛ قد تسببت في سلسلة من حرائق الغابات، ويتضح ذلك من زيادة السُّخام والكربون المقابل لهذه الفترة الزمنية.

قد تكون هذه الحرائق مسؤولة عن حرق العديد من الغابات في شمال شرق أفريقيا، وتحويلها إلى حشائش السافانا. جرى افتراض في السنوات الأخيرة أن تحويل هذه المناطق إلى سافانا؛ ربما يكون قد شجَّع المشي على ساقين لدى البشر الأوائل. ربما كان السير على قدمين والأشجار متناثرة وسيلة أكثر كفاءة في استخدام الطاقة للتنقل من مكانٍ لآخر؛ لأن عدم وجود أشجار للاستلقاء عليها يجعل الوقوف أفضل للإنسان كي يلمح أياً من الحيوانات المفترسة الكامنة في العشب الطويل.

هذه النظرية -لسوء الحظ- لا تناسب بدقة ما نعرفه بالفعل عن التطور البشري. يقول «آشلي هاموند»، مساعد أمين الأنثروبولوجيا البيولوجية في المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي: «من الواضح لي أن هذا كتبه أشخاص لا يعملون في السجل الأحفوري مباشرة، وإن أولئك الذين عملوا في السجل الأحفوري سيخبرونك أنه قبل 2.6 مليون سنة، عندما وصلت هذه المستعرات العظمى إلى ذروتها، كان البشر يمشون على قدمين بالفعل»؛ إذ تعود أصول المشي على قدمين إلى 4.4 مليون سنة مضت؛ أي قبل مليوني سنة من الفترة الزمنية التي يقول عنها ميلوت وتوماس إن هذه السلسلة من المستعرات العظمى وصلت إلى ذروتها.

يقول هاموند: «إن المشي على قدمين هو في الواقع قديم جداً، إنها العلامة المميزة لأول سلالة بشرية، فمحاولة ربط شيء ما يحدث قبل 2.6 مليون سنة بها يُعدّ مبالغة». يرى هاموند أنه إذا كان المرء سيربط المستعرات العظمى بالتطور، فلن يكون من المنطقي ربطها ببداية المشي على قدمين، وإنما بظهور جنس الهومو، وظهورنا في وقت مبكر في الأحفوريات يعود إلى 2.8 مليون سنة مضت. يمكن العثور على هذا الجنس بأعداد أكبر في زمن يعود تقريباً إلى 2 مليون سنة مضت.

وما زلنا -علاوة على ذلك- لا نعرف حقيقة العوامل الدقيقة التي أدت إلى ظهور المشي على قدمين في أسلاف البشر. يقول هاموند: «ما زال النقاش محتدماً للغاية». فرضية السافانا واحدة من تلك الأشياء التي تمت مناقشتها بين العلماء، ومن المحتمل أن تكون عاملاً مساهماً. لكن هناك أيضاً أسئلة تحيط بالوقت الذي بدأت فيه المناظر الطبيعية الأفريقية في فقدان أشجارها، وتحولها إلى أراضٍ رطبة عشبية طويلة، ومعرفة المدى الذي حفزت الحرائق فيه فعلاً هذه العملية.

يؤكد ميلوت أنه وتوماس ليسا علماء حفريات، وهو يصف أفكار الورقة البحثية بأنها «توقعات نظرية»، ويقول إنه يرى أن النتائج مجرد مساهمة في جهد أكبر للتوصل إلى نظرية أقوى لتشكيل البرق، والتي يقول إنها: «غير مفهومة جيداً». من المفارقات أن هذا أيضاً أحد أكثر القيود الأساسية للبحث: فإذا لم نفهم كيفية بداية هذه الصواعق جيداً، فلن نتأكد من أن المستعرات العظمى قد تسببت حقاً في تصاعد ضربات الصواعق القادرة على إحراق الأرض، وإحراق كل هذه الغابات، ويقول ميلوت: «تعتمد فكرتنا بأكملها على فكرة أن الأشعة الكونية ستحفز البرق».

ليس هناك شك في أن الباحثين وجدوا علاقة مثيرة للاهتمام، لكنهم يجمعون على أن القول بأن المستعرات العظمى هي السبب في التحدث والمشي في وضع مستقيم؛ يحتاج إلى بعض الأدلة الملموسة.