Reading Time: 4 minutes

في الوقت الذي يواجه فيه العالم انتشار فيروس كورونا، ينصح خبراء الصحة بأن الطريقة الرئيسية لتقليل احتمالات الإصابة به، هي غسل اليدين جيداً وبشكل متكرر. ولكن، ماذا لو نتمكّن من الوصول إلى المياه النظيفة؟

في الواقع، لقد أحرزت العديد من الدول تقدماً كبيراً خلال السنوات الأربعين الماضية في مجال معالجة مياه الصرف الصحي، وتوفير مياه الشرب النظيفة للسكّان، وتعزيز احتياجات الزراعة من المياه لتوفير الغذاء. لكّنني أعلم، بصفتي باحثاً أركّز على إدارة مواد المياه وسياستها، أن الكثير ما يزال أمامنا لتحقيق الأمن المائي.

يعيش أكثر من 40% من سكان العالم في مناطق تشح فيها المياه النظيفة، ومن المرجّح أن ترتفع هذه النسبة بمرور الوقت. ويموت يومياً نحو 1000 طفل بسبب الأمراض التي يمكن الوقاية منها، والتي تنتقل إليهم عبر المياه الآسنة، ومياه الصرف الصّحي.

الحياة بدون ماء نظيف

ازداد استخدام المياه في جميع أنحاء العالم بنحو 1% سنوياً منذ الثمانينيات، ويرجع ذلك إلى النمو السكاني والتنمية الاقتصادية، وتغيّر أنماط الاستهلاك. وفي الوقت نفسه، تزداد المخاطر التي تهدد مصادر المياه النظيفة بسبب التغير المناخي، والإفراط في استخدامها، بالإضافة إلى التلوث.

على سبيل المثال، اضطر سكان تشيناي في الهند عام 2019 إلى الوقوف في طوابير طويلة للحصول على مياه الشرب النظيفة من الصهاريج، لأن خزّانات المدينة كانت فارغة. وفي ظل التغير المناخي؛ يفاقم الجفاف المستمر في استنفاذ كامل مصادر المياه المحلية تقريباً. كما لا تزال المدينة -التي يقطنها 7 ملايين نسمة- تواجه نقصاً حاداً حتّى الآن، وقد تستنفذ كامل مخزون المياه الجوفية المتاحة في غضون بضع سنواتٍ فقط.

في ريف المكسيك، يفتقر حوالي 5 ملايين شخص إلى إمكانية الحصول على المياه النظيفة، حيث تقوم النساء والأطفال بتأمين وجلب المياه، مما يؤدي إلى حرمانهم من التعليم ومن أي نشاطاتٍ أخرى، بينما يقرّر الرجال كيفية توزيع حصص المياه.

وقد نُصح سكّان مدينة فلينت في ميشيغان في أغسطس/ آب عام 2019 بغلي الماء كإجراء احترازي؛ نتيجة مخاوف نجمت عن احتمال تسرّب الملوثاتِ إلى أنابيب التغذية بسبب عطلٍ فيها. كانت المدينة قد شهدت سابقاً معاناة من حالات التسمم بالرصاص بين السّكان، بسبب قِدم شبكة أنابيب المياه المصنوعة من الرصاص. وقد استعادت المدينة ثقتها بسلامة مياه الشرب تدريجياً بعد العمل على معالجة تلك المشاكل. أُعلن فيما بعد أنه لا حاجة لغلي الماء بعدما تبيّن خلو عينات مياه الشرب من الملوّثات، لكن الإدارة المحلية في المدينة لا تزال تعمل على استبدال أنابيب مياه الشرب الرصاصية، بأخرى من الفولاذ المجلفن لمنع أيّ تلوثٍ محتمل بالرصاص.

اليوم، ومع انتشار فيروس كورونا في كل أنحاء العالم، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، يعدّ غسل اليدين تحدياً صعباً في العديد من البلدان النامية، بسبب نقص المياه النظيفة والصابون. كما يعيش العديد من سكان الأحياء الفقيرة في المنازل دون أيّ تمديداتٍ للمياه.

أنظمة مُجهدة

وفقاً للأمم المتحدة، يعدّ الطلب المتزايد على المياه في مختلف القطاعات الصناعية والمنزلية والزراعية؛ مؤشراً على أن حياة الناس باتت أفضل بشكلٍ عام، بفضل التقدّم في تقنيات استخدام الماء العذب للزراعة وللاستهلاك العام. غير أن الخبراء يلاحظون ثلاثة مجالات لا يزال التقدم فيها متخلفاً.

أولاً: يعيش أكثر من ملياري شخص في بلدان تعاني من إجهادٍ مائي مرتفع، ويعاني نحو 4 مليارات شخص من شحّ شديد في المياه خلال شهرٍ واحد على الأقل من السنة. تُعزى هذه المشاكل بشكلٍ مباشر إلى ارتفاع الطلب على المياه، والآثار المتزايدة للتغير المناخي، بينما تزيد هذه المشاكل من سوء معاملة النساء اللائي يتحملن العبء الأكبر لتوفير المياه الشحيحة للأُسر.

ثانياً: بالرغم من إنفاق حكومات العديد من البلدان المزيد من الأموال من أجل تسهيل الحصول على المياه (غالباً من خلال تخصيص موارد المياه وعرضها للاستثمار الذي يُثري الشركات الهندسية العاملة في تأسيس البنية التحتية)؛ إلا أنّ إمكانية الحصول على المياه النظيفة ما تزال غير كافية. يفتقر نحو 800 مليون شخص في العالم إلى تقنيات الصرف الصحي الحديثة، وفي كثير من الحالات تتعرّض مصادر المياه النظيفة، مثل الجداول والأنهار، إلى التلوّث بفضلات المراحيض البدائية البشرية. ولا تزال 80% من مياه الصرف الصحي الناتجة عن الأنشطة البشرية في جميع أنحاء العالم دون معالجة.

ثالثًا: تتعرّض البنية التحتية للمياه في كل بلدٍ إلى التدهور، ويقوم الناس بالتخلّص من الأدوية ومنتجات العناية الشخصية وغيرها من السلع المنزلية في شبكات المياه العامة. تتسبّب هذه المشاكل معاً بالمزيد من الملوّثات الدائمة التي يصعب معالجتها، وتهدّد الصحة العامة في جميع أنحاء العالم.

مشكلة المياه النظيفة كاختبارٍ للقيادة السياسية

تعدّ المشاكل السابقة بالغة الخطورة، ولكن من الممكن إحراز تقدم إذا قامت وكالات المياه والمسؤولون بإشراك الجمهور في الجهود التي تسعى لتوفير المياه النظيفة، واستعانت بالمشورة القائمة على الأدلة من الخبراء، ومارست السياسات الحكيمة، وتحمّلت المسؤوليات المرمية على عاتقها.

كخطوة أولى، تحتاج الحكومات إلى التركيز على التخطيط طويل الأمد والاستجابات المنسقة. فالمشاكل التي تواجه تشيناي وريف المكسيك، وفلينت وأماكن أخرى هي مشاكل لا حصر لها، تولد عادة علامات إنذار مبكرة تجعل من الواجب التحضير لمواجهتها في حال حدوث أي طارئ. وغالباً ما يتجاهل المسؤولون الحكوميون هذه الإنذارات سبب الافتقار إلى الإرادة السياسية، أو الشعور بالحاجة إلى اتخاذ اجراءاتٍ عاجلة.

على سبيل المثال، في كيب تاون في جنوب أفريقيا، واجه السكان نقصاً حاداً في المياه عام 2017 على غرار ما حدث في مدينة تشيناي. كان من الواضح في السنوات السابقة أن البنية التحتية للمياه في المدينة لا يمكنها التعامل مع الطلب المتزايد على الماء النظيف. وكانت دراسة أُجريت بتمويل من الحكومة عام 1998، قد أوصت ببناء محطّة لمعالجة مياه الصرف الصحي لمواجهة الجفاف المحتمل في المستقبل، لكن لم يتمّ بناء المحطة إطلاقاً. وبالمثل، تصاعدت أزمة المياه في مدينة فلينت في ميشيغان لنحو 18 شهراً، في الوقت الذي صمّ المسؤولون الحكوميون آذانهم عن سماع شكاوى السكّان المتكررة حول رائحة وطعم المياه الكريهة.

لكن هناك أخبار جيدة بالمقابل، حيث بدأت العديد من المدن الكبيرة، بما فيها لوس أنجلوس وساو باولو في البرازيل، بالانتباه إلى الإشارات التحذيرية الناجمة عن التغير المناخي. فقد شرع المسؤولون الحكوميون في إيجاد بدائل مبتكرة للحفاظ على مصادر المياه، وإعادة استخدامها، ودعم مشاريع حصاد مياه الأمطار.

ثانياً: من المهم الاعتراف بمشاكل المياه بوصفها تحدٍ يتعلّق بالعدالة البيئية. يعمل البرنامج الهيدرولوجي الدولي التابع للأمم المتحدة الآن على تعزيز المساواة في الحصول على المياه النظيفة، مع الاعتراف بأنّ تبعات الجفاف الطويلة، وتلوّث المياه وفقدانها؛ تقع بشكلٍ غير متناسب على النساء والأطفال، والضعفاء والمحتاجين والأقليات المضطهدة الذين يُجبرون في كثيرٍ من الأحيان على الهجرة إلى مكانٍ آخر، عندما تصبح الظروف غير محتملة. هنا في الولايات المتحدة، تتعهد المدن والولايات بعدم قطع إمدادات المياه عن المنازل التي لا تدفع فواتيرها خلال أزمة فيروس كورونا.

وأخيراً، أعتقد أن بناء الثقة مع العامة أو استعادتها هو أمرٌ بالغ الأهمية لمعالجة هذه المشاكل. تُظهر تجارب المدن التي استطاعت النجاة من الجفاف، مثل ملبورن في أستراليا، أن الحكومات بحاجةٍ إلى النظر في مخاوف المجتمع المحلّي ومعالجتها، وتعزيز الثقة في الوكالات المُكلّفة بتنفيذ الحلول. وبرأيي فأفضل طريقةٍ لبناء هذا النوع من الثقة؛ هو العمل على معالجة أزمات المياه اليوم ومواجهتها بشجاعة.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن