Image

ولكنه ليس على وشك الانقراض

Bread assortment الموز مهدد بأحد أنواع الفطريات المميتة من بين مجموعة من الأمراض الأخرى.
حقوق الصورة: فليكر

يشكل الموز تجارة مهمة. وتتم زراعة حوالي 145 مليون طن من الموز حول العالم كل سنة. ويصل الاستهلاك السنوي من الموز في بعض المناطق إلى أكثر من 180 كيلوجراماً للفرد الواحد.
ولكن الموز مهدد بعدد من الأمراض، وقد تزداد معاناته في ظروف التغير المناخي الذي يزيد من انتشار العوامل المسببة للأمراض. ويحاصر أحد أنواع الفطريات المميتة حقول الموز في جميع أنحاء العالم، بينما يدمر أحد أنواع البكتيريا مزارع الموز في شرق إفريقيا. وتتسبب هذه الأمراض الخطيرة بذبول وموت أي نبات موز تصل إليه.
ويشعر الباحثون بالقلق من كون هذه الثمار تتعرض لمأزق عميق. ولكن الوضع لا يستدعي الذعر حتى الآن، فما زال الموز بعيداً عن خطر الفناء. ويعمل العلماء لإيجاد سبل لاحتواء هذه الأوبئة، وإيجاد أصناف جديدة لديها قدرة أكبر على البقاء. يقول تشارلز ستيفر، عالم الزراعة من المنظمة الدولية للتنوع الحيوي، ومقرها في مونبيلييه بفرنسا: “الوضع ليس ميؤوساً منه تماماً”.

وباء الأوبئة
يسمى الموز الذي نجده في معظم الأسواق حول العالم  كافينديش. ويرى الكثيرون أنه أقل لذة من النوع  الذي كنا ننتاوله من قبل ويدعى جروس ميشيل. ولسوء الحظ، فقد تم القضاء على معظم هذا الموز العُصاري في منتصف القرن العشرين بسبب مرض يدعى مرض بنما. ولكن هذا النوع ما زال يزرع محلياً إلى اليوم.

ويشكل الموز من نوع كافينديش 99 في المائة من صادرات الموز، وهو وضع وصل إليه بفضل مرونته في التعامل مع الفطريات التي تسبب مرض بنما. ولكن هناك أنواع أخرى كثيرة من الموز، فمنها موز الطهي الذي لا يؤكل نيئاً. ويقول ستيفر إن هناك أنواعاً أخرى تتم زراعتها في مناطق من أوغندا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وشرق الكونجو، لا تنمو في أي مكان آخر.
ولسوء الحظ، فإن هناك سلالة جديدة وخبيثة من الفطريات تسبب مرض بنما لم تتم السيطرة عليها بعد، ويعد الموز من نوع كافينديش غير محصن تجاهها. ولم يتأكد العلماء بعد من عدد الأنواع الأخرى المعرضة لها. وهي تعرف باسم السلالة المدارية 4، وهي الأكثر خطورة على الموز في جميع أنحاء العالم.
وقد تم رصد هذا المرض الذي تسببه الفطريات من نوع فوساريوم لأول مرة في تايوان عام 1967. وقد انتشر هذا المرض في السنوات الأخيرة بشكل مثير للقلق، حيث اجتاحت الفطريات آسيا وإفريقيا، وكان لها أثر مدمر على زراعة الموز في الصين. ومع أن أوستراليا تملك إجراءات صارمة للحجر الصحي، فإن المرض قد انتشر في عدة مزارع هناك أيضاً.

وتغزو الفطريات النبات بإصابة الجذور، ثم تنتقل إلى الأعلى عبر النسيج الوعائي الخشبي، وهو النسيج الذي ينقل الماء والعناصر الغذائية. ومع انسداد هذا النسيج يذبل النبات ويموت. كما أن فطر فوساريوم مستتر، حيث يمكن أن تبقى الأبواغ في التربة لعقود من الزمن، حتى تصيب نباتات موز جديدة بالعدوى. وقد توقّع الباحثون أنه إذا لم يتم الكشف عن السلالة المدارية 4، فإنها قد تقتل 80 في المائة من الموز كل سنة.

ومع كل ضراوتها، فإن السلالة المدارية 4 ليست المرض الوحيد الذي يضرب الموز. فهناك ذبول الموز الذي تسببه بكتيريا من نوع زانثوموناس، وهو عدوى بكتيرية قاتلة، تسبب تعفن الموز ورشح مادة بلون كريمي إلى أصفر شاحب ثم موت النبات. وكما هو الحال مع فطر فوساريوم، تسد هذه البكتيريا النسيج الوعائي بحيث لا تصل إليه العناصر الغذائية. وتم احتواء هذه البكتيريا في إثيوبيا حتى عام 2001، ولكنها تنتشر اليوم عبر شرق إفريقيا لتضرب بقوة أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية  بشكل خاص.
ويزرع حوالي ثلث الموز العالمي في إفريقيا، ويأتي نحو 40 في المائة من  هذا الثلث من شرق إفريقيا. وفي هذه البلدان، حيث يزرع صغار المزارعين معظم ثمارالموز، يعتبر الذبول البكتيري هو مصدر القلق الأكبر. وتنتشر البكتيريا بسرعة أكبر من الفطريات، حيث تحملها الحشرات والأدوات المصابة. ووفقاً للمعلومات المتوفرة لدى الباحثين، يمكن للذبول البكتيري أن يصيب -ويقتل دائماً- أي نوع من أنواع الموز.

تقول لينا تريباثي، وهي أخصائية في التكنولوجيا الحيوية النباتية في المعهد الدولي للزراعة المدارية، في نيروبي بكينيا: “بمجرد إصابة أحد النباتات في الحقل، سيتم القضاء على الحقل بأكمله في غضون أشهر قليلة. إن هذا المرض يدمر سبل معيشة الملايين من المزارعين الذين يعتمدون على الموز”.

وهناك أيضاً فيروس تورّد القمة في الموز الذي ينتشر عن طريق إصابة المواد النباتية وعن طريق حشرة منّ الموز عندما تتغذى عليه. وهو مرض شائع في أجزاء من إفريقيا وآسيا. يؤثر هذا المرض أيضاً على كل أنواع الموز، ولكن بعض الأنواع يمكنها أن تنجو منه أكثر من غيرها. وهو يجعل الأوراق تبدو واهنة متجمعة عند قمة النبات.   

يقول ستيفر إن هذا المرض موجود منذ عقود، ولكن لم نشهد الخسارات الكبيرة التي سببها وندرك حجم التهديد الذي يشكله إلا في السنوات الأخيرة. ويبدو اليوم أن وتيرته تتسارع. وهذا أمر يبعث على القلق بوجه خاص في حوض الكونغو. حيث يمكن أن يفقد المزارعون في هذه المنطقة محاصيلهم من الموز، ليتحولوا إلى محاصيل أخرى مثل نبات البفرة. يقول ستيفر: “إنهم لن يموتوا جوعاً، لكنهم سيفقدون عنصراً رئيسياً من غذائهم”.

وفي أجزاء من وسط إفريقيا، يمكن أن تُدمَّر المزارع بفعل فيروس تورّد القمة، ونقص الدعم من المنظمات البحثية، وغير ذلك من الخدمات التي تساعد المزارعين في التعامل مع هذه الآفات. يقول ستيفر: “سينتهي الأمر بالقرى وهي خالية من الموز، فليس لدى المزارعين أي دعم من أي مكان، ولا أحد يهتم”.
وهناك مرض رئيسي آخر هو سيجاتوكا السوداء، وهو مرض فطري يهاجم الأوراق في كل مكان. كما يتعرض الموز للأذى من جراء آفات مثل الديدان الإسطوانية والسوس. ومن المتوقع أن يؤثر تغير المناخ على الموز أيضاً.

والخبر السار هو أن الموز قوي جداً، على الأقل عندما يتعلق الأمر بهذا التهديد الأخير، فنحن نزرع الموز في ظروف مدارية وشبه مدارية في جميع أنحاء العالم، من جنوب أفريقيا إلى تركيا. وإذا ارتفعت درجات الحرارة، فإن الموز يجب أن يزدهر. ولكن كلما ازدادت حدة الظروف القاسية مثل العواصف والجفاف، فمن المرجح – بحسب ستيفر- أن تضرب الأمراض المزارع الفردية بقوة. وتقول تريباثي إن درجات الحرارة الأكثر دفئاً قد تحث على نمو بعض مسببات الأمراض التي تصيب الموز بقوة أكبر، لذلك قد ينتشر المرض بشكل أسرع.

الآمال
ولكن هناك بعض الأخبار المشجعة حول الموز، فالسلالة الجديدة من مرض بنما لم تصل بعد إلى أمريكا اللاتينية. ويقول ستيفر إن العلماء في تايوان قد تمكنوا من زراعة أصناف من الموز كافينديش التي تعد إلى حد ما مرنة ضد المرض، ليستمر إنتاج الموز لفترة أطول في وجود الفطر. وتزرع هذه الأصناف تجارياً في الفيلبين.
ويضيف ستيفر أنه يمكن أيضاً فحص البكتيريا والفطريات التي تنمو بشكل طبيعي على الموز وتحديد تلك التي يمكن أن تحمي النبات من العدوى. ثم يمكن إعطاء النباتات المزيد من هذه الميكروبات المفيدة. وقد تم تطبيق هذا الأسلوب على الفراولة والطماطم في الماضي. والميكروبات متوفرة تجارياً. وقد حدد الباحثون بعض البكتيريا الواعدة للموز، ولكن هذا العمل هو إجراء تمهيدي.
ويقوم باحثون آخرون بتعديل الموز ليقاوم هذه الآقات القاتلة، على الرغم من أن هذه التقنية أيضاً ليست إلا في المراحل الأولى من الاختبار. وتقوم تريباثي وزملاؤها بعمل هندسة وراثية على الموز ليقاوم الذبول البكتيري والديدان الإسطوانية. ولأن جميع أصناف الموز معرضة للذبول البكتيري، لا يمكن استخدام الزراعة التقليدية لتطوير أصناف مقاومة. وقد حدد العلماء اثنين من الجينات في الفلفل الحلو يرتبطان بمقاومة الأمراض. فهما يعززان ما يسمى الاستجابة مفرطة الحساسية، والتي تستخدمها النباتات لمحاربة المرض. وعندما يكتشف النبات المسبب المرضي، فإنه يقتل الخلايا الخاصة به التي تتصل بالميكروب. وتشكل بقع الخلايا الميتة حاجزاً مادياً لا يمكن للمسبب المرضي اختراقه، ليتم منعه من الانتشار أكثر في النبات.
تقول تريباثي إن الفريق قد قام باختبار الموز الذي يحمل جينات الفلفل في حقول معزولة بعناية في أوغندا، ووجده مقاوماً تماماً للذبول البكتيري. ولو كانت هذه الأصناف طبيعية أو غير معدلة وراثياً لماتت جميعاً.

بعد العمل على اثنين من أصناف الموز يدعيان سوكالي نديزي و ناكينييكا، يعمل العلماء الآن على نقل هذه التقنية إلى الموز من نوع كافينديش وأنواع الموز الأخرى. وهم يخططون في المستقبل للحصول على موز معدل وراثياً يحمل كلا الجينين المفيدين للفلفل. وهدفهم هو الوصول إلى موز يمكن أن يزرعه صغار المزراعين، ويكون له نفس سعر الموز غير المعدل وراثياً، وله نفس الشكل والمذاق. وهم يأملون في دخول الفاكهة المعدلة وراثياً الأسواق  بحلول عام 2022.

في الوقت نفسه، هناك طرق تساعد في الحد من انتشار الأمراض، كنزع الأزهار المذكّرة التي تجتذب الحشرات الحاملة للأمراض في المراحل المبكرة من نمو النبات. ويمكن للمزارعين أيضاً تنظيف الأدوات بين الاستخدامات في الحقول واستخدام مواد الزراعة النظيفة. تقول تريباثي: “لا يمكن للبكتيريا التي تسبب الذبول البكتيري البقاء حية في التربة لفترة طويلة جداً، لذلك تمكّن بعض المزارعين من إعادة زراعة محاصيلهم”.
وهناك خيار قاسٍ آخر، يتمثل في التحول من موز كافينديش إلى صنف جديد. ولكننا لسنا في وضع يجعلنا نقلق بهذا الشأن بعد. ولسنا على وشك أن نخسر كل ما لدينا من الموز، أو حتى موز كافينديش المعرض للخطر بسبب أي مرض من هذه الأمراض. يقول ستيفر: “إنه تهديد كبير ولكنه ليس تهديداً فورياً”. ويتساءل: “هل يُحتمل أن ترتفع أسعار الموز في المتاجر الكبرى في العامين القادمين؟ على الأرجح لا”.

ويشير ستيفر إلى أن السلالة المدارية 4 قد ظهرت في تايوان لعقود من الزمن، بينما ما يزال الموز من نوع كافينديش يزرع هناك، وإن كان على نطاق أضيق مقارنة بفترة ما قبل انتشار السلالة الجديدة من الفطر. لذلك يواجه الموز تهديدات خطيرة جداً يجب معالجتها، والمزارع الصغيرة على وجه الخصوص معرضة لخطر تدمير محاصيلها. ولكن الموز لا يواجه مصير الفناء، وليس على وشك أن يختفي من على وجه الأرض.  تقول تريباثي: “أنا لا أعتقد أن الموز سوف ينقرض. لن يحدث هذا أبداً”.

error: Content is protected !!