Image

تنسى المجتمعات ما تشهده من أحداث بعد فترة، ويرغب هذا الفيزيائي بمعرفة السبب

Bread assortment قد تكون الذاكرة الجمعية مخزنة في المكتبات والسجلات والمتاحف، ولكنها تتلاشى على أي حال. مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

من المرجح أنك لن تصادف قصيدة لبابلو نيرودا عند تصفحك لبحثٍ رياضي. ولكن دراسة جديدة في مجلة نيتشر هيومان بيهيفيور Nature Human Behavior بدأت هكذا بالضبط مع هذا المقطع الشعري لنيرودا: “الحب قصير جداً، والنسيان طويل جداً”. يمثل هذا البحث، والذي يحمل عنوان “التلاشي الشامل للذاكرة والاهتمام الجمعيين“، محاولة طموحة لتحويل الانسياب البطيء للذاكرة الثقافية – مثل بقاء أغنية شهيرة لفترة طويلة في أذهان الناس، أو نسيانها – إلى طريقة عددية لقياس تناقص اهتمامنا بمنتجات ثقافية متعددة، أي أنه يسعى إلى تحويل أكثر الظواهر الإدراكية تجريداً إلى معادلة مباشرة ولا لبس فيها.

كانت الخطوة الأولى العثور على أسلوب مناسب لمراقبة ودراسة الذاكرة. وقد اختار المؤلف الأساسي للدراسة كريستيان كانديا، وهو فيزيائي تجريبي انتقل إلى مجال بحث التداخلات الاجتماعية، أن يراقب الانتباه كوسيلة غير مباشرة لقياس الذاكرة. وقد أصبح من الممكن حالياً مراقبة العينين بفعالية كبيرة وقياس سلوكياتنا على الإنترنت بعناية بالغة إلى درجة أن كانديا لم يحتج إلا إلى تحويل مشاهدات يوتيوب وعمليات البحث على ويكيبيديا إلى بيانات يمكن العمل عليها.

بعد ذلك، قام فريقه بتحليل الانتباه الإجمالي الذي حازت عليه خمس أنواع مختلفة من المنتجات الثقافية: الموسيقى والأفلام والسير الذاتية للرياضيين وبراءات الاختراع والأبحاث العلمية. ويقول الباحثون أنهم اكتشفوا نفس الظاهرة المتعلقة بتلاشي الذاكرة الجمعية في جميع هذه المجالات، وهي وجود نوعين من الذاكرة، وتلاشي واحدة منهما بسرعة أكبر من الأخرى.

يسمى النوع الأول بالذاكرة التواصلية، وهو ينتج عن الحوار وغيره من التفاعلات الاجتماعية، ويتلاشى بسرعة كبيرة نسبياً وفقاً للدراسة. ويكفي أن تنظر إلى تويتر لتؤكد صحة هذه النظرية، فمع حلول الساعة الخامسة مساء، ستجد تراكماً كبيراً من الإشعارات الهاتفية والمقالات الصحفية حادة النقد والصور المضحكة لدرجة أنك على الأرجح نسيت الأخبار العاجلة التي حدثت منذ بضع ساعات وحسب. ويجب أن يقوم شخص آخر بتذكيرك بها – في تغريدة مكررة – حتى تعود إلى دائرة تركيزك المباشر مرة أخرى.

أما النوع الثاني من الذاكرة في هذه الدراسة، وهو الذاكرة الثقافية، فهو ما نجده في السجلات وويكيبيديا. فعندما نتحدث عن شيء ما، ونحدد تفاصيل قصة معينة، نقرر أن نخزنها. ويمكن أن نحصل على هذا السجل عن طريق البحث في جوجل أو باستخدام نظام ديوي لتصنيف المكتبات. ونظراً لأن هذه الطريقة تتخطى التفاعل ما بين شخصين، فهي تدوم لفترة أطول بكثير. وعندما تضرب الكوارث ذاكرتنا الثقافية، مثلما يحدث عند نهب المتاحف أو حرق المكتبات، فهي تترك إحساساً قوياً نادراً ما تتركه الذاكرة التواصلية.

لقد أدى التداخل ما بين هذين الصنفين إلى تأثيرات كبيرة على نمذجة كانديا الرياضية. وبما أن الذاكرة المجتمعية تتلاشى بسرعتين متفاوتتين، ولكن في نفس الوقت، توجب على المعادلة أن تكون ثنائية الأسية، أي أنها تأخذ بعين الاعتبار كلا المعاملين في نفس الوقت. وهي على الشكل التالي:

 

النموذج ثنائي الأسية
مصدر الصورة: كانديا وزملاؤه

كانت عملية التلاشي متماثلة في كل المنتجات التي درسها الباحثون، ولكن زمن التلاشي كان يختلف حسب المجال. فقد دامت السير الذاتية لأطول فترة، وهي تدور ضمن الذاكرة الجمعية من عشرين إلى ثلاثين سنة. أما الموسيقى فكانت الأسرع اختفاء، مع فترة بقاء وسطية تساوي 5.6 سنة.

كتب كانديا في رسالة بالبريد الإلكتروني من الأرجنتين: “في المجتمع، نستمع لفناني البوب مثل أريانا جراندي ومارون فايف وماريا كاري”. وتعتمد شعبية هؤلاء الفنانين المعاصرين على الذاكرة التواصلية، حيث يحصلون على الانتباه والاهتمام في “الملاهي الليلية والحانات ولقاءات الأصدقاء”، وفقاً لكانديا.

على الرغم من أن شباب وفتيان اليوم يستمعون إلى فرق كلاسيكية مثل البيتلز، فإنهم يفعلون هذا بشكل متعمد. صحيح أن لكل شخص ذوقه الخاص، ولكن الفرق القديمة مثل البيتلز لا تُذكر في إطار “أفعال التواصل أو النشاط الاجتماعي” على غرار قائمة أحدث الأغاني الناجحة، وفقاً لكانديا. وبدلاً من ذلك، فإن أغاني البيتلز مثل Yellow Submarine و Hey Jude محفوظة على سبوتيفاي، كما أن حفلات الأداء الحي والمقابلات لجون لينون موجودة على يوتيوب. إنها ليست منسية، ولكن طريقة وصولنا إلى ذكرياتنا الجمعية التي تخص هذا الغزو الثقافي البريطاني قد تغيرت من دون شك.

وكما يرسم الباحثون بشكل منهجي مخططاً يوضح “كيف تنسى المجتمعات”، فإنهم يحصلون أيضاً على معلومات حول مسألة تذكّر المجتمعات أيضاً. وتشير الأبحاث حول الذاكرة إلى أن الطابع المألوف، والقوافي البسيطة، والقوالب الروائية التي تنطبق على عدة أحداث في نفس الوقت، تساعد على بقاء الأحداث في الذاكرة. يبدو هذا منطقياً، بما أننا نعرف كيف تطور أسلوب رواية القصص. ففي ترجمة إميلي ويلسون للأوديسة في 2017، كتبت عن الألقاب التي حظيت بها كل شخصية، مثل “أوديسيوس ذي الاستدارات الكثيرة” أو “بينيلوبي الرزينة”: “إن هذه الميزة في شعر هوميروس تعود إلى تقليد إغريقي شفهي في الأغاني الشعرية، والذي يسبق ظهور هذه القصائد بشكلها الحالي بمئات السنين”. لقد مرت آلاف السنين منذ أن كُتبت هذه الملحمة الشعرية التي تعتبر من المواد الأدبية المفضلة لدى أساتذة اللغة الإنجليزية في المدارس، ولكننا ما زلنا نقرأها، وما زلنا نقلد أسلوبها وحبكاتها لرواية قصص أخرى.

على الرغم من كل المعلومات المتفرقة التي كشفها كانديا حول نسيان الموسيقى أو تذكر الرياضيين، فقد كان هدفه الأساسي بناء نموذج شامل لهذا النوع من التلاشي، وقد تمكن من تحقيق هذا الهدف. وبما أن هذا النموذج أصبح موجوداً، فقد أصبحت الاستفادة منه وقفاً على الآخرين. حيث يمكن للشركات الإعلامية أن تستفيد منه لفهم مدى حيوية القصص الإخبارية، كما تستطيع شركات التسجيلات الفنية أن تستخدم الرياضيات ثنائية الأسية للتخطيط لإطلاق أحدث إصداراتها. ولكن قد تكون هناك أيضاً استخدامات أخرى أكثر عمقاً.

أما كانديا، فهو يرغب بدراسة تأثير الموت على ذاكرتنا الجمعية حول الحياة. ففي 2019، يخطط كانديا لنشر دراسة أخرى حول موت الشخصيات العامة، وكيف يمكن لبيانات النعي وحفلات التأبين والجنازات المنقولة تلفزيونياً أن تعيدهم إلى حيز الاهتمام العام. يمكن لهذا العمل أن يكون أساساً لبحث يتمحور حول ميل الجنس البشري إلى نسيان أجزاء كبيرة من التاريخ، مع الاحتفاظ بالأحداث الهامة في ذاكرتنا الثقافية من دون سياق السنوات المحيطة ومن دون وجهة نظر الشخصيات التي لا تهمنا. وإذا عرفنا كيف خبت هذه اللحظات التاريخية بسرعة، وتحولت من حقائق عايشناها إلى روايات مكثفة نحتفظ بها للأجيال القادمة، فقد نتمكن من حماية أنفسنا من الوقوع في نفس الأخطاء مراراً وتكراراً.

error: Content is protected !!